وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي- خاص

إيهاب بركات

بات الحديث عن جديده لا وجود له بعد أن غيب الموت قامته، لكن الحديث عن ماضيه أمراً لازماً لما يحمل في حقيبته المهنية من إنجازات.. هو خالد بن سالم محفوظ ، أو أبو عبد الرحمن كما كان يحب أن يُنادى.

حمل ألقاباً كثيرة.. الرجل العنيد الذي خسر بعناده، الرجل الكريم الذي لا يعرف للمال قيمة، فارس الاقتصاديين والأثرياء، والهرم الذي استطاع أن يقتحم الأماكن التي صنع فيها بصمته عربياً ودولياً، كذلك هو الرجل الذي شجع الشباب على تقلّد المناصب، والناصر كأبرز شاعر غنائي معاصر.. تعددت المسميات والرجل واحد.

مصرفي سعودي وأحد بارعي المهنة

في عالم الاقتصاد والبورصة، تتزايد أسماء المؤثرين وبارعي المهنة، ومن بينهم رجل الأعمال المصرفي خالد بن سالم محفوظ، سعودي الجنسية، من مواليد مدينة جدة في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1949، ملياردير سعودي لديه 3 أبناء، كان مالكاً لـ"البنك الأهلي السعودي"، وعضواً للجمعية العمومية لـ"مؤسسة عسير للصحافة والنشر"، وقُدرت ثروته عام 2009 بنحو 3 مليارات دولار، وجاء في الترتيب 26 ضمن قائمة "أرابيان بيزنس" لأغنى 50 عربياً لعام 2009.

وهو أحد رموز الاقتصاد في المملكة العربية السعودية ممن كان لهم دوراً كبيراً في بناء القطاعات الاقتصادية في المملكة، خاطب الاقتصاد بفكرة، فبنى صروحاً اقتصادية شهدت بعبقريته، وأقام عدداً من المشروعات منها "مركز المحمل التجاري" في مدينة جدة والذي يعد من معالمها الحضارية، ومستشفى السلامة سابقاً الذي يُعرف حالياً باسم "مستشفى الملك فيصل التخصصي"، ومستشفى "طيبة" في المدينة المنورة، و"المجمع الخيري" في أبها، بكلفة تزيد على 200 مليون ريال، كما  كان له عدداً من المشروعات الخيرية منها بناء "مركز الكشف ومعالجة أورام السرطان" الذي تبرع له بأكثر من 23 مليون ريال، ودعم طلاب المنح في جدة في مجال البحث العلمي، وكذلك دعمه للأبحاث الاقتصادية والمؤسسات الصغيرة.

أدار خالد مجموعة استثمارية عالمية في جدة مع أبنائه، واحتفظ بحصص كبيرة في شركات تطوير عقارية وشركات أخرى داخل وخارج المملكة، بما فيها "كابيتال إنفستمنت القابضة" في البحرين، وتتضمن محفظته الاستثمارية حصصاً في "شركة الثريا للاتصالات"، وهو أيضاً مستثمر في "وورلد سبيس" في الولايات المتحدة الأميركية.

قوة قادمة من الخليج

مثل الكثيرين من رجال الأعمال، بدأ خالد نجاحه بخسارة، إذ بدأت مسيرته العملية في أوائل عمره واستمرت لأكثر من 35 عاماً أدار فيها ما يزيد على 5 آلاف موظف، أول حدث مهم دخل به خالد هو لاعب أساسي في عالم الأعمال والاقتصاد كان التحكم في أسعار بورصة الفضة في الأسواق العالمية في الثمانينيات، وأصبح من أهم الأسماء التي تشتري وتبيع في الذهب والفضة، اعتبره البعض رجلاً مغامراً بأموال البنك وأموال المستثمرين، وخرج من هذه العملية بخسائر باهظة لأنه لم يستطع أن يواجه الأسواق الغربية بمفرده، إلا أنه أحدث دوياً بأن هذا الفتى العربي -كما كُتب عنه في الوقت ذاته في الصحف الأميركية- أعطى إشارة أن هناك قوة قادمة من الخليج بمقدورها أن تؤثر على مجريات الأحداث العالمية، في الوقت الذي توقع فيه الناس أن خالد انتهى بعد هذه الضربة لأنه خسر تقريباً مليار دولار وهذا المبلغ كان ضخماً جداً في ذاك الوقت.

جلس خالد فقط لسنتين بعد هذه الخسارة ثم عاد بعدها إلى بريطانيا يضارب على الجنيه الاسترليني، واستطاع حينها أن يعوض جزءاً كبيراً من خسائره، قيل في ذاك الوقت أنه ربح 700 مليون دولار، مما سبب دخوله في مشاكلات قانونية مع الحكومة البريطانية نتيجة مضاربته على الجنيه الإسترليني، لكنه اكتفى أنه خرج من هذه المرحلة من الفضة واالذهب والجنيه الإسترليني بتجربة كبيرة، وبإعلان أن هناك قوة اقتصادية كبيرة موجودة في الخليج، تستطيع إثبات وجودها على المستوى الدولي.

المسؤول الأول عن البنك الأهلي

جاءت بعد ذلك بداية أعماله التجارية المصرفية التي كانت استكمالاً لما بدأ فيه والده سالم محفوظ، كان سالم مجرد صراف غير متعلم ولكنه أسس البنك السعودي الأول والأكبر في المملكة وهو " البنك الأهلي التجاري"، بالتعاون مع صالح وعبد العزيز الكعكي عام 1953، ثم سيطر خالد على أغلبية الأسهم بعد أن دمج حصة والده المتوفى مع حصة زوجته نائلة وريثة بيت الكعكي، وأصبح يملك الحصة الأكبر من أسهم البنك، استلم بدايةً خالد البنك كمسؤول أول خلال فترة مرض أبيه، أثبت خلالها جدارته في إدارة البنك وبرز في قدرته على قراءة السوق وكفاءته في التعامل مع الأوراق المالية، وفي 1991 قدم استقالته من منصب الرئيس التنفيذي، لكنه احتفظ بملكيته للشركة، ثم قام عام 1997 ببيع 20.7 % من "البنك الأهلي التجاري" مقابل 1.8 مليار دولار لمجموعة من المستثمرين، ثم باع 50% منه عام 1999 لـ" صندوق الاستثمارات العامة " السعودي الذي اشترى باقي حصص عائلة ابن محفوظ في أواخر 2002.

واحتفظ الشيخ خالد بن محفوظ باسم والده كمدير عام لسنوات عديدة، والذي أوكل له منصب المسؤول الأول لـ"البنك الأهلي" في فترة مرضه، إذ كان خالد آنذاك في أوائل الأربعين من عمره، ولم يغيّر اسم والده إلى أن توفي.

كسب 40 ألف جنيه إسترليني إلى جانب براءته

كان اسم الفقيد ضمن قائمة سريّة لبعض رجال الأعمال السعوديين وضعتها الخزانة الأميركية، يُعتقد أنها تتعلق بقضية التبرعات إلى جمعيات ومنظمات تضعها واشنطن في القائمة السوداء بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لكنَّه نفى ما تردد بأن له أي اتصال مع أي تنظيم مشبوه أو أن يكون "البنك الأهلي التجاري" قد قام بتمويله.

حارب خالد كل المحاولات التي سعت إلى تشويه سمعته من قبل بعض الكتّاب ووسائل الإعلام في الغرب، والتي تتعلق بالاتهامات التي ربطته بتمويل الإرهاب، أو الإسهام في عمليات بنكية غير مشروعة، واختار الرجل أن تكون المواجهة بينه وبين خصومه في ساحة القضاء لتأكيد براءته وكشف ادعاءات متهميه، وحصل على عدد من الأحكام المتتالية ضد خصومه مرة تلو أخرى، حيث حصل على حكم قضائي ضد الكاتب مايكل جرين مؤلف كتاب "حصاد الدوامة"، وناشر الكتاب "دار بلوتو للنشر"، وحصل بعدها في ساحة القضاء البريطاني أيضاً على حكم آخر ضد كل من المؤلفة الأميركية ريتشل إهرنفيلد مؤلفة كتاب "تمويل الشر"، والناشر "بونس بوكس إنك"، وقضى الحكم بدفع 10 آلاف جنيه إسترليني تعويضاً عن الضرر، كما أمرتهما المحكمة بدفع تكاليف مؤقتة قدرها 30 ألف جنيه إسترليني، ومنعهما من تكرار مثل هذه المزاعم المسيئة للسمعة، ولم يكتف الناصر بالحكم الذي صدر له في لندن ضد الكاتبة الأمريكية، وإنما ذهب لملاحقاتها قضائياً في الولايات المتحدة الأميركية.

صحيفة ميل اون صنداي تقدم لخالد الاعتذار الكامل

نشرت صحيفة "ميل اون صنداي" البريطانية مقالاً في أكتوبر (تشرين الأول) 2002، بعنوان "مصرفي من تكساس تابع لابن لادن يطارد بوش" زعمت فيه وجود علاقة مصاهرة بين الناصر وأسامة بن لادن، وأن الناصر شارك في تمويل أنشطة بن لادن الإرهابية.

وفي يناير (كانون الثاني) 2004 كسب خالد قضيته التي رفعها في المحاكم البريطانية ضد الصحيفة ومسؤول التحرير بيتر رايت، والصحافي جيرمي بيتون الذين اتهمهم بالقذف والتشهير بحقه، وأعلنت المحكمة العليا في لندن عن التعويض المالي والاعتذار الكامل المقدمين من الصحيفة، إضافة إلى نشر اعتذار رسمي بها.

وكانت هذه الصحيفة قد قبلت بعد مقاضاتها الإقرار بأن جميع المعلومات التي وردت في المقال عارية تماماً عن الصحة، وأن الناصر لم يكن صهراً لأسامة بن لادن، وأنه لم يقم في أي وقت من الأوقات بتمويل أي أنشطة إرهابية، كما أقرت أن الناصر قد استقال من مهام منصبه في "البنك الأهلي التجاري" لأسباب صحية، وتقدمت الصحيفة بالاعتذار عن الأضرار الأدبية والمعنوية التي لحقت الناصر وعائلته من جراء هذه الادعاءات الكاذبة، كما أكد الدفاع أن كلاً من الصحيفة والصحفي صاحب المقال يتعهدان أمام هيئة المحكمة بعدم تكرار أو ترديد تلك الادعاءات.

وقدمت أيضاً مطبعة "جامعة كامبريدج" اعتذاراً للناصر كتسوية في قضية قذف وتشهير بعد نشرها كتاب بعنوان "الصدقات للجهاد" عام 2006 تضمن إساءات وادعاءات حول علاقة الرجل بتنظيم القاعدة وزعيمه، وقد أقرت المطبعة ببطلان هذه الادعاءات بعد مقاضاتها.

من أشعار "الناصر".. ذوق شعري موسيقي خاص

كان خالد بن محفوظ شاعراً غنائيّاً يكتب تحت اسمٍ مستعار "الناصر"، وتغنّى بقصائده عدد كبير من المطربين السعوديين والعرب، حيث كان الشعر بالنسبة إليه واحة يأوي إليها كلما أرهقته لغة الأرقام، وتقلبات السوق، ولم يصدّق الناس أن هذا الرجل الصلب العنيد الذي قضى جُل وقته متنقلاً بين البورصات والشركات والبنوك يصدر القرارات ويتابع المشروعات ويخوض المعارك، هو نفسه الرجل الذي كتب أروع القصائد الشعرية التي جسدت الرومانسية في أرقى معانيها.

الناصر صاحب بصمة ومدرسة شعرية غنية تميزت بالدمج بين الواقعية والحداثة والبساطة، وقد وصفه فنان العرب محمد عبده بأنه "شاعر محنّك ومخضرم أجاد التعامل مع القصيدة بأسلوب شعري فريد، وكان عبده من أهم المطربين الذين تغنوا بأشعار الناصر، وقد تغنى فنان العرب بقصائد أخرى للناصر كانت من أشهرها قصائد "أقرب الناس" و"أسعد ليالي العمر" و"حجم المسافة" و"غالي"، وقد عكست جميعها ما كان يتمتع به الناصر من أحاسيس مرهفة، وكلمات معبرة، وذوق شعري خاص، وهو ما دفع كبار المطربين والمطربات إلى التغني بقصائده أمثال المطرب الكويتي عبدالله الرويشد، والمطرب أبو بكر سالم بالفقيه، وأصيل أبو بكر، وعبادي الجوهر، والمطرب الكويتي عبد الكريم عبد القادر، والمطرب راشد الماجد الذي كتب له الناصر مجموعة من الأغنيات كان من أشهرها "وحشتني سواليفك" و"غاليين".

كما تعامل الناصر مع مجموعة أخرى من المطربين أمثال المطربة شمس، والتي قدم لها ثلاث أغنيات، وأيضاً المطرب عبدالمجيد عبدالله، والمطرب الإماراتي علي بن محمد، والمطرب رابح صقر؛ الذي غنى له أغنية "الندم".

وعرِف عن الشاعر أنه كان يكافئ المطربين الذين يتغنون بأشعاره بمبالغ كبيرة، كما كان يهتم بالمواهب الشابة ويدعمها مالياً ومعنوياً، وكانت من بينهم الفنانة أسيل عمران التي قابلها وقدّم الدعم لها، واشتهر الراحل أيضاً بعلاقاته الجيدة مع الوسط الفني، وكان محبوباً من قبل الفنانين، لدرجة أن كلاًّ من المطربين راغب علامة وأصالة نصري سميا ابنيهما البكر باسمه كدليل على حبهما للرجل واعترافاً منهما بأفضاله عليهما، والتي تمثلّت في دعمه الكامل لمسيرتهما الفنية.

وارتبط الناصر بعلاقة جيدة مع شركة "روتانا" للإنتاج الفني، حيث ساهم في انضمام أعداد كبيرة من المطربين والمطربات إلى الشركة، وكان منزله ساحة للقاء أهل الفن والشعراء والأدباء بما يقيمه من جلسات واحتفاليات تتخللها فقرات فنية يتغنى كبار المطربين فيها بأحلى ما كتب الناصر وما كتب غيره من قصائد.

غاب جسده وغيبه الموت.. محفوظ في ذمة الله

بدأ حياته صرّافاً ورحل عملاقاً، هذا ما ذكرته الكثير من الوسائل متناقلة خبر وفاته، كانت وفاة خالد بن محفوظ صدمة كبيرة لمجتمع الأعمال في الشرق الأوسط، وخسارة لعالم الأعمال أولاً، ولبلده ومن يجبه ثانياً.

تُوفي محفوظ مساء الأحد 16 أغسطس (آب) 2009 عن عمر ناهز 60 عاماً إثر أزمة قلبية مفاجئة داهمته في قصره الكبير بحي الأندلس في جدة، نُقل على إثرها إلى "مستشفى بقشان العام"، حيث أُعلنت حالة الطوارئ القصوى في قسم العناية الفائقة وفاته دماغياً.

وكان الراحل يُعاني طوال سنوات من اعتلال في عضلة القلب، وأجرى عدة عمليات قسطرة لقلبه في مستشفيات متخصّصة داخل وخارج المملكة، على الرغم من أنه كان رجلاً محباً للرياضة وخصوصاً كرة القدم، ويعدّ عضواً شرفياً فاعلاً وداعماً في "نادي الاتحاد السعودي" أحد أكبر الأندية العربية جماهيرية.

ماذا قدم للوطن؟

هذا ما تساءل عنه أحد الإعلاميين بعد وفاته، فأجاب أحد أقرباء الفقيد بأن خالداً يعتبر من بين مئات الأسماء التي ساهمت في البنان التي تشهده المملكة، كما أن أغلب مشاكله كانت في سياسة الإقراض، حيث أقرض مجموعة كبيرة من رجال الأعمال إذ توسع معهم في إثراء مناطق كثيرة، فله أثر في منطقة عسير، في المنطقة الوسطى وفي الشمال، وهناك الكثير من رجال الأعمال انطلقوا بدعم من خالد بن محفوظ، وعندما تم إقفال العديد من شركات المساهمين ولم يستطعوا تسديدها، تحملّها خالد.

كانت له مشاريع خيرية كثيرة في إنقاذ الأسر والأفراد والمجتمعات، إلى جانب مشاركته في بناء المساجد والمستشفيات، وتكفله بعلاج الفقراء والمحتاجين على نفقته الخاصة بميزانية مفتوحة، حتى أن التعويضات التي حصل عليها بعد كسبه المحاكمة في نيويورك تبرع بها إلى صندوق رعاية الطفولة التابع للأمم المتحدة "يونيسف"، إضافة إلى صرفها في أعمال خيرية داخل البلاد التي صدرت منها الاتهامات ليعكس صورة الإسلام الصحيحة.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND