آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

يقال إن المنتصر هو من يكتب التاريخ.

تمتلئ المكتبة المعاصرة بالمفاهيم التي تعود إلى منتصري الحرب العالمية الثانية، إحدى هذه المفاهيم هي عمر أو دورة حياة الصناعات، والتي تقوم على فكرة أن كل الأعمال /الصناعات / المنتجات لها دورة حياة مقسَمة إلى مراحل. يوضِح هذا المفهوم البروفيسور مايكل بورتر، إحدى أشهر المفكرين في الاقتصاد والأعمال في عصرنا هذا، في كتابه "الاستراتيجية التنافسية" والمعتمد على نطاقٍ واسعٍ من قبل الاقتصاديين ومجتمع الأعمال عامَة.

يشرح بورتر باختصار أن دورة حياة المنتج أو الصناعة تمر عبر ثلاث مراحل رئيسية: النمو والنضوج والانحدار، ويلحظ أن هذا التطور تحكمه وتمليه العديد من المعايير الديناميكية والاقتصادية والتي يقسِمها الى السلوك، البحث والتطوير، التسويق، الاستراتيجية، وعوامل خارجية أخرى، دون إهمال أهمية الجودة للمنتج وقوة العرض والطلب.

ولكن ماذا لو كان قد تم دراسة هذا المفهوم في علم الاجتماع منذ أكثر من خمسمئة عامٍ؟

ابن خلدون، رائد علم الاجتماع، يشرح في مقدمته دورة حياة المجتمعات ويحددها بثلاثة أجيال بهذه الكلمات:

"(…) وإنما قلنا إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون، والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف والخصب ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به وكسل الباقين عن السعي فيه ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء وتؤنس منهم المهانة والخضوع ويبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول وباشروا أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم وسعيهم إلى المجد ومراميهم في المدافعة والحماية فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول أو على ظن من وجودها فيهم، وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تبنّقوه من النعيم وغضارة العيش فيصيرون عيالاً.

على الدولة (…) وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته (…)."

هناك اختلاف جوهري يجعل مقاربة ابن خلدون السوسيولوجية الكلاسيكية لدورات الحياة خالدة في حين أن مقاربة بورتر الاقتصادية تبقى مفيدة في سياقٍ معين: الأول يبني على صفات البشر والمجتمعات في حين أن الثاني ينظر في المؤشرات القابلة للقياس.

يرتكز تطور المعرفة الحديثة على علم الأرقام، والمقولة بأن المرء لا يستطيع إدارة ما لا يستطيع قياسه قد أسالت الكثير من الحبر. لكن الضعف في الأرقام هو أنها نتيجة لمنهجية تُفرِغها من دلالاتها، ومعنى ذلك أن الأرقام يتم تحديدها بواسطة منهجية تستند إلى الفرضيات، والفرضيات قابلة للجدل.

يتبع بورتر هذه المنهجية. يصف المؤشرات ويصنفها ويرسم الأنماط، وبعبارة أخرى، يصف ما يمكن قياسه. مثال جيد على هذا النهج الوصفي لدورة حياة المنتج هو في الهوامش والأرباح. يذكر بورتر أن المنتجات تتطور على ثلاث مراحل، من ارتفاع في الأسعار وفي هوامش الأرباح ومناخ استحواذ جيد، إلى تراجع في الأسعار وانخفاض في هوامش الأرباح وتردِي حالة الاستحواذ، إلى استمرار في انخفاض الأسعار والهوامش، وذلك في فترات النمو والنضوج والإنحدار على التوالي.

من ناحية أخرى، يحدد ابن خلدون القوى الكامنة وراء دورات الحياة ويتحدث عن قوة داخلية أساسية تدفع المجتمع إلى النمو: العصبية. بقراءة متأنية لتفسيره مفهوم العصبية يتَضح أنها أنقى شكل من أشكال التضامن والإرادة والمثابرة والشغف والتصميم. إنها أساس الروح القيادية البنَاءة. وهي التي تدفع الشعوب والمجتمعات الى الإنجاز وتجاوز العقبات. أقرب تعريف للعصبية في عالم الأعمال هو الثقة، وهذا مفهوم يستخدم بسخاء في الأسواق المالية. ومع ذلك، تبقى الثقة شعوراً ينتج من قوَة بنيت بالعصبية.

حقيقة أن ابن خلدون يركز على البشر بينما يركز بورتر على المنتجات يجعل دورة الأول تنطبق على أي شكل من أشكال الحياة ودورة الثاني تنطبق على حياة الصناعات. هذا بحد ذاته لا يمس بمنطق أو صلاحية أي من النهجين، ولكن يجعلهما مكمِلين لبعضهما البعض: علم مايكل بورتر يحسن فهم الاسواق والصناعات، وعصبية ابن خلدون هي التي تنتج هذه الأسواق.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND