وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – خاص:

إيهاب بركات

 

لم تكن الأولى في عالمها الأنثوي، لكنها باتت كذلك في أعين من يراها، استطاعت أن تستفيد من خبرتها الأكاديمية لتطور من معرفتها وشخصيتها وتصل لحلمها، فكانت أول طبيبة نفسية في الإمارات.. وأول امرأة تتولى عمادة كلية الطب.. وأول من أسس متحفاً للمرأة في الإمارات تقديراً منها للمرأة الإماراتية، فاستطاعت بذلك أن تجمع رموز القوة في  السياسة والأدب والفن إلى العلم والتجارة.

طفلة قوية تحدّت المجتمع

قبل أن تصل، عاشت غباش بدايات شهدت فيها العديد من مواقف التحدي وكسر نمط العادات، حاولت أن تخرج عن القيود التي أعاقت تقدم المرأة في السابق، وكانت أسرتها أحد المقومات التي سندتها في مشوارها، فتذكر رفيعة تحدي أمها غوشة بنت حسين بن لوتاه للتقاليد المحلية في الأربعينيات من القرن الماضي في مجتمع الإمارات، عندما طلبت من والدها حينما كانت طفلة أن تتعلم القراءة والكتابة، ولم تكن هناك مدرسة للبنات في المنطقة فجلب لها والدها الملا ليقدم لها دروساً خصوصية.

وعن قوتها تتحدث عندما كانت بعمر الرابعة عشر وتقرر تزويجها دون أخذ رأيها، فوجيء الحضور بدخولها لمكان الاحتفال حاملة بندقية وأطلقت ثلاثة عيارات نارية وطلبت من مرشح الزواج مغادرة القاعة فوراً قبل أن تصوب البندقية نحوه.

قالوا عنها..

كُتب عنها.. الريادة والتميز، يعتبران العنوان الأبرز لمسيرة القامة الإماراتية، الدكتورة رفيعة عبيد غباش ، التي تجمع إلى جانب نجابتها وتميزها الأكاديمي كمحللة نفسانية، وباحثة اجتماعية، وأستاذة جامعية، مجموعة من الألقاب الأخرى، أبرزها الرئيس السابق لـ"جامعة الخليج العربي" في البحرين وكانت بذلك أول امرأة ترأس جامعة الخليج بين 2001 و2009، وأول طبيبة نفسية في الإمارات.

شغلت منصب عميد كلية الطب والخدمات الصحية في " جامعة الإمارات العربية المتحدة " بين 2000 و2001، إلى جانب كونها أول رئيس للمنظمة العربية لنساء العلم المعروفة بـ" الشبكة العربية للمرأة في العلوم والتكنولوجيا "، حيث ساهمت بذلك في إنشاء أول شبكة تجمع نساء العلم والتكنولوجيا العربيات، وعملت على تفعيل فكرة كانت منظمة "اليونسكو" طرحتها قبل أعوام لمساعدة العالمات على تبادل الخبرات والبحوث وتسليط الضوء على أعمالهن في المحافل الدولية، وتهدف هذه  الشبكة إلى أن تكون منبراً لنساء العلم العربيات، كما تأمل أن توفر فرص الإعلان عن اكتشافاتهن وبحوثهن وأن تصبح حلقة وصل بين العالمات العربيات داخل الوطن العربي وخارجه، إضافة إلى ذلك هي مؤسس ورئيس نادي السينما في دبي، ومؤسس "متحف بيت المرأة"، وكاتبة في مجال الطب النفسي.

بين الطب والتحليل النفسي صنعت نفسها

"الطب النفسي يحتاج بالضرورة إلى تكوين ثقافة متنوعة ورؤية عميقة، ذلك ما جعلني أشعر أن الطب النفسي يمكن أن يعطيني ما هربت منه أو نأيت عنه"، ولعل ما قصدته غباش بذلك حبها للكتابة وانقطاعها عن ذلك لدراستها الطب، لكنها عادت لتجمع الأمرين معاً، ويقول محمد عارف الذي ساهم في إعداد تقرير "الأمم المتحدة" حول نهوض المرأة العربية أن غباش تعتقد إنها أفشلت نفسها كمشروع كاتبة حين نأت عن الأدب لتدرس الطب في القاهرة ، وبعد حصولها على الدكتوراه في "الطب النفسي الاجتماعي والوبائي" في جامعة لندن عام 1992 أصبحت أول إماراتية تتخصص في هذا المجال الذي وجدت فيه متنفساً لاهتماماتها الأدبية.

وما يبرهن ذلك أنها لم تجعل غباش خبرتها العملية في الطب النفسي حكراً على ذاتها، بل كانت سباقة بأن تنشر ما تملكه في كتب ومقالات وأبحاث، وتجعل العالم المحيط على اطلاع تام بما يخص صحتهم النفسية، ولتعود في الوقت ذاته لاهتماماتها السابقة، فعملت في الصحافة عام 1980، وكان لها عدة إصدارات وأوراق بحثية نشرت في كبريات المجلات العلمية العالمية المتخصصة بالطب النفسي، كذلك كانت الكاتبة التي رفدت المكتبة العربية بالمؤلفات المميزة مثل "رسائل حزينة: دراسة لحالات الاكتئاب في مجتمع عربي" من إصدارات "المركز العربي للنشر والتوزيع" في القاهرة 1988، وكتاب "الطب في الإمارات: الجذور والممارسة"، من إصدارات المجمع الثقافي في أبوظبي عام 1997.

شغلت منصب رئيس شعبة الطب النفسي في " جمعية الإمارات الطبية "، ورئيس لجنة الأطباء السريريين في "جمعية أطباء ما رواء البحار" في لندن، ورئيس اللجنة الاستشارية في "مركز التدخل المبكر- مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية"، ورئيس ومنسق الأنشطة الثقافية والعامة في "جمعية النهضة النسائية" في دبي، وكانت الدكتورة غباش عضواً أصيلاً في مجموعة من الهيئات العلمية والمراكز الأكاديمية والاجتماعية والثقافية العربية والعالمية، وعضو مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة "دراسات"، وعضو المجلس الاستشاري للتقرير الثاني للتنمية الإنسانية لبرنامج "الأمم المتحدة" الإنمائي عام 2003، و"المجلس الطبي العام" في المملكة المتحدة.

كان ميلادها علامة فارقة

كانت ولادة الدكتورة غباش في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1956، وسجلت تلك اللحظة انطلاقة شخصية ستصنع فارقاً يوماً ما في عالمها، وليشكل هذا الميلاد علامة فارقة في التاريخ الأكاديمي في الإمارات ومنطقة الخليج العربي، كانت منذ طفولتها حريصة على التعلم واكتشاف الأشياء، ومنذ صغرها نشأت شغوفة بالعلم والمعرفة، لتتدرج في مراحلها المختلفة، حتى تنال درجة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة من كلية الطب القصر العيني في " جامعة القاهرة " عام 1983، وعقب حصولها على البكالوريوس نالت دبلومين في عام دراسي واحد في 1988 من معهد الطب النفسي في "جامعة لندن"، الأولى في الطب النفسي، والثانية في طب نفس الأطفال والمراهقين، لكنها لم تكتف بذلك، لتعود مرة أخرى وتحصل على شهادتين في العام 1990، واحدة في الأمراض الوبائية والإحصاء الطبي من "كلية لندن للصحة والطب الاستوائي"، والثانية شهادة "البورد البريطاني" في الطب النفسي من "جامعة لندن"، لتنتقل برحلتها الأكاديمية في المملكة المتحدة بدرجة الدكتوراه في وبائيات الأمراض النفسية، من "جامعة لندن" في 1992، وفي عام 1997 حصلت على شهادة المجلس العربي للاختصاصات الطبية "البورد العربي" في الطب النفسي، ثم نالت درجة أستاذ في الطب النفسي عام 2000 لتنهي بذلك رحلتها الأكاديمية.

وتقول عنها الدكتورة حصة لوتاه الإعلامية والمخرجة الإماراتية: "مهنة الطب لا تختلف عن سائر المهن، ولا يمكن أن تعيق صاحبها عن البحث والتوسع في مجالات أخرى، لذلك فإن غباش لم ترتبط بفكرة التخصص الفريد، وقد برهنت في المقابل أن الشخصية الطموحة لا تحصر نفسها في مجال معين، وأن الإنسان الناجح لا يبرز إلا بالبحث والتفكر، فمن دون البحث يصبح العقل البشري مجرد آلة، تتلقى وتلقي، ولا تكون لصاحبه أي إضافة في الحياة، وأهل العلم الحقيقيون لا يمكن حصرهم في مجال واحد، وإنما يحرصون على التعددية وربط العلوم ببعضها، خدمة للمجتمع وسعياً للنهوض به".

في كل مكان خير نصيب

في كل مكان كانت تعمل فيه، كانت تحرص الدكتورة رفيعة على ترك بصمتها هناك، كما أوضحت لوتاه إلى أنها لا تختزل دورها في إطار الوظيفة، بل تسهم في إحداث فروقات نوعية تعزز من الإنتاج، وتطور من الأداء، وهو ما دأبت عليه خلال الأيام الأولى من عملها في "مستشفى راشد"، إذ سعت إلى بناء نسيج ثقافي مع كافة الموظفين.

وفور تخرجها مباشرة بدأت غباش رحلتها المهنية وكان "مستشفى راشد" في دبي أولى محطاتها كطبيبة امتياز في عام 1983، مروراً بمجموعة من المحطات المهنية التي كانت تترك بصمتها المميزة فيها، منذ أن كانت معيدة في "جامعة الإمارات"، ومدرّسة بها لتتدرج حتى تبلغ منصب وكيلة كلية الطب والعلوم الصحية في الجامعة، ويتم ترقيتها لدرجة أستاذ مساعد، ثم عميد للكلية في 2000.

كذلك كانت بصمتها واضحة في "جامعة الخليج" البحرينية، والتي تعتبر أبرز محطاتها، حيث كانت رئيس الجامعة في الفترة من أبريل (نيسان) 2001 حتى يونيو (حزيران) 2009، وبعد دورتين من العمل المتصل أكسبت الجامعة مكانة علمية جيدة كواحدة من أبرز مؤسسات التعليم العالي في المنطقة، وذلك عبر إحداث نقلة نوعية في مسيرة الجامعة، التي غادرتها غباش بعد أن حققت لها قدراً من الاستقلالية المالية، والتوسع في حجم برامجها العِلمية وحصول كلية الطب والعلوم الطبية في الجامعة على "جائزة أفضل كلية طب في الوطن العربي"، وطرحِها لبرنامج الدراسات العليا حتى منح درجة الدكتوراه، إلى جانب ازدياد عدد طلبة الجامعة.

وعملت مع مجموعة من زملائها على تأسيس نادٍ ثقافي للسينما، يهدف إلى تجويد العمل وزيادة جرعة الوعي والتثقيف لدى الموظفين، إضافة إلى إصدار نشرة دورية لرفد الجانب المعرفي لديهم. إضافة إلى ذلك فقد حرصت على تأسيس "مركز الجوهرة للطب الجزيئي والأمراض الوراثية" الذي رفد الجانب العلمي للجامعة واستقطب العديد من المهتمين بالنهج العلمي.

أوراق علمية حملت اسمها

طوال فترة رئاستها للجامعة كانت الدكتورة غباش مشاركاً رئيسياً في المؤتمرات العلمية، محلياً وعربياً وعالمياً، بصفتها الأكاديمية، وكشخصية عربية عامة تقدم الأوراق البحثية، وتلقي محاضرات تتناول قضايا علمية واجتماعية وثقافية، متصله بالشؤون العربية والعالمية، ويحفظ لها أرشيف المؤتمرات العالمية مجموعة من المساهمات المهمة، أبرزها أوراق بعنوان "كيفية التعامل مع الطفل المغتصب جنسياً"، و"التلفزيون وصحة الطفل"، و"التحديات الأخلاقية في الطب النفسي"، إلى جانب "دور جامعة الخليج في تطوير وتنمية كبار الموظفين في دول مجلس التعاون"، و"الخليج والمتغيرات الاجتماعية والثقافية"، بالإضافة لـ"المرأة القيادية والتحديات التي تواجهها في المجتمع المدني"، و"تاريخ الطب في دولة الإمارات العربية المتحدة" وغيرها الكثير إلى جانب الكثير من الأوراق العلمية المتخصصة والعامة، بالإضافة لكتابين في الثقافة الطبيعة العامة اللذين سبق الذكر عنهم.

كما أجرت العديد من الدراسات العلمية التي تهتم بمشاكل صحية تعانيها مجتمعاتنا وتقدم حلولاً لها، ومنها: "المظاهر الهرمونية لتغير حالات الكآبة بعد الولادة"، "المشاكل السلوكية لدى تلاميذ المدارس بالإمارات العربية المتحدة"، "فاعلية مقياس استبيان الدراسات الوبائية للاكتئاب في مجتمع نسائي عربي"، "الاعتلال النفسي في أوساط السجناء الذكور في دبي" وغيرها العديد من الأبحاث.

أوجدت لنفسها مكاناً بين الصحف والمحطات

حين نستدعي ما كتب عنها، لا نستطع إلا أن نذكر معضمها، كقول الأستاذ محمد عارف: يستدعي التعريف بالدكتورة رفيعة عبيد غباش، العودة إلى الأسلوب العربي الكلاسيكي لما يُسمى ترجمة حياة الأشخاص، التراجم أو السير الحياتية ليست أسلوباً عربياً خالصاً، ولكنها معروفة في كل ثقافات الأرض، وهي في الإنجليزية الأوتوبيوجرافي حيث يشغل اسم الشخص ولقبه سطوراً عدة، تتضمن إلى جانب إسم الأب والجد والعائلة والعشيرة تحصيله العلمي، ومهنه المختلفة، وانتماءاته، وأصوله الفكرية والجغرافية، وأحياناً المدن التي ولد وعاش فيها، (أين " الاستدعاء " هنا؟) فالدكتورة غباش امرأة علم، وطبيبة، ومحللة نفسانية، وباحثة اجتماعية، وأديبة، وصحفية، ومسؤولة أكاديمية، وهي أول عميدة لكلية طب في العالم العربي، وشغلت منصب رئيسة "جامعة الخليح العربي"، ورئيسة "شبكة المرأة العربية للعلوم والتكنولوجيا".

كما تضيف عنها الدكتورة لوتاه: "الشخصيات الطموحة تثبت أن الإنجاز لا يرتبط بتخصص أو وظيفة مرموقة، وأن الرغبة في تحقيق الإنجازات هي ما تضع الإنسان على مقربة من طموحاته، رغماً عن كل الصعوبات التي قد تعترض سبيله، فالطموح المفعم بحب الوطن والغيرة عليه يدفع الشخص إلى العمل على إعلاء شأنه دون كلل أو ملل"، هكذا هي الدكتورة رفيعة غباش كما وصفتها الدكتورة حصة لوتاه.

امتد جهدها لعملية التثقيف الصحي والنفسي عبر أجهزة الإعلام، فشاركت في عدة برامج عن الحزن والاضطرابات النفسية ومرض التوحّد والإدمان والمشاركة السياسية للمرأة العربية في تلفزيونات "دبي" و"قطر" و"الشارقة"، وإذاعة وتلفزيون "العرب"، و"التلفزيون المصري"، كما دخلت مجال الكتابة الصحفية، فهي تعد باباً أسبوعياً بعنوان مساحة للهدوء في "مجلة الأسرة العصرية"، وعمود تداعيات في "صحيفة البيان"، بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات في الصحف الخليجية.

متحف بيت المرأة.. عالماً يختص بالأنثى فقط

إخلاصاً لكل تلك النسوة اللاتي لمعن في تاريخ الإمارات، وبذلن الكثير لبناء هذا الجيل، أرادت أن تحفظ ذاكرتهن حتى لا يغادرن الذاكرة، فأسست "متحف بيت المرأة"، ونفذّت الفكرة من خلال قاعة الفنون التي تحفل بالنتاج الفني لبنات الإمارات، ومن خلال مركز الدراسات الذي يُعنى بكل الدراسات التي تخص المرأة، كما أسست قاعة عرضت فيها أبياتاً منتقاة للشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي بطريقة فنية رائعة.

بذلت الدكتورة رفيعة غباش الكثير من الجهد والوقت، لتصل بمتحف المرأة الذي كان وليد أفكارها إلى هذا المستوى، والذي وجد تأكيداً على الدور الريادي والإنجازات النسوية التي كانت وما زالت أحد موازين القوى في رقي المجتمع، إذ وثّق هذا المتحف إنجازات المرأة القديمة والحديثة في الجوانب السياسية والتعليمية والثقافية، ودورها الأهم في تربية النشء، حتى أصبح متحفها محل فخر للمرأة، ومرجعاً تستند إليه، وبه ترد على من يقلل من شأن إسهاماتها في بناء ونهضة هذه الدولة.

ويدل المتحف أيضاً على شخصية الدكتورة رفيعة غباش، التي اهتمت بتقديم صورة إيجابية وجميلة عن مجتمعها، من خلال تأريخها للنشاط الثقافي والسياسي والتعليمي للمرأة، وحرصها على ترك أثر في الحياة، وتجلى دورها في هذا المتحف بجمع مفردات التاريخ وتوثيقها، وتمكنت أيضاً من جمع أوراق ديوان جدها الشاعر حسين بن ناصر بن لوتاه، المبعثرة، فبمجرد أن سمعت عن حبه للشعر، بدأت على الفور في رحلة البحث عن إبداعاته الأدبية، وتمكنت من لملمتها بعد جولة شاقة من البحث والاستقصاء.

وفي المتحف ذاته اجتهدت الدكتورة رفيعة غباش في توثيق إبداعات الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي، التي حُوِّل عدد كبير من قصائدها النبطية إلى أغانٍ، وبعد أن خاضت رحلة طويلة مع البحث والتوثيق تمكنت من توثيق معظم أشعارها في ديوان أطلقت عليه "ديوان عوشة بنت خليفة السويدي" الأعمال الكاملة والسيرة الذاتية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، الذي تزين أشعاره جدران المتحف، وسجل حينها ولأكثر من سنة أعلى نسبة مبيعات بين الكتب العربية في الإمارات العربية المتحدة، وتقول غباش: "عوشة بنت خليفة هي كنز ثمين لمجتمعنا، أنا فخورة جداً لأنه أتيحت لي الفرصة لأقدّمها بطريقة راقية ومحترمة جداً في الكتاب، من النادر أن يمرّ يوم من دون أن يسأل الناس عنها، يُشعرني هذا بأنني قمت بعمل جيد".

وعندما بدأت التخطيط للفكرة، وجدت أن عدداً كبيراً من الإماراتيين مستعد للتبرّع بأغراض مهمّة مثل كتب وملابس ومجوهرات ورسوم وقطع أثرية تطلعنا على تاريخ المرأة في الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب تقديم المعلومات عن تاريخ المرأة هنا، أملت أيضاً من خلال إنشاء المتحف في استقطاب الإماراتيين من جديد إلى المنطقة التي ترعرعت فيها، حيث أقامت متحفها في بيت البنات الكائن في سوق الذهب، لتجمع بين عشقها للتراث، وإخلاصها للماضي، وتجعل منه متحفاً ومركزاً ثقافياً يبهر الزائر بتنوعه ورقيه، ليقدم جمال الماضي وحميميته بحس فني يشبه روح عصرنا وانتقائيتها، كما يشبه ثقافة وأصالة هذه المرأة.

وتقول في هذا النطاق: "أشعر أنه من واجبي توثيق أجزاء من التاريخ بطريقة مختلفة عن الآخرين، أفعل ذلك بإحساس، وليس بهدف تقديم معلومات فقط، يراودني شعور قوي بأنه يجدر بي تدوين كل شيء قبل أن يدخل غياهب النسيان، أشعر دائماً بأنه من مسؤوليتنا الحفاظ على المعلومات ونقلها للأجيال المقبلة، وإلا لن يتم توثيقها".

المرأة.. "لها الفضل في كل ما أفعله"

كان لوالدة الدكتورة رفيعة غباش تأثيراً كبيراً جداً على حياتها وعملها، فتقول: "أسافر كثيراً، وقد التقيت عدداً كبيراً من الأشخاص بينهم الكثير من المفكّرين والباحثين، لكنني لم أصادف قط من يتمتّع بشخصية مماثلة لشخصية والدتي، كانت فريدة وموضع احترام شديد، كانت ذكيّة وحكيمة وقويّة جداً"، كما تقول "أشعر بأن لها الفضل في كل ما أفعله، لقد استمددتُ قوّتي منها".

وكان للدكتورة كامل الاهتمام بالمرأة الإماراتية، والدليل على ذلك تأسيسها لمتحف المرأة، وتؤكد غباش أنه وعلى الرغم من حدوث تغييرات كثيرة في دور المرأة خلال الأعوام الأخيرة في الإمارات العربية المتحدة، إلا أنه لطالما كانت النساء فاعلات في المجتمع، ففيما كانت تجري أبحاثاً في " دائرة الأراضي والأملاك في دبي " عام 2013، وقعت على وثائق من خمسينيات القرن العشرين تُظهر أن النساء كن يبعن ويشترين الأملاك في الإمارات وينخرطن في شكل عام في النشاط الاقتصادي.

الحياة الاجتماعية أساس نجاح غباش

لدى رفيعة رغبة في تكوين العلاقات والصداقات حتى مع الأشخاص الذين تقابلهم ولو لمرة واحدة، وهذه من الغايات والأسس التي تستند إليها الدكتورة في حياتها، لذلك فهي تمتلك شبكة علاقات واسعة في مختلف دول العالم، كما أنها تولي العلاقات الإنسانية وزيارة الأقارب جل اهتماماتها، وعلى الرغم من كثرة أعمالها وانخراطها في الدراسة ومن ثم الوظيفة والبحث والتوثيق، إلا أنها حافظت على استمرارية تلك العلاقات، وحرصت منذ طفولتها على إيجاد علاقات متينة مع كافة أفراد أسرتها، وصديقات والداتها ووالدها، وكافة فئات المجتمع، فهي تشرف دائماً على متابعة الجميع باستمرار وتقدم لهن النصح والتوجيه وتطمئن عن أحوالهم، وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم.

كما كانت خلال دراستها في بريطانيا، وفي شهر الصيام بالتحديد، تحرص على إعداد الطعام وتوزيعه قبيل أذان المغرب على الجيران، وهذا ما وثق علاقاتها بقوة وحميمية كبيرة مع جيرانها، ولم يقف الأمر عند عملية التواصل وحسب، بل حرصت على زيارة أصدقائها ودعوتهم إلى منزلها، وكذلك مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم متعالية على كل حدود الخرائط.

وذات مرة وصلها نبأ وفاة امرأة من جيرانها السابقين الذين تعرفت إليهم خلال فترة الدراسة في بريطانيا، فلم تكتفِ بتقديم واجب العزاء عبر الهاتف، وإنما حرصت على التوجه إلى بيت تلك العائلة لتكون من أوائل المعزيين لأفرادها.

اهتمامات غريبة

اهتمامات الدكتورة رفيعة غباش عديدة ومتنوعة، فهي محبة للفنون والآداب، وتقرأ في ثقافات عديدة، وهو ما جعل من نظرتها إلى بعض المفاهيم تتغير بثقة ومعرفة وإدراك، أحد ملامح هذا التغير يبدو نسبياً في هوايتها الغريبة شيئاً، إذ إنها تحب طائر البوم وهو حب ورثته من الثقافة الغربية، فعلى الرغم من نظرة البعض تجاه طائر البوم بأنه يوحي إلى التشاؤم، إلا أن الدكتورة غباش ترى فيه طائراً حكيماً، لذلك فهي تقتني العديد منه على شكل مجسمات، ويعج بيتها بتصاميم فريدة لطائر البوم، لدرجة توغل هذا الطائر في بعض الأدوات التي تستخدمها في حياتها اليومية مثل أدوات الطعام وديكور المنزل، ومن شدة تعلقها بهذا الطائر فهي تمتلك نحو 200 قطعة مختلفة على شكل طائر البوم، وكانت في صغرها تذهب إلى صيد السمك يومياً، حتى إنها كانت تحاول اصطياد طيور النورس.

نالت بما تملك جوائز عدة

كُرمت عن مجمل مسيرتها العلمية والأكاديمية والمهنية المتميزة، التي أهلتها للحصول على مجموعة من الجوائز منها: "جائزة راشد للتميز العلمي" في عامي 1988 و1992، وجائزة "العويس للبحوث" ثلاث مرات: 1992، 1994، 1995، جائزة "الإنجاز التربوي لنساء الشرق الأوسط" في عام 2002، و"جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية" عام 2004، وجائزة "مواطنون على دروب التميز" من "جمعية أم المؤمنين النسائية" في الإمارات عام 2002، وجائزة "إنجاز المرأة في الشرق الأوسط في مجال التعليم" من برنامج "داتاماتكس" عام 2002، وحصلت على جائزة "الأطباء المتميزين" في 2004، كما تم اختيارها من قبل مؤسسة "عطاء النساء" لتكون المرأة الأكثر عطاءً لعام 2011، ونالت أيضاً "جائزة السيدة الملهمة" عام 2015.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND