آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



نورة الكعبي
نورة الكعبي
وزير الثقافة وتنمية المعرفة في الحكومة الاتحادية للإمارات ال..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

لعل شهرة العديد من القادة على مر التاريخ تعود إلى مساهماتهم في تأسيسهم دولهم وبناء أوطانهم أو إطلاق مشاريع ومبادرات أسهمت في تطوير شعوبهم والنهوض بمختلف مجالات حياتهم، ولكن، القليل منهم، من حظي بسرد مفصل، ودراسات وقراءات تركزت في البحث بقيمهم ورؤاهم، وأوفتهم حقهم كونهم كانوا نبراساً لأجيال تعاقبت على المستقبل من بعدهم.

ففي دولة الإمارات، لم يكن قرار قيادتنا الرشيدة باختيار عام 2018 ليكون "عام زايد" مجرد مبادرة عابرة، بل هي نهج وطني وضع أمام التاريخ مهمة الاحتفاء بالإرث العظيم الذي تركه لنا الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه"، فذكراه المتقدة ليست لتسليط الضوء على تأسيسه دولة الإمارات فحسب، بل للوقوف على مسيرته، والداً وقائداً، والتعرف إلى قيمه الراسخة التي وضعت أسس النهضة لشعبه بشكل قلّ نظيره.

ومن منطلق مسؤوليتي تجاه المساهمة بتكريم الوالد المؤسس في "عام زايد"، سأنشر اعتباراً من اليوم مقالاً شهرياً لسرد مناقب هذا القائد، والوقوف على قيمه ومبادئه التي تعكس رؤاه، ومصدراً ملهماً لمسيرتنا في بناء الوطن.

نحتفي هذا العام بمرور مائة عام على مولد القائد المؤسس، هذا الإنسان الفريد الذي يحتذي به مواطنو دولة الإمارات وكل مقيم على أرضها، نستذكر معاً قصصه ومواقفه القيادية التي نسمعها منذ صغرنا.

ومن هذا المنطلق، تعتبر الرؤية التي أرساها فينا المغفور له الشيخ زايد انعكاساً لعنصرين رئيسيين في العمل الثقافي، الأول، حرصه على الاستثمار في رأس المال البشري، والثاني، إيمانه بأهمية التسامح في سبيل التعايش، إذ كان لهذين العنصرين دوراً محورياً في تطور دولة الإمارات على مدى الأعوام الخمسة والأربعين الماضية، وأساساً لتقدمها وتطورها في المستقبل، حيث باتا يشكلان قاعدة متينة لبناء قطاع ثقافي غني ومزدهر يعكس عادات وتقاليد الدولة، ويضعانها على خريطة الفنون والثقافة في المنطقة والعالم.

وعلى الرغم من وجود العديد من التحديات، إلا أن الشيخ زايد "رحمه الله" كان شغوفاً ومؤمناً بشعبه، وحريصاً على تعزيز استقراره وازدهاره، ساعياً إلى إنشاء أمة متحدة، يشعر فيها كل فرد بالفخر والدافع لمواصلة عمله، وتحسين المستوى المعيشي وبخاصة لفئتي النساء والشباب، مع التركيز على أهمية التعليم، والحفاظ على الأمن من خلال تعزيز العلاقات مع قادة البلدان الأخرى.

إن دولة الإمارات ليست مجرد دولة محظوظة بوفرة الثروات على أرضها، بل بوجود قائد استطاع استخدام هذه الثروات بحكمة، ومن واجبنا اليوم أن نعرّف الأجيال المقبلة بحكمته، كونها تُعد من أهم موارد الدولة الإنسانية.

وفي هذا السياق، أود الوقوف عند مقولة المغفور له: "إن الإنسان هو أساس أي عملية حضارية.. اهتمامنا بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه.. وغير قادر على الاستمرار إن روح كل ذلك الإنسان. الإنسان القادر بفكره ،القادر بفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المنشآت والتقدم بها والنمو معها".

إن هذه المقولة تلخص جوهر تقدمنا وكيفية مواصلة المسيرة والحفاظ عليها، وبالأخص في الجانب الثقافي، حيث يُعد التزامنا بتطوير البنية التحتية الثقافية من متاحف ومؤسسات ومعارض استثماراً في الاشخاص والفنانين على وجه التحديد.

وبناء عليه، فإن دعم الأجيال المقبلة باعتبارهم المساهم الرئيس في القطاع الثقافي لدولة الإمارات، أمرٌ في غاية الأهمية، وعلى الرغم من وجود العديد من الجهات التي تمول الأعمال الإبداعية في القطاعين العام والخاص، إلا أن إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس "مجلس الوزراء" حاكم دبي، رعاه الله، إطلاق "صندوق التنمية الثقافية" في دولة الإمارات، كان الخطوة الأمثل على الطريق الصحيح.

إن هذا الصندوق، يعتبر أفضل وسيلة لتوفير الموارد المالية اللازمة لدعم النشاط الثقافي في مختلف أنحاء الدولة، ومساندة المشاريع والمبادرات الرامية إلى تعزيز المنتج الثقافي الإماراتي والارتقاء به على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وإشراك كافة عناصر المجتمع في مؤازرة خطط التنمية الثقافية التي تمثل رصيداً إنسانياً مشتركاً ومطلباً مهمّاً من متطلبات التنمية الشاملة، وتشجيع القطاع الخاص على القيام بما تمليه عليه المسؤولية المجتمعية تجاه الشراكة الواعية في دفع معدلات عملية التطوير الثقافي والمعرفي التي تأتي في مقدمة ركائز التنمية الشاملة.

وعليه، فإن هذا النوع من الاستثمارات الداعمة للقطاع الثقافي، ستسهم في تحسين التعليم الثقافي والدراسات الإبداعية في المدارس، وهو اقتراح يؤمن بأهميته الكثيرون لكنهم مدركون بانه لم يجر تطبيقه بعد، ومن هنا يأتي التزامنا بتقديم يد العون في إيجاد الحلول لهذه التحديات، وتطوير نظام بيئي يسهم بتطوير الفنانين والسفراء ويعزز موهبتهم على أرض دولة الإمارات.

وخلال السنوات القليلة الماضية، كان للتكنولوجيا دوراً مهماً في تطور الثقافة، إذ قامت دولة الإمارات بمواكبة هذا التوجه في سبيل دعم الفنانين على تطوير أعمالهم، حيث باتت مصطلحات "الابتكار" و"ريادة الأعمال" من أهم العبارات المتداولة في وقت من الأوقات دون التعمق في معاناها الحقيقي، وهو ما أوجب على العديد من الحكومات ضرورة التكيف معها نظراً لكونها معادلة من معادلات نجاح الشباب وتطورهم الإبداعي.

وفي السياق ذاته، بات لزاماً علينا التفكير في تأثير وسائل الإعلام الرقمية التي أوجدت للفنانين والموسيقيين والكتاب وصناع الأفلام طرقاً جديدةً ومبتكرةً لتطوير أعمالهم، وما علينا إلا أن ندعم هذه الجهود وأن ندمجها عند العمل أو التفكير في القطاع الثقافي.

لقد تبوأت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة استراتيجية عالمية بسبب جهود القائد والمؤسس الشيخ زايد الذي قام بدعم التغيير ووضع ثقته في الإنسان، وحمل الراية من بعده قيادة رشيدة أدركت المغزى، وواصلت درب النجاحات والبناء بدعم من أبناء الوطن المخلصين. فهذه هي القاعدة التي أسست عليها مسيرتي، وآمل أن تمعنوا التفكير في تبنيها لتكون مصدراً ملهماً لكم مع بداية هذا العام المميز… عام "زايد".

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND