وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – خاص

عقبة الصفدي

كل الأشياء كانت تدفع لليأس والاستسلام والتساؤل عن معنى حياة مهددة وغير مستقرة، إذ لا شيء أكثر من غرفة واحدة لعائلة كاملة ليس لديها عمل ولا أي مصدر مالي، بتلك الظروف عاشت عائلة ربيع عطايا بعدما خرجت من فلسطين ولجأت إلى لبنان، ومن نقطة الصفر وخارج الوطن تمكّن جد ربيع من شق الطريق أمام العائلة اللاجئة، إذ استثمر ما حصل عليه من أرض جنوب لبنان، ليقدم لوالد عطايا التعليم الذي يحتاج.

ولِد ربيع  خارج وطنه في بيئة كل أشخاصها لاجئين، ولكلٍّ منهم قصة مثيرة كما يصف في إحدى مقابلاته، الأمر الذي اعتبره نقطة قوة كانت تلهمه النجاح باستمرار، سيما الجهد الذي بذله جده لينقذ العائلة من الغرق في المنفى، قصة أثمرت عن مسيرة مهنية ناجحة على مستوى الشرق الأوسط عنوانها المدير التنفيذي والمؤسس لـ"بيت. كوم" أكبر موقع توظيف في الشرق الأوسط ربيع عطايا.

انطلق من مقولته: "يجب ألا تستسلم أمام أي عقبة، لأن السؤال سيكون كيف صمدت أمامها". دخل جامعة "ستانفورد" الأميركية وتخرج منها حاصلاً على شهادة بكالوريوس في الهندسة الكهربائية وشهادة ماجستير في النظم الاقتصادية الهندسية.

بدأ حياته المهنية في بنك "أليكس براون آند سونز" الاستثماري، وكان له دور في تشكيل بنية عمليات الاندماج والاستحواذ وعمليات الاكتتاب العام على الأسهم لشركات التكنولوجيا، ثم نمت لدى عطايا رغبة كبيرة ببناء شركة خاصة شرق أوسطية منظمة تلقى الإعجاب والاحترام على نطاق عالمي، وفي عام 2000، وبوقت لم يكن هنالك أكثر من مليوني مستخدم للإنترنت في المنطقة، أطلق موقع "بيت.كوم"، في محاولة لمعالجة مشكلة البطالة المنتشرة من خلال إنشاء موقع لفرص العمل.

تحديات عدة واجهته عند تأسيس "بيت.كوم"، أبرزها أنّ الإنترنت كانت لم تزل بدائية وبطور نشأتها في المنطقة وقد استغرق الأمر من فريق "بيت.كوم" وقتاً طويلا لتحويل أساليب التوظيف من النمط التقليدي إلى التوظيف عبر الإنترنت، وذلك على المستوى الاحترافي وجميع المستويات المهنية بدءاً من الطلاب حديثي التخرج إلى الكوادر التنفيذية والإدارية رفيعة المستوى، لكن مع تزايد عدد المستخدمين من عام لآخر، تجاوز المشروع ذلك التحدي، وفي الفترة الراهنة وبوجود أكثر من 15 مليون محترف وما يفوق 40 ألف مؤسسة متميزة، يمثل "بيت.كوم" سوق العمل الأكبر والوحيد لأصحاب المهن والشركات في المنطقة.

ظهر تحدٍ جديد أمام المدير التنفيذي للموقع وهو الاختيار بين المتقدمين، فمع وجود العديد من السير الذاتية المتوافرة على الإنترنت، يحتاج أرباب العمل إلى أدوات انتقائية فعالة جداً لإيجاد المرشح المثالي للعمل، في حين يجب على الباحثين عن عمل أن يتميزوا وسط جموع كبيرة من المرشحين المؤهلين، ولدى عطايا فريق كامل مكرس لمواصلة ابتكار أدوات وتقانات تساعد كلاً من أرباب العمل والباحثين عن عمل على حل مشكلة الاختيار تلك، وذلك من خلال تزويد أرباب العمل بأدوات انتقائية شديدة الفعالية للسير الذاتية، وبإيجاد طرق تتميز فيها السيرة الذاتية من أجل أولئك الباحثين عن عمل، كما كان هناك أساس يساعد في النجاح وهو: التواصل والحفاظ الدائم على احترام الناس المشتركين سواء كانوا الأشخاص الباحثين عن عمل، أو الباحثين عن المواهب، أو ممن أسسوا "بيت.كوم" أيضاً.

يعلن الموقع يومياً عن 10 آلاف فرصة عمل، وهنالك العديد من الفرص الأخرى التي لا يعلن عنها، والتي سجلت باستخدام محرك البحث عن السير الذاتية في "بيت.كوم"، وفي السنوات الأخيرة الماضية، قدم "بيت.كوم" المساعدة لأعداد ضخمة من الناس ليحسنوا أعمالهم، إذ يطرح الخدمات الأساسية مجاناً للباحثين عن عمل، عبر إنشاء سيرة ذاتية، والتقدم لفرص العمل، واستخدام الأدوات والخدمات المهنية، وكذلك استخدام محرك البحث الخاص بالموقع دون أي تكلفة.

ويحدد عطايا رؤيته في "بيت.كوم" بأنه يريد تمكين الناس بالأدوات والمعرفة بهدف بناء أسلوب حياتهم حسب اختيارهم، ومنذ الانطلاق عام 2000، وهو يعمل على تحقيق ما وعد به، عبر توفير منصة لمستخدمي "بيت.كوم" تمكنهم من التحكم بالأمور المتعلقة بمستقبلهم على نحو أفضل، إذ يمكن لأصحاب المهن من أي بلد ومن مختلف مجالات الحياة أن يسجلوا لمعرفة فرص العمل المعروضة في الموقع، وأن يستمتعوا بمعرفة الآداب المهنية، والبحث عن الموارد البشرية، واختبارات التقييم الذاتي.

طوّر عطايا "بيت.كوم" إلى أكثر من مجرد موقع لفرص العمل، حيث يقدم العديد من الأدوات المصممة خصيصاً لأصحاب الأعمال في الشرق الأوسط، ويأخذ بعين الاعتبار مسائل ترقيهم الوظيفي، وتحسين نمط حياتهم، وتشمل هذه الأدوات "تخصصات بيت.كوم"، وسلسلة "معرض الأعمال الافتراضي لبيت.كوم"، و"رواتب بيت.كوم"، ويقدم أيضاً بيئة عمل متطورة للشركات بهدف الترويج لعلامتها التجارية وعروض العمل لديها، إضافة إلى توفير الأدوات الشاملة التي لا تجعل العثور على المرشح المناسب سريعاً وبسيطاً فحسب، بل تروج أيضاً للصورة الإيجابية لهذه العلامة التجارية.

كما أطلق أداة لتعرض لمحة عن الشركات، بحيث تعطي أصحاب العمل الفرصة لزيادة جذبهم للباحثين عن عمل، إضافة إلى توسيع وعي الناس بعلامتهم التجارية وذلك من خلال مشاركتهم لشواغر العمل المتوافرة لدى هذه الشركات وكذلك الصور والقصص، وهذا يعطي أصحاب العمل أنفسهم مكانة أفضل بوصفهم أصحاب الاختيار.

ترأس ربيع خلال مسيرته عدداً من الشركات التي حققت نمواً سريعاً بدءاً من مرحلة تأسيسها إلى حين انتهاء فترة عمله فيها، حيث أسس وأدار شركة "إنفورت فو" وهي أول وأهم شركة لإدارة السجلات في الشرق الأوسط، ولها عمليات في كل أنحاء المنطقة.

تتويجاً لمسيرة ربيع عطايا حصل على "جائزة أفضل مؤسس عمل على الإنترنت في الشرق الأوسط" التي قدمها له الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لمساهماته بــ"اقتصاد المعرفة" في المنطقة.

ربيع عطايا الذي يروي قصة حياته في مقابلاته، مبتدئاً من جدوده الذين خرجوا من وطنهم بسن الثامنة لا يملكون سوى ثيابهم، استطاع بناء مسيرة على مستوى الشرق الأوسط من خارج حدود الوطن، واليوم "بيت.كوم" جواز سفره في عالم الريادة.