وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – خاص

عقبة الصفدي
"أنا إنسانة بسيطة من مكة المكرمة ولدت بمعضلة صحية كانت السبب في أن تزرع بذرة الطموح داخلي بسنٍّ مبكرة جداً، وتدفعني في طريق العلم والطب والجينات"، بهذه الكلمات تعرّف الباحثة في مجال توطين دراسات الجينات ملاك الثقفي عن نفسها.

لم تكن تعلم الثقفي وهي طفلة ما الذي تعنيه كلمة الجينات المتعلقة بمرضها، إذ كانت تسمع ذلك في عيادات الأطباء والمشافي، ما شكل لديها هاجساً لدراسة الطب، والبداية كانت بتخرجها في الثانوية العامة بمعدل 99.2%، بالترتيب الخامس على مدينة مكة، فتمكنت من دخول كلية الطب بجامعة "الملك عبد العزيز" عام 2005، وتخرجت فيها بمعدل جيد جداً.

يصيب مرض "فرط التنسّج الكظري" أربعة أطفال من أصل عشرة آلاف طفل في الوطن العربي، ومن بين الأربعة، كانت الدكتورة والباحثة السعودية ملاك الثقفي، ما جعل الأطباء يتنبؤون بوفاتها في سن السابعة، إلا أنها خالفت توقعاتهم وجعلت من مرضها نقطة تحول.

تعد الدكتورة ملاك الثقفي أول طبيبة سعودية يتم قبولها في زمالة أمراض وأورام الجهاز العصبي بمنحة كاملة من " جامعة هارفارد" بسبب خبرتها في السرطانات الجينية. تعمل ملاك اليوم طبيبة استشارية في " مدينة الملك فهد الطبية"، ومدير المختبر الخاص بـ"برنامج الجينوم البشري السعودي"، وهي أستاذ البحث المساعد في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم التقنية ومركز أبحاث الجينوم، ساعية في كل ما سبق، إلى نقل الخبرات العالمية في مجال التحليل الجيني إلى المملكة وتوطينها بما يتوافق مع أهداف "رؤية المملكة 2030″، و"برنامج التحول الوطني 2020".

في البداية فكرت الثقفي بدراسة تخصص علم الجينات لدى الأطفال -كرد فعل على مرضها في طفولتها- لكنها غيرت وجهتها عندما تعرفت إلى تخصص علم الأمراض، ولمست جانبه البحثي الذي تحب.

عندما ابتعثت إلى الولايات المتحدة الأميركية، أكملت دراستها في تخصصات علم الأمراض الإكلينيكية والتشريحية والعصبية والجينية الجزيئية في عدة جامعات أميركية مثل، جامعة "جورج تاون"، جامعة "كاليفورنيا" بسان فرانسيسكو، جامعة "ستانفورد"، جامعة "هارفارد"، وحصلت على 4 بوردات أميركية، إضافة إلى ماجستير في الأعمال والإدارة الطبية من جامعة "جونز هوبكنز"، بعد ذلك تفرغت للزمالة البحثية لما بعد الدكتوراه في تخصص بيولوجيا السرطان والأورام الطبية في مركز "دانا فاربر" للأورام التابع لجامعة "هارفارد".

ما زاد تميز الثقفي حصولها على بورد علم الأمراض الجزيئية الجينية والوراثية، حيث يعد هذا البورد من التخصصات الدقيقة والحديثة، يمنحه البورد الأميركي للجينات والجينوم (ACMG) مناصفة مع البورد الأميركي لعلم الأمراض بعد قضاء فترة زمالة ما بعد الدكتوراه لمدة عامين، وبعد الحصول على البورد الأميركي لعلم الأمراض في مراكز طبية محددة بالولايات المتحدة.

يجمع البورد الذي حصلت عليه الثقفي بين دراسة الجينوم والكروموسومات في الأمراض الوراثية والأورام والأمراض المعدية والصيدلية الجينية، كما أن حامل هذا البورد مؤهل لإدارة مختبرات إكلينيكية متخصصة في وضع المعايير وعمل الفحوصات وكتابة التقارير لتقديم أفضل الخدمات الجينية للمريض وفق أعلى المعايير.
رغم حداثة التخصص، إلا أنه لم يلقَ قبولاً من قبل الأكاديميين في السعودية، فكان السؤال الأكثر توجيهاً للثقفي " ما الذي دفعك إلى هذا الاختصاص"، وكان ردها أنها تنظر إلى المستقبل، وهو ما تحقق، حيث أصبح أكثر الطلاب المبتعثين يختارون ذات التخصص ويدمجونه مع تخصص آخر. لم تقف صاحبة مقولة " الطريق ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً" عند ذلك، إنما تمكنت من وضع اسمها بين أكثر 20 سعودياً مبتكراً داخل عالم تقنية المعلومات وهندستها واستثماراتها في وادي السيليكون بسان فرانسيسكو الأميركية.

عندما ترتب الثقفي حصاد إنجازاتها، تتحدث عن سلامها على الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود عام 2010 أثناء استقباله لأطباء المملكة، وكذلك عن خطاب الشكرالذي حظيت به من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كما حصلت على جائزة مكة للتميز العلمي، من الأمير خالد الفيصل، إضافة إلى حصولها على جائزة الطالبة المتميزة بكلية الطب في جامعة "الملك عبد العزيز"، وجائزة لبحثها الذي كان ضمن أفضل عشرة بحوث بـ "الجمعية الأميركية" لعلم الأمراض الإكلينيكية في شيكاغو.

تجاوزت أبحاث الثقفي الخمسين بحثاً منشورة في مجلات علمية رائدة في المجال الوراثي، إضافة إلى المؤتمرات الدولية، ومن ضمن دراساتها دراسة "الطفرة الجينية في أورام الدماغ الدبقية"، إذ لقي هذا البحث اهتماما كبيراً في الوسط العلمي، كذلك حصلت على جائزة إنجازات الطلاب السعوديين في الولايات المتحدة، ورُشحت لجائزة "الباحث الشاب" بجمعية علم الأمراض الجزيئية.

عندما تلخص ملاك الثقفي مسيرتها، تنطلق من تحديها لأمرين: الأول، مرضها الذي كاد أن يفقدها حياتها، والآخر، أنها امرأة تواجه عقبات اجتماعية، فهي لا تعد نفسها فقط طبيبة، وإنما صوت نسوي يفتح الطريق أمام المرأة السعودية.

تضع الثقفي كامل مسيرتها نصب عين المرأة السعودية إذ تقول: "أنتِ من يربي المجتمع على المعرفة وحب العلم، ستواجهين المزيد من الصعوبات: عائلية، مجتمعية، أكاديمية، وحتى في عدم تساوي الفرص، لكنّ عليك أن تضعي مبكراً الهدف نصب عينيك، وتسعي لتحقيقه بشغف وإصرار، عندها سينهار جدار المستحيل".


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND