خبير اقتصادي سوري يكتب: النظام الاقتصادي العالمي بات يترنح

26 أكتوبر 2013 - 06:59
الحكومة الأميركية وحكومات حلفائها في الغرب أمام خيارين لا ثالث لهما الحكومة الأميركية وحكومات حلفائها في الغرب أمام خيارين لا ثالث لهما
الاقتصادي سورية ـ خاص:

الدكتور سلمان الحكيم

رئيس قسم المحاسبة والتمويل - كلية العلوم الإدارية والمالية - جامعة اليرموك الخاصة

شهد العالم خلال القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي العديد من الأزمات الاقتصادية، ابتداءً من أزمة الكساد الكبير عام 1929 وانتهاءً بالأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008.

ومع كل أزمة تستنفر الحكومات الرأسمالية بكافة أجهزتها السياسية والاقتصادية، لتبدأ بوضع الخطط والبرامج الإصلاحية، لكنها وفي كل مرة تقع في نفس الخطأ المقصود أو غير المقصود والمتمثل في فقدان التشخيص السليم للأزمات، مما يجعل تلك الإصلاحات مسكنات للألم وليست إصلاحات علاجية.

فمنذ عام 1929 وحتى الآن عصفت بالعالم أكثر من مائة أزمة دون إيجاد حلولاً جذرية لمنع تكرارها، وذلك بسبب القناعات والاعتقادات السائدة بأن الأزمات ما هي إلا أزمات مالية وحلولها يجب ألا تخرج عن هذا الإطار.

لكن مع وقوع الأزمة العالمية عام 2008 وما ترتب عنها من تعرية كاملة للنظام الرأسمالي، وكشف فضائحه المالية أرغم الاقتصاديون الرأسماليون وصناع القرار الاقتصادي والسياسي على الاستجابة للأصوات التي تعالت من كل أنحاء العالم والمطالبة، بضرورة إجراء تغييرات جذرية وحقيقية في النموذج الاقتصادي والسياسي الراهن.

سنحاول في هذا المقال عرض وتقييم أهم الإجراءات المتخذة في سبيل مواجهة الأزمة التي تجاوز عمرها الخمس سنوات، وذلك للتنبؤ فيما إذا كان النظام الاقتصادي العالمي في ظل تلك الإجراءات قادراً على الاستمرار أو أنه بات يترنح على إيقاع تداعيات أزمة الموازنة الأميركية من جهة وأزمة الدين العام من جهة أخرى.

بدأت الإصلاحات المالية رسمياً مع إقرار الحكومة الأميركية قانون إصلاح وول ستريت، وحماية المستهلك والمعروف بقانون "دود_فرانك"، وذلك في منتصف شهر تموز لعام 2010.

ويقوم هذا القانون على فكرة أساسية تتمثل بالحد من سلطة البنوك والمؤسسات المالية الكبيرة التي تمددت وتفرعنت دون حسيب أو رقيب إلى أن تمكنت من رفع شعارها الخطير وهو "إنني أكبر من أن أفشل"، وهذا الشعار أعطى الضوء الأخضر للمؤسسات المالية الكبرى للإفراط في المغامرة والمجازفة بعمليات وأنشطة على درجة عالية من المخاطر، لأنها تدرك في حال إخفاقها سوف تتدخل حكومات الدول التي تعمل فيها لإنقاذها.

ولتشجيع البنوك والمؤسسات الكبرى على الانكماش وتقليص حجم أنشطتها فقد اشتملت القوانين الجديدة على مجموعة من الضرائب والرسوم المتناسبة، مع حجم ودرجة مخاطر الأنشطة التي تمارسها تلك البنوك والمؤسسات.

ولكن وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على استنان قانون دود_فرانك لم ترى معظم هذه القوانين النور باستثناء ما أعلنه مجلس "البنك المركزي الأميركي" في عام 2013، عن خططه لفرض ضريبة على أكبر البنوك والمؤسسات المالية الأميركية نسبتها أقل من 1% من أرباح تلك البنوك والمؤسسات، وفضلاً عن التأخير في الإصلاح، فإن الجزء الأكبر من الرسوم التي ستفرض على البنوك والمؤسسات المالية الأميركية الكبرى، ستستخدم لتأسيس صندوق لتوفير الأموال لعمليات الإنقاذ في المستقبل، مما يعكس اعترافاً بأن المسلسل المكسيكي للأزمات وخطط الإنقاذ لن يتوقف على المدى المنظور.

والأسوأ من كل هذا أن أكبر البنوك الأميركية أصبحت أكبر حجماً مما يعني عدم تفاعلها مع القوانين الجديدة، فمنذ إقرار قانون دود_فرانك في منتصف عام 2010 حقق بنك جي بي مورغان وويلز فارغو نمواً مشتركاً بقيمة 460 مليار دولار على شكل أصول، كما أن أرباح بنك جي بي مورغان عن الربع الأول لعام 2013 بلغت 6.5 مليارات دولار.

ومن المبادرات الهامة التي يمكن أن تساهم في وضع حد لهيمنة المؤسسات المالية الكبرى، مبادرة بول فولكر "الرئيس الأسبق لمجلس البنك المركزي الأميركي"، وأفكار فولكر التي باتت تعرف بقاعدة فولكر Volker rule تشبه إلى حد ما قانون جلاس _ ستيجول الذي تم إقراره في الولايات المتحدة الأميركية عام 1933 في أعقاب أزمة الكساد الكبير.

وتقوم قاعدة فولكر بشكل أساسي على التمييز بين الأعمال المصرفية التجارية من جهة والاستثمارية من جهة أخرى، ولكن حتى الآن لم يتم تطبيق قاعدة فولكر، وإذا ما تم تطبيقها يمكن أن تساهم في الحد من المتاجرة في الأملاك من قبل البنوك، لكن بالمقابل وحسب تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن "صندوق النقد الدولي"، فإن بإمكان البنوك التكيف مع الأوضاع الحالية، حيث أشار التقرير إلى أنه يجري العمل حالياً من قبل المهندسين الماليين على استحداث منتجات مالية مبتكرة للالتفاف على القواعد التنظيمية الجديدة، والأهم من ذلك أن البنوك الكبرى تستطيع تجاوز القوانين الجديدة ببساطة من خلال العمل مع مؤسسات وبنوك الظل التي لا تخضع للقواعد التنظيمية للبنوك.

ومن هنا يمكن ملاحظة عدم توافر الرغبة في تحقيق إصلاحات حقيقية وسريعة، حيث من المعلوم، بأن بنوك الظل كانت من العناصر الرئيسية التي ساهمت في عرض وطلب المنتجات المورقة التي تنطوي على مخاطر عالية، والتي أدت إلى الانهيار المالي عام 2008، لكن الأمر المستغرب أنه وبعد مرور خمس سنوات على اندلاع الأزمة لم يتم حتى الآن وضع قواعد خاصة بالمشتقات المالية، كما أن نظام الظل المصرفي مازال بلا إصلاح يجول ويصول بدون ضوابط ومعايير رقابية تحكم عملياته وأنشطته.

أما بالنسبة للإصلاحات المالية في منطقة اليورو، فإنها لا تختلف كثيراً عما هو الحال في أميركا، من حيث عدم توافر رغبة حقيقية في إحراز تقدم سريع في تلك الإصلاحات، فمع مطلع عام 2012، اتفقت المفوضية الأوروبية مع البرلمان الأوربي على إصلاح القواعد المنظمة لسوق المشتقات المالية، ولكنها مازالت حتى الآن حبراً على ورق، وإنني أعتقد بأن أهم ما يجري في فلك الإصلاح المالي في أوروبا يتمثل بالضريبة على المعاملات المالية، حيث قدمت المفوضية الأوروبية في أيلول لعام 2011 مقترحاً بهذا الشأن، ينص على فرض ضريبة بنسبة لا تقل عن 0.1% على الأسهم والسندات و 0.01% على المشتقات المالية، لكن مازال مصير الضريبة الأوروبية على المعاملات المالية مجهولاً حتى الآن، ولاسيما بعد أن أقدمت الحكومة البريطانية في نيسان لعام 2013 على رفع دعوى قضائية أمام المحكمة الأوروبية ضد ضريبة الصفقات المالية.

من خلال العرض السابق لأهم الإجراءات المتخذة لمواجهة الأزمة العالمية سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو في أوروبا، يتبين لنا وبكل وضوح التباطؤ الشديد في وتيرة الجهود المبذولة، وهذا التباطؤ مقبول انطلاقاً من "أن تأتي متأخراً أفضل من أن لا تأتي أبداً"، إلا أن ما لا يمكن قبوله تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة واعتبارها مجرد أزمة مالية وأسبابها مالية بحتة، وبالتالي فإن الإصلاحات المقترحة والمعتمدة حتى الآن بمجملها مسكنات لأنها لا تقدم تغيير فكري وعملي في النظام الرأسمالي.

فمنذ أزمة الكساد العالمي أي منذ ما يقارب القرن، أثبت فشل رؤى آدم سميث وخرافة اليد الخفية، وتبين عجز السوق عن معالجة الاختلالات وعن إعادة التوازن دون تدخل الدولة، وبناءً عليه، هناك سؤال مطروح وبقوة: "لماذا كل هذه المكابرة والإصرار على التمسك بنظام قائم على قواعد متناقضة تجعله نظام أزمات بامتياز؟".

في الحقيقة إن الحكومة الأميركية وحكومات حلفائها في الغرب أمام خيارين لا ثالث لهما.

الخيار الأول: أن تعمل على إحداث تغييرات حقيقية في النظام الاقتصادي العالمي، ولكن هذا الخيار سيفقد أمريكا وحلفائها الهيمنة والسيطرة على العالم، فضلاً عن أنه سيواجه رفضاً ومقاومة من قبل البلوقراطيين "النخبة المالية".

الخيار الثاني: يقتضي التمسك بالنظام الاقتصادي العالمي مع العمل على إيجاد منظومات يمكن من خلالها تصدير أزمات النظام.

والتاريخ يشهد بأن الولايات المتحدة الأميركية، قد تبنت الخيار الثاني بالإضافة إلى تبني كافة الأساليب الكفيلة بإخضاع كوكب الأرض للإكراه الاقتصادي، ففي عام 1944 أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأميركية، تبلورت فكرة إحداث أدوات الهيمنة الاقتصادية والمتمثلة بـ"صندوق النقد والبنك الدوليين"، كما اتفق المجتمعون على تثبيت الدولار بقيمة الذهب بمعدل 35 دولار للأونصة وترتيب العملات الأخرى بحسب قيمتها اتجاه الدولار.

وفي عام 1971 أصدر الرئيس الأميركي نيكسون قراره الخطير بفك ارتباط الدولار بالذهب معلناً بذلك الاحتلال الاقتصادي للعالم.

وبغض النظر عن السيرة الذاتية للدولار وغيره من ركائز النظام الرأسمالي، فإن الفكرة التي أود إيصالها أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة العالمية لعام 2008، لم تحدث تغييراً في تلك الركائز الرأسمالية تاركة بذلك الأبواب مفتوحة لتمرير المزيد من الأزمات في المستقبل القريب. وما يجري حالياً في أميريكا يعزز وجهة نظرنا حول اقتراب موعد الأزمة الجديدة، حيث أن أزمة الموازنة الأميركية أدت إلى إغلاق جزئي للدوائر الحكومية لم تشهده البلاد منذ 17 عاماً، كما تعرض الدولار لضغوط في الأسبوع الماضي بسبب مخاوف الأسواق من أزمة الموازنة، حيث استقر الدولار يوم الجمعة في 4 تشرين أول 2013 قرب أدنى مستوى له منذ ثمانية أشهر. والأمر المخيف يكمن في البيانات الصادرة عن جهات مختلفة تظهر تباطؤ نمو قطاع الخدمات الأميركي خلال شهر أيلول الماضي، حيث يساهم القطاع الخدمي بأكثر من 75% من الناتج الإجمالي الأميركي.

والمشكلة ليست فقط في انخفاض الإيرادات المتأتية من قطاع الخدمات وإنما في تحول أميركا صاحبة أقوى اقتصاد في العالم من دولة صناعية إلى دولة خدمات، فعلى الرغم من سرعة وارتفاع عوائد قطاع الخدمات لكنها بنفس الوقت غير مستقرة ومرتبطة بالأعمال التي تخدمها، كما أن الاعتماد على قطاع الخدمات وإغفال القطاع الصناعي يؤدي إلى خلل كبير في المعادلة الاقتصادية ويحمل الكثير من الآثار السلبية.

وإذا أزمة الموازنة أدت حتى الآن إلى إحالة أكثر من 700 ألف موظف على البطالة وإغلاق المواقع السياحية ومواقع الإنترنت الحكومية، فكيف سيكون الحال في الأيام القليلة المقبلة عند انفجار أزمة الدين العام.

وقد حذرت "وزارة الخزانة الأميركية" في تقريرها الصادر مع مطلع الشهر الحالي من زلزال اقتصادي ربما يكون أكثر خطورة من الأزمة العالمية في عام 2008، إذا ما لم يتمكن البيت الأبيض من إقناع الكونغرس على رفع سقف الدين العام للولايات المتحدة الأميركية.

ولكننا نرى بأن المشكلة ليست رفع أو عدم رفع سقف الدين بقدر ما هي مشكلة تتمثل بالارتفاع المتزايد والمتسارع في حجم الدين العام البالغ حالياً 16.7 تريليون دولار، متجاوزاً بذلك الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، في حين بلغ في أيلول 2007 "قبل الأزمة" 9.2 تريليون دولار، مشكلاً 70% من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك، وينظر إلى الدين العام الأميركي على أنه يعد تهديداً للاستقرار المالي العالمي، لأنه يؤدي إلى المزيج المدمر اقتصادياً والمتمثل في ارتفاع معدلات الفائدة ومعدلات التضخم.

أخيراً فإنني أرى بأن الأزمة العالمية الجديدة قد اشتعلت، وأصبح من المتوقع انفجارها في أي وقت، ومما لا شك فيه أن عواقبها الاقتصادية ستكون موجعة جداً، لكنني بنفس الوقت متفائل بالأزمة القادمة لأنها ستشكل بداية مرحلة جديدة تتمثل بالتحرر من الهيمنة الاقتصادية الأميركية، وما يزيدني تفاؤلاً أن حكومات الدول الصاعدة التي تشكل بمجموعها القطب العالمي الجديد باتت تدرك أن النظام الاقتصادي العالمي قد دخل مرحلة الاحتضار، وبناءً عليه فإن هذه الحكومات تعمل وبشكل مستمر على اتخاذ كافة الإجراءات والترتيبات التي من شأنها التخفيف من مخاطر الأزمة القادمة من جهة، وإقامة نظام اقتصادي أكثر عدالة وأكثر احتراماً لحقوق الإنسان من جهة أخرى.