الآن وغداً

  بالشراكة مع:

أصبحت الحاجة إلى مشاركة الجمهور في إدارة الإنترنت العالمية ضرورة مهمة



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: ديفيد كاي وناني جانسن ريفنتلو

منذ وقت ليس ببعيد، ربطت شبكة الإنترنت بين التقدم، والاتصال، والاستكشاف، والابتكار. ولكن ما الاتجاهات التي ترتبط بها اليوم؟ التضليل؟ الكراهية؟ المراقبة؟ الرقابة؟ الاحتكار؟ استغلال الأطفال؟.

يمكن تفهّم النظرة الكئيبة نحو العصر الرقمي، لكن هذا لا ينفي خطورتها. إذ لا يمكننا إنكار القيمة المهمة التي تقدمها الإنترنت كأداة لحرية المعلومات والتعبير. ولكن في سياق محاولتنا لإصلاح مشاكلها الواقعية، نشعر بالقلق إزاء الحكومات التي تقوّض منافعها الأساسية، غالباً مع دعم وتشجيع شعبي.

لقد جرّمت الحكومات القمعية منذ فترة طويلة توجيه أي انتقادات للمسؤولين أو المؤسسات، وغالباً ما تتّخذ هذه الإجراءات التجريمية شكل تدابير محايدة في الظاهر، مثل قوانين ضد التشهير أو التجديف، أو التجاوز (الإساءة لكرامة السيادة أو الدولة، والتي غالباً ما ترتبط بتايلند). في الوقت الراهن، يمكن أن يؤدي منشور على الفيسبوك أو تغريدة على تويتر، في العديد من البلدان، إلى زيارةٍ من أجهزة الأمن، أو إجراء تحقيق، أو ما هو أسوأ من ذلك أيضاً. ويمتد نطاق حالات كهذه من الهند حيث تم اعتقال شاب بسبب منشورات غير لائقة على فيسبوك، إلى زيمبابوي، حيث اعتُقلت امرأة أميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) بعد إهانة الرئيس روبرت موجابي (الرئيس السابق) على تويتر.

بل حتى الحكومات التي تحمي حرية التعبير وتعززها عادة يمكن أن تتخذ خطوات قد تؤدي إلى تقييد مساحة حرية التعبير والمشاركة ولو على مستوى أقل من القمع. فعلى سبيل المثال، تتبنى حكومات أوروبا الغربية المعنية بالمشاكل التي تسلط عليها وسائل التواصل الاجتماعي الضوء سياسات تقوّض الحماية التي توفرها حرية التعبير خارج إطار الإنترنت. ففي وقت سابق من هذا العام، أصدرت ألمانيا تشريعاً ضد "خطاب الكراهية" على الإنترنت، ما يشجع منصات الإنترنت على الانخراط في ما سيؤدي في جوهره إلى الرقابة على الإنترنت.

ويمنح قانون هيئات التحقيق في المملكة المتحدة –والذي أطلق عليه المعارضون اسم "ميثاق التلصص" واعتُمد في عام 2016- أجهزة الأمن والشرطة صلاحية إختراق أجهزة الكمبيوتر والهواتف وجمع بيانات الاتصالات بالجملة، ما يؤدي إلى العديد من التبعات السلبية كتعريض قدرة الصحفيين على حماية مصادر معلوماتهم للخطر الشديد. وقد أدت محاولة إسبانيا لمواجهة الانفصالية الكاتالونية في هذا الخريف إلى تدخّل خطير في دفق المعلومات على الإنترنت. وقد طلبت وكالة إنفاذ قانون الهجرة الأميركية من مطوّري البرمجيات مساعدتها في تصميم خوارزميات تسمح بالمراقبة المستمرة لنشاط وسائل الإعلام الاجتماعية لحاملي التأشيرات.

يُعتبر "منتدى حوكمة الإنترنت" المنعقد في جنيف السويسرية أحد الميادين العالمية القليلة المتاحة للدعوة إلى إنترنت آمنة تراعي حرية التعبير والخصوصية، والحقوق الأساسية الأخرى. ولكونه اجتماع عالمي سنوي تنظمه "الأمم المتحدة"، فهو يشكل مكاناً حساساً للحكومات وشركات الإنترنت والمجتمع المدني لإعادة التأكيد على القيم الأساسية لحقوق الإنسان في صميم العصر الرقمي. لا يتخذ "منتدى حوكمة الإنترنت" بحد ذاته القرارات، ولكن وجوده ذاته يعزز الإنترنت المفتوحة والآمنة والتشاركية، مع التركيز على طبيعتها اللامركزية.

من وجهة نظرنا المختلفة – كوننا مراقب رئيسي لـ"الأمم المتحدة" لحرية التعبير في جميع أنحاء العالم، ومحامية تدافع عن قضايا حرية التعبير في جميع أنحاء العالم – رأينا كلانا على حد سواء كيف يعزز "منتدى حوكمة الإنترنت" رؤيةً تتعارض مع تمركز الإدارة في يد الدولة الذي يتم من خلال تشديد الإجراءات الرقابية الحكومية. فعلى سبيل المثال، دفعت كل من الصين وروسيا نحو إجراءات "التعددية" في إدارة الإنترنت، ما أسهم بفعالية في إقصاء المجتمع المدني لصالح سيطرة الدولة. شكلت سلسلة مؤتمرات ووزهين (Wuzhen) في الصين النقيض الصارخ لمنتدى حوكمة الإنترنت، ما يعكس النهج العدواني الذي تأخذه الصين نحو استخدامات الإنترنت التي يعتبرها المستخدمون الغربيون أمراً مفروغاً منه.

ينبغي على المشاركين في منتدى هذا العام مقاومة الإدارة الحكومية للمساحات الرقمية بشكل يفوق أي من دورات "منتدى حوكمة الإنترنت" الإحدى عشرة السابقة. يتعين عليهم الدفاع عن منهجيات العمل التي تشمل المستخدمين الأفراد والمنظمات غير الحكومية والشركات الخاصة والتكنولوجيين والأكاديميين بدلاً من الاقتصار على الحكومات فحسب. إذ تميل هذه الأساليب ذات أصحاب المصلحة المتعددين إلى القول بأن أفضل طريقة لمواجهة العلل في العصر الرقمي هي حماية استقلالية المستخدم وحرية التعبير واعتماد الحلول التي تعتمد على جميع الذين يستخدمون الإنترنت، ويشاركون في بنائها وحمايتها. لقد وصل "منتدى حوكمة الإنترنت" إلی لحظة حرجة، وينبغي علی المشارکین أن يسعوا إلى ثلاثة أمور على الأقل.

أولاً، يجب على منتدى حوكمة الإنترنت الاحتفاء بدور الإنترنت وحمايته في تسهيل ممارسة حقوق الإنسان. يُلزم القانونُ الدولي الحكومات بحماية الحق في حرية التعبير والخصوصية وحرية التجمع وتكوين الجمعيات. وبدلاً من ذلك، تقوم الحكومات بالاعتداء على هذه الحقوق بانتظام، مدعية، كما هو الحال في كثير من الأحيان عند وجود خطر الإرهاب والتهديدات الأخرى، أن هذه التسوية ضرورية لمصلحة الوطن. وقد رأينا ذلك بصفة خاصة في الجهود التي تبذلها أجهزة إنفاذ القانون على الصعيدين الوطني والمحلي لتقويض التشفير (وهو يشكل ضمان أساسي لأمن المستخدمين) والخصوصية والتعبير. سعت فرنسا إلى تجريم مجرد زيارة المواقع التي تُعتبر مساهمة في تشجيع الإرهاب، وقد أعلن المجلس الدستوري مؤخراً لا دستورية إجراء كهذا.

ولسوء الحظ، غالباً ما تنطوي التسوية على إجراءات ذات اتجاه واحد، بحيث تعطي سلطة أكبر للحكومات وحقوقاً أقلّ للأفراد. يجب على "منتدى حوكمة الإنترنت" مساندة مبدأ ضرورة تبرير الحكومات لتضييقها على الحقوق عبر الإنترنت وإثباتها أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية المصالح المشروعة، كما هو الحال في الفضاء غير المتصل بالإنترنت. إذ إن الحكومات ملزَمة بحماية حقوق الإنسان سواء على الإنترنت أو خارج إطار الإنترنت.

ثانياً، ينبغي على "منتدى حوكمة الإنترنت" تعزيز التنوع والإدماج عبر الإنترنت. إن تصويت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية على إلغاء الحياد الكامل هو أحد الأمثلة فقط على السياسات التي تهدد حرية التعبير عبر الإنترنت، ما يضع المزيد من السلطة في أيدي شركات الاتصالات الكبرى في جميع أنحاء العالم. يُقصد من إمكانية الوصول المتساوي للمعلومات إتاحة المزيد منها للأفراد، وهو أمر لا ينبغي تركه للجهات الفاعلة في الشركات وحدها.

يمكننا القول في هذا المجال، أنه يجب على الحكومات والشركات على حد سواء أن تبذل جهداً أكبر في معالجة قضايا مثل التحرش عبر الإنترنت، الذي يمنع المشاركة على قدم المساواة عبر الإنترنت. ويستهدف التحرش عبر الإنترنت النساء والأقليات على نحو غير متناسب، ما يجعل الفضاء أقلّ تنوعاً وأقل ديمقراطية على الإنترنت. ويتعين على الحكومات والجهات الفاعلة الخاصة إيجاد آليات تقيّد التحرش عبر الإنترنت وتحمّل مرتكبيه المسؤولية في إطارٍ من القوانين التي لا تقوّض حرية التعبير أو الخصوصية. من السهولة بمكان أن نطالب بأمر كهذا، لكن تنفيذه أمر صعب بلا شك، ولكن أحد الطرق التي يمكن البدء من خلالها هي تدريب هيئات إنفاذ القانون على فهم كيف يمكن أن تشكل الإساءة عبر الإنترنت تحرشاً وتهديداً وهي تصرفات تم بالفعل تجريمها بموجب القانون محلي.

وأخيراً، ينبغي أن يشجع "منتدى حوكمة الإنترنت" المشاركة الواسعة. إذ لم تكن الحاجة إلى مشاركة الجمهور في إدارة الإنترنت العالمية أكثر أهمية مما هي عليه في الوقت الراهن. ويمثل نموذج منتدى حوكمة الإنترنت الجهد الأكثر تقدماً في منح الجميع مقعداً على الطاولة عندما يتعلق الأمر بتحديد مستقبل الإنترنت. يلعب "منتدى حوكمة الإنترنت" وغيره من المحافل الأخرى، مثل هيئة الإنترنت لتخصيص الأسماء والأرقام، وفريق عمل هندسة الإنترنت، دوراً في رسم مستقبل الإنترنت، والموافقة على هندستها البنائية وحوكمتها. توضّح المشاركة الجماهيرية ضرورة المحافظة على أهم منصة للاتصالات المفتوحة التي تم اختراعها عبر الزمن مفتوحة، وتعددية، وديمقراطية.

ونحن نشجع الجميع على الاستفادة من فرص المشاركة. فعلى سبيل المثال، يقدم الاتحاد الأوروبي منبراً عاماً للإدلاء بالرأي في قضايا الإنترنت الكبرى، مثل القضية التي يناقشها حالياً والمتعلقة بالأخبار المزيفة والتضليل. یمکن للأفراد والمنظمات المشارکة في هذه القضايا من خلال آلیات منتدى حوكمة الإنترنت مثل آلية "التحالفات الفعّالة". لا ترھب اللغة أو المنتدیات – نحن بحاجة إلی صوتك.

ما يزال من الممكن المحافظة على الإنترنت. ولكننا جميعاً بحاجة إلى بذل جهد جاد للقيام بذلك.

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND