آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

هناك دلائل تشير إلى أن الحرب التي مزقت بلاد المشرق العربي بدأت تفقد من زخمها. بعد ذلك تأتي إعادة الاعمار والتي، بمعناها الواسع، ستركز على إعادة إنشاء اقتصادات عاملة وفعالة، لا سيما في العراق وسورية، مع ارتدادات إيجابية من شأنها العودة بالفائدة على لبنان. ولكي يستفيد هذا الأخير من هذه الإيجابية، يجب عليه صياغة وتنفيذ سياسة اقتصادية شاملة تؤثر على القطاعات الإنتاجية الرئيسة وبالتالي تعطي المستثمرين الأجانب إشارة بالتوجه الجدي نحو استعادة الثقة.

بدأت إمكانات الشراكات بين القطاعين العام والخاص والأشغال العامة ومشاريع البنية التحتية في الظهور وبدأ هذا القطاع يفرض نفسه كأولوية. بعد أن تم إصدار قانون تنطيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في لبنان أواخر 2017، تعِد اليوم الحكومة نفسها لإطلاق مشاريع بقيمة 20 مليار دولار، موجَهة الى أعمال البنى التحتية كالطرقات والموانئ والمطارات وسدود المياه والمعامل والكهرباء وغيرها. وسيتم تمويلها من قبل القطاع الخاص و"البنك الدولي" والصناديق الأوروبية والعربية والصينية. وأعربت الصين في وقت سابق من 2017 عن استعدادها لمنح قروض بقيمة ملياري دولار لمشاريع طريق الحرير من خلال غرفة "طريق الحرير للتجارة الدولية".

هناك قطاع ثان واعد هو قطاع الاستهلاك، للسلع أوالخدمات. وهناك مؤشران يُشجعان على الاستثمار في السلع المدروسة الأسعار مثل السيارات والأثاث والأجهزة المنزلية، الطعام والمشروبات، والخدمات مثل تصفيف الشعر وإصلاح السيارات. المؤشِر الأول هو تدنِي القوة الشرائية الناجمة عن تدنِي الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد والذي يبلغ 14,000 دولار للبنان و17,000 دولار للعراق و9,000 دولار للأردن، في حين أن الدول الغربية يتجاوز فيها الـ40,000 دولار، والمؤشِر الثاني هو الجيل الشاب في الشرق الأوسط ، حيث إن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يشكلون حوالي 20% والذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة حوالي 28% من عدد السكَان: "واحد من أحد أكبر الأعداد من الشباب الذين سينتقلون الى سن البلوغ في تاريخ المنطقة".

ثم تأتي الصحة. وبما أن سكان الشرق الأوسط من الشباب، وبالتالي فقد بدؤوا أو سوف يبدؤون قريباً دخول نظام الرعاية الصحية. ولذلك، فإن الاستثمار في الرعاية الصحية يستفيد من جمهورٍ واسعٍ، ولا سيما جمهور يرغب بالحصول على أدوية جودتها عالية وتكلفتها مقبولة،  كما والاستثمار بخطط التأمين الصحي التي تشكل شبكة أمان للأفراد ذوي الدخل المحدود والذين يواجهون تكاليف رعاية صحية عالية. وقد ألقى رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري  خلال قمة الأعمال العالمية التي عقدت في  ديسمبر (كانون الأول) 2017 الضوء على نقطة قوة في قطاع الرعاية الصحية من خلال قوله إنه "يجب أن نكون (لبنان) مركزاً إقليمياً للعلاج الطبي أو الاستشفاء في الشرق الأوسط لأن لدينا أفضل الأطباء والمستشفيات".

التعليم هو أيضا أولوية. إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها أكبر عدد من السكان الأصغر سنَاً في العالم مع أعلى معدلات الالتحاق بالمدارس: 100% تقريباً في الابتدائي، وما يقارب الـ70% في الثانوي. وسيكون التركيز بالتالي على المدارس الثانوية والجامعات والتعليم التنفيذي والشهادات المتخصصة التي قد تؤثر على كل من مؤسسات التعليم الأكاديمي والتدريب في الشركات.

يرتبط آخر قطاعين واعدين ارتباطاً وثيقاً ببعضهما بعضاً: الشركات الناشئة والتكنولوجيا. شهد العقد الماضي اهتماماً متزايداً بالشركات الناشئة، فعلى سبيل المثال، فتح " مصرف لبنان المركزي " نافذة تنظيمية لتمويلها. ونظراً لأن بيئة الشركات الناشئة تشجع الابتكار والنمو، وبالنظر إلى ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس وانخفاض فرص العمل، فإنه يمكن لهذه الشركات أن تكون باباً أساسياً لخلق فرص العمل. ويمكن أن تتراوح الاستثمارات بين التمويل والتوجيه والتسهيل والتسريع. في المقابل، يمكن أن تقوم الاستثمارات في التكنولوجيا على مستويين: مشاريع البنى التحتية مثل منشآت الألياف البصرية وشبكات الاتصال، والسلع الاستهلاكية، وخاصة مع التطور السريع في المنتجات والنظم والتطبيقات.

هناك قطاعات ومبادرات أخرى ضرورية لاستكمال الصورة، مثل النفط والغاز، والمناطق الاقتصادية الخاصة، وتوسيع الموانئ، والسكك الحديدية، وطرق التجارة الدولية.

ولكي يتحقق كل ذلك، يجب أن تكون دول المشرق بشكل عام ولبنان على وجه التحديد على استعداد. بالكلام عن ضرورة تطبيق سياسة اقتصادية شاملة، ينبغي أن يتم ذلك بشفافية وأن يركز على تحقيق خروقات وتحسينات في الإطار القانوني والتنظيمي قبل التواصل مع المستثمرين وإغرائهم. ويمكن أن يبدأ ذلك بتعديل قانون التجارة اللبناني من أجل تحسين بيئة الشركات من خلال 3 قنوات: فتح هيكليات المساهمات في الشركات للسماح بدخول المزيد من المساهمين الأجانب وتحفيزهم على القيام بالنشاطات المؤسساتية، مالياً، تشجيع المساهمين في الشركات العاملة في لبنان على فتح رؤوس الأموال، عملياً، تسريع وتسهيل معاملات تأسيس الشركات عن طريق تخفيف الشروط والمتطلبات. على صعيد التكنولوجيا.

يبدو من الضروري تحسين القوانين من أجل رفع مستوى أمن المعلومات وحماية الملكية الفكرية. فيما يتعلق بكلفة الأعمال، ينبغي على الحكومة أن تقوم بحملات توعية بشأن انخفاض التكاليف التشغيلية لتحفيز الشركات الأجنبية. أما فيما يتعلق بالأسواق المالية، فينبغي على السلطات المعنية أن تعتمد قواعد تجارية أكثر ليبرالية من أجل جذب اهتمام المستثمرين، مما يؤدي إلى زيادة تدفقات رؤوس الأموال إلى الداخل. وأخيرا وليس آخراً، يجب على الحكومة أن تعتمد، حيث أمكن، سياسة حمائية للإنتاج المحلي من خلال القوانين الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، دون أن تهدد تعدُد الخيارات في الأسواق. ومن شأن ذلك أن يواكبه تفعيل اتفاقيات التجارة الحرة بين بلاد المشرق لفتح الأسواق المجاورة والإقليمية على بعضها بعضاً.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND