وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – خاص:

عقبة الصفدي

 

من أعظم قرارات والدي المبكرة أنه وضع استثمارات هائلة لتعليمنا وتزويدنا بأفضل مستويات الخبرة، حيث كان يرى أن أولاده هم رأسماله الحقيقي، بهذه المقولة يختصر نجيب ساويرس نجاحه في عالم الأعمال، سيما أنه كان محطّ ثقة والده، فلم يكن رأسمالاً حقيقياً فحسب، وإنما أيضاً من أقوى رجال الأعمال المصريين في ميدان المقاولات والاتصالات، فنجيب ساويرس الذي تخطّى إطاره المحلي، دافعاً شركة عائلته نحو النجاح والسيطرة في عالم الأعمال، منح لمسقط رأسه سوهاج لقباً جديداً، إذ لم تعد فقط عروسة النيل، بل أصبحت بلد الرابح الأكبر وثاني أغنى رجل في مصر.

بدأ رحلته في دنيا الأعمال بــ5,000 جنيه

تعود بذرة أعمال ابن سوهاج المولود في يونيو (حزيران) 1955، إلى شركة مقاولات صغيرة كان يملكها والده أنسي ساويرس بخمسينيات القرن الماضي في صعيد مصر، لكن لم يُكتب لتلك الشركة النجاح، إذ أُمّمت عام 1962 من قبل الحكومة المصرية، ولم يبقَ شيء من ممتلكات الشركة، وعلى إثرها غادر أنسي البلاد إلى ليبيا، واحترف في عالم التوكيلات والمقاولات، وعاد إلى مصر عام 1975، وأسس شركة"أوراسكوم" للمقاولات، التي بقيت تعمل في ظل المقاولات الكبرى، واستمر الأمر كذلك حتى عام 1979، وهو تاريخ عودة نجيب، حاصلاً على شهادة في الهندسة الميكانيكية وشهادة ماجستير في الإدارة الفنية من "المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا" في زيوريخ الألمانية.

بدأ نجيب رحلته في الأعمال بعامه الـ23 وبرأسمال مقداره 5,000 جنيه، ليصبح بعد عامين ونصف العام 250 ألف دولار، ويتحدث نجيب لقناة "صدى البلد" عن بدايته قائلاً: كان عمري 23 عاماً، وكان لدي ثروة، وسيارتي الأولى اشتريتها بـ4,000 جنيه ولم أحصل على مال من والدي".

انضم نجيب -بطلب من والده- لمجموعة "أوراسكوم" التي تضم شركات عائلته، وساهم في نمو وتنويع نشاط الشركة لتصبح اليوم أكبر مؤسسات القطاع الخاص في مصر وأكثرها تنوعاً، وبما قدمه نجيب أصبحت تمتلك "مجموعة أوراسكوم" أكبر حصة رأس مال في بورصتي "القاهرة" و"الإسكندرية" على الإطلاق.

شقّ طريق أوراسكوم إلى عالم التكنولوجيا والاتصالات

لم يقف نجيب عند حدود المقاولات، وما حققه من نجاح في هذا الميدان لشركة العائلة، وإنما فتح الطريق أمام "أوراسكوم" للتقدم في عالم التكنولوجيا والاتصالات، حيث أنشأ قطاعاً للتكنولوجيا في "أوراسكوم" عام 1987، بعد حصوله على وكالة من شركة "أتش بي" للحاسبات وظل يطور في هذا القطاع وضم إليه وحدة اتصالات الحاسب من شركة "أميركان تيلفون آند تيلغراف" (American Telephone & Telegraph) عام 1990 ليستكمل منظومة العمل في هذا المجال، ثم تطورت علاقته بالشركة حتى حصل على وكالة شركة "أميريكان تيلفون آند تيلغراف" لأجهزة الاتصالات عام 1992 ومنذ ذلك التاريخ بدأت علاقته بقطاع الاتصالات وشغفه به، فأسس شركة "إيسك" للاتصالات عبر الأقمار الصناعية في مصر عام 1996، ثم كانت انطلاقته في عالم الهاتف المحمول عام 1997، بتوقيع عقد مع شركتي "أورانج" و"موتورولا"، فأسس شركة "موبينيل".

تخطى الإطار المحلي

تمكّن الابن الأوسط نجيب من توسيع النشاط الاقتصادي للعائلة إلى أسواق أخرى على مستوى الوطن العربي، فاستطاعت شركة "موبينيل" التابعة لـ"أوراسكوم تليكوم" شراء حصة ضخمة من شركة "فاست لنك" في الأردن، فأصبحت شركة "أوراسكوم تليكوم" تضم ما يقرب من 16 مجموعة وشركة وتتخصص في أعمال الاتصالات وخدمات وأنظمة الإنترنت والكومبيوتر.

ووقعت شركة "أوراسكوم تليكوم"اتفاقاً مع "تلي سيل انترناشيونال" كبرى شركات تقديم خدمات الاتصالات التليفونية المجموعة بنظام GSM في أفريقيا، وقُدرت هذه الصفقة بحوالي 413 مليون دولار.

وتسعى مجموعة "ساويرس" للحصول على مشروعات تشييد وبناء مصانع في مجالات عديدة من خلال شركة "أوراسكوم للإنشاء والصناعة" وقد نجحت الشركة بالفعل في الدخول بالسوقين الفلسطينية والجزائرية وأنشأت الشركة مصانع للإسمنت تصل قيمتها إلى 200 مليون دولار.

طرق أبواب الإعلام بقبضة رجال الأعمال

بعد النجاح الذي حققه ساويرس في عالم الأعمال والمقاولات، وأصبح من أهم رجال الأعمال في مصر، توجهت أنظاره إلى عالم الإعلام، فافتتح قناة "أو تي في مصر"، عام 2007، وقناة "أون تي في" عام 2008، كما كان مساهماً في جريدة "المصري" اليوم، لكن دخول نجيب سايروس لم يكن لتحقيق منصب سياسي، أو لتحقيق أهداف إعلامية، وإنما الهدف الأساسي كان توسيع الاستثمارات، وكسب المعلنين، والمزيد من الأموال.

"أشتمُّ رائحة المال في الإعلام"

بهذا التصريح يؤكد ساويرس أهدافه الحقيقية من دخوله ميدان الإعلام، وهو ما أدلى به في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في القاهرة عام 2007، وأوضح قصده من هذا التصريح في اللقاء الذي أجرته معه "جريدة الشرق الأوسط "قائلاً: أتوقع أن تحقق باقة "أو تي في" نجاحاً على كافة الأصعدة وأراهن على ذلك بوقتي ومالي ولكن الأمر يحتاج إلى وقت بالتأكيد ولا نتوقع ربحاً خلال السنوات الثلاث الأولى على الأقل، لكننا نعمل من أجله، فالناس تنفق الكثير في مجال الاتصالات وهم ينفقون أيضا على المشاهدة التلفزيونية للقنوات المشفرة وغيرها، لقد راهنا في السابق على سوق الاتصالات وربحنا الرهان كما ترى، ونحن نراهن اليوم على سوق المشاهدة وسوف نربح الرهان أيضاً.

"أنا مليش بالخسارة"

ما ميَّز سايروس بين رجال الأعمال الآخرين، مراقبته الهادئة للسوق، وتحليل تجارب رجال الأعمال الآخرين، وتحديد أخطائهم، وتفاديها، وهو ما ظهر جلياً عندما دخل عالم الأعلام، ففتح باب الإعلان المجاني مدة شهرٍ، ولم يحقق الأرباح التي يصبو لها في الأعوام الثلاثة الأولى لانطلاق القناة، فاعتبر ذلك بمثابة المرحلة التأسيسية للأرباح المستقبلية، وهو ما حصل من خلال عدم إدخال معلني شركاته، وإنما فتح الباب لمعلني الشركات الأخرى، وعلى الرغم من أن سعر الإعلان في قناة "أو تي في" كان أعلى مما هو عليه لدى المنافسين، إلا أنه تمكن من جذب عدد كبير من المعلنين.

وفي لقائه مع جريدة الشرق الأوسط تحدث عن استراتيجيته في مراقبة السوق قائلاً: فضلت أن أرى تجربة دريم والمحور قبل أن أخوض المجال بقناة "أو تي في"، فأنا لا أحب الخسارة ومثل ما قلت أنا مليش في الخسارة.

استثمارات امتدت إلى كوريا الشمالية

وصلت أحلام ابن سوهاج الاستثمارية  إلى كوريا الشمالية، فأنشأ شركة "كوريولينك" للاتصالات، ولم يوقف نجيب استثماراته في كوريا، على الرغم من المنافسة التي لقيها من قبل شركات اتصالات أخرى، وعدم قدرته على دمج شركته في كوريا مع الشركة الأم "أوراسكوم تليكوم"، وحتى عام 2017 وصلت الأموال التي يستثمرها ساويرس في"كوريولينك" إلى 250 مليون دولار، وبذلك يعتبر صاحب الترخيص الوحيد للعمل في كوريا،

وحققت شركته نقلة نوعية في قطاع الاتصالات، إذ كان لها دور في زيادة نسبة مستخدمي الهاتف المحمول من قبل الكوريين الشماليين، ولا تقتصر أهداف "كوريولينك" على تحقيق الأرباح، وإنما تحمل هدفاً إنسانياً عبّر عنه نجيب في مقابلة له مع شبكة تلفزيون "سي أن بي سي" قائلاً: اعتقد أني أقدّم خدمة جيدة لأناس أبرياء في كوريا الشمالية، هم محرومون من رؤية آبائهم أو أبنائهم الذين يعيشون بعيداً عنهم، ولا يسمح لهم بالحصول على أبسط الخدمات التى يحصل عليها الجميع فى الغرب، والأمر ليس له علاقة بالسياسة".

تغريدة تختصر طموح ساويرس وأفكاره المجنونة

لم تكن فقط استثمارات ساويرس متجاوزة للحدود، وإنما أيضاً أفكاره، وظهر ذلك بشكل جلي عام 2015، عندما أطلق تغريدةً على تويتر مضمونها: "اليونان أو إيطاليا، بيعوني إحدى الجزر وسأعلن استقلالها واستقبل اللاجئين فيها وأوفّر لهم فرص عمل، ليبنوا وطنهم الجديد".

وعلى الرغم من اختلاف ردود أفعال متابعيه على تويتر، من حيث وصف كلامه بالمجنون، أو أن الأجدر إصلاح شؤون أهله في مصر قبل التفكير بشراء جزيرة للاجئين السوريين، إلا أن نجيب يعتبر الفكرة منطقية وممكنة، ومشكلته لم تكن بالأموال، وإنما فقط بقبول اليونان أو إيطاليا.

صاحب أعلى نسبة أرباح في مصر

استمر نجيب بتحقيق الأرباح من "أوراسكوم"، واستثماراته في التكنولوجيا والاتصالات والمقاولات، إلى أن تمكّن من الحصول على الترتيب الأول في مصر بنسبة الأرباح التي حققها، فكان بحسب مجلة "فوربس"، الرابح الأكبر في مصر لعام 2016، مع صافي أرباح بلغ 700 مليون دولار، وبثروة وصلت إلى 3.7 مليارات دولار، كما استحق تصنيفه كثاني أغنى رجل في مصر بعد أخيه الأصغر ناصف الذي تبلغ ثروته 5.3 مليارات دولار.

ولم تتوقف أرباح نجيب، ولا تسجيله أرقاماً جديدة، فصنفته "فوربس" ضمن قائمة أثرياء العرب لعام 2017، بثروة بلغت 3.9 مليارات دولار.

مسيرة إنجازات وأحلام بسيطة بعد التقاعد

تسعةٌ وثلاثون عاماً، هي مسيرة نجيب ساويرس في عالم الأعمال، والأرباح، لم يقتصر حلمه خلالها على تحطيم أرقام جديدة كل عام، وإنما أراد الاستراحة قليلاً من عالم الأرقام، لا سيما في مرحلة التقاعد، ويعد عالم الـDj، هو ما تصبو إليه أحلام ساويرس، حيث قال في محاضرة ألقاها بفعاليات قمة رايز أب 2017 الخامسة لرواد الأعمال في مصر والشرق الأوسط: "اعتقد أنه عند تقاعدي سأعمل على Dj، وأستمتع بتشغيل الأغاني بصوت عالٍ في سيارتي".

 

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND