آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



ثامر شاكر
ثامر شاكر
رائد أعمال وكاتب سعودي. وهو المؤسس التنفيذي لـ "ميسان للا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

أطلّ الممثل الكبير، توم هانكس، من خلال فيلمه " الدائرة- Circle"، كرئيس تنفيذي لإحدى أكبر شركات التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي في العالم.. رئيس مهووس يهدف من خلال شركته إلى أن يُحدِث ثورة في آلية التواصل البشري، من خلال التسويق لكاميرا متناهية في الصغر، تُثبّت في كل مكان، وتُربط بالإنترنت، بشكل مستمر بلا انقطاع.

تبدأ الأحداث من خلال مُعاناة البطلة "ماي"، الشابة الطموحة التي تبحث عن وظيفة تُثبت فيها ذاتها فتنبهر بذلك الكيان الجديد، لتُقرر أن تنضم للشركة العملاقة، وتُفاجأ بأن أحد أهم متطلبات العمل هو أن ترتدي الكاميرا السحرية، وتزرعها في كل زوايا حياتها بلا استثناء.. حيث تراقبها في مرقدها، ويقظتها وتكون أول من تفتح عليها عينيها، لتُصبّح على متابعيها الأفاضل، بل وأن تُلقي التحية وتؤدي قسم الولاء على شعب العالم الافتراضي، صوتاً وصورة، وهي تُفرّش أسنانها.. في مشهد ساخر.

كل ذلك وأكثر كي تكون نموذجاً يُعزز هدف الشركة في نشر رسالتها للعالم أجمع.. حيث عصر التواصل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

إلا أن حياة الفتاة الشابة المليئة بالمتاعب ما بين مرض أبيها العُضال، وحبيبها المُتعثر.. ومشاكلها الأسرية المعتادة، ما تلبث أن تنقلب رأساً على عقب، وتتحوّل إلى سجن يقتل.. فالأحداث تتسارع، لتكتشف المأساة، وأن حياتها برُمتها أصبحت سِجناً كبيراً مُحاطاً بالعيون في كل دقيقة.. وأن خصوصيتها تلاشت، فتتساءل في حنقٍ وغضب.. ما جدوى كل ذلك؟

تثور، تكفر بكل شيء، بعد أن اكتشفت أنها ضحية لمنظومة جشعة.. همّها الأول والأخير الكسب المجنون بالاقتتات على حياة الناس. تُقرر أن تنصب الفخ لأصحاب الشركة وتُوقع بهم في نفس الدائرة التي تبدو أنها حرية لكنّها في حقيقتها أقصى معاني العبودية. تقوم بزرع الكاميرات خِلسة في كل مكاتب الإدارات المختلفة.. يقع الرئيس التنفيذي ومعاونوه في الفخ، جرّاء كشف رسائل بريدهم الإلكتروني أمام عيون العالم قاطبة.. لينتهي الفيلم بفضيحة، ويبقى سؤالٌ واحد بحجم السماء.. بأي حقٍ نغتال خصوصيتنا بأيدينا؟ وهل يستحق أياً كان المقابل الذي سنجنيه، هذا الثمن الباهظ الذي ندفعه من وقتنا وطاقتنا وسعادتنا؟!

لو كان الأمر بيدي لمنحت الفيلم جائزة "الأوسكار" على فكرته التي تكاد تمس كل فرد في هذا العصر الصاخب، لكن بقدر فخامة الفكرة التي أثارت في النفس الشجون، إلا أن العمل أتى هزيلاً مُملاً. غياب الحبكة الدرامية وضُعف الطاقم خيّب آمال الكثير، مما أسقطه في عيون النُقّاد والجمهور، عدا العملاق توم هانكس، الذي بقي متفرداً في الأداء وإتقانه المُلفت، والذي ربما يغفر له مشاركته في هذا الفيلم المتواضع والذي لم يخدم الرسالة الرائعة التي بُني من خلالها السياق الدرامي الهش.

يبقى الموقف الأهم الذي نجح العمل في شدّنا إليه حيث الصراع الذي يدور داخلنا، ما بين حُب المشاركة والظهور وما بين خصوصيتنا التي أصبحت مهترئة ممزقة.. فاستباحت مشاعرنا وكشفت أسرارنا في استهزاء وبلا مبالة مزعجة.

كم منّا بات اليوم لا يشعر بالمتعة وكأن حياتهُ سُرقت مِن بين يديه خلسة؟! كم واحدٍ منّا بدأ يتسلل الملل إلى نفسه وقد غلبه الضجر وهو يُفتش عن أجمل اللحظات التي كان يقضيها مع أقرب الناس إليه، لكن بلا جدوى، فقد غابت بعد أن تهنا عنهم وتاهوا عنّا؟!! أين لذة لحظاتنا الحميمية مع أبنائنا، مع أحباء القلب.. كيف أصبحت الأحضان باردة، والعيون جامدة، والأصوات متشابهة.. نكتشف فجأة أن الأبناء غادروا مرفأ الطفولة الجميل وأبحروا في هذه الحياة الصاخبة بعيداً، حتى قبل أن نستمتع بنبض قلوبهم الحانية.. نرى الأصدقاء يضيعون في غربة الزحام والضجيج، نلمح العشاق والمحبين داخل أقفاص وأغلال وقد أصابتهم أسهم الظنون والشكوك الدامية.

دمتم ودام الوطن بألف خير..

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND