وجه

آخر مقالات وجه



 الاقتصادي – خاص:

عقبة الصفدي

صبيحة يوم الخميس، 9 مايو (أيار) الجاري، طوى التسعيني رئيس مجلس الوزراء الأسبق مهاتير محمد أعوام العزلة السياسية الخمسة عشر، بست كلمات: "نعم نعم، ما زلت على قيد الحياة"، والتي قالها بعد فوزه بمئة واثنين وعشرين مقعداً في البرلمان الماليزي، مقابل ستة وسبعين مقعداً لمنافسه عن تحالف "الجبهة الوطنية الحاكمة" نجيب عبدالرزاق.

وقبل أن يعبر ممثل "تحالف الأمل" المعارض مهاتير بوابة القصر الملكي الماليزي في كوالالمبور، للمرة الثانية، متوجهاً لإلقاء القسم أمام ملك ماليزيا محمد الخامس، عبر باب التاريخ، بلقب أبي ماليزيا الحديثة، إذ نقل بلاده سابقاً من عتبات الدول النامية، إلى مصاف دول النمور الآسيوية.

ولد مهاتير عام 1925 بمدينة ألور سيتار عاصمة ولاية كيداه شمالي ماليزيا، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي فيها، وفي عام 1947، دخل "كلية الملك إدوارد السابع" الطبية، والتحق بعد تخرجه بالخدمة في القطاع الحكومي الماليزي بصفة ضابط طبيب، قبل أن يتركه عام 1957، ليؤسس عيادته الخاصة بمسقط رأسه.

ومارس العمل السياسي في العشرينيات من عمره، حيث التحق بعضوية حزب "أمنو" عام 1946، وانتخب لأول مرة لعضوية البرلمان عام 1964، وفي عام 1973، عيّن عضوا في مجلس الشيوخ، لكنه تنازل عن موقعه بهدف المشاركة في الانتخابات العامة لعام 1974، التي فاز فيها وعيّن في أعقابها وزيرا للتربية.

في 1978، عُين مهاتير نائباً لرئيس الحزب، ومن ثم رئيساً له عام 1981، وكذلك رئيساً للوزراء حتى عام 2003، قبل استقالته، ليبتعد عن السلطة 15 عشر عاماً، كسرها العام الحالي، في المنافسة الانتخابية مع عبدالرزاق، الذي أدرك أنه يواجه صراعاً انتخابياً شرساً مع سياسي ذي شعبية كبيرة، فأعد سلاحاً تمثل بتعديل قانون الانتخابات، غير بموجبه توزيع أصوات الناخبين على الدوائر الانتخابية، إلا أن سلاحه قد خاب في مسعاه أمام منافسه مهاتير، صاحب التاريخ الطويل من الصراعات والصدامات، والتي استطاع حسمها لصالحه.

كان مهاتير في طفولته، يبيع شطائر الموز في الشارع ليكمل تعليمه، إلى أن جنّب ماليزيا التعثر بالأزمة المالية الآسيوية عام 1998 بخطة اقتصادية وطنية، دون أن يمد يده لـ"صندوق النقد الدولي"، في الفترة التي تعرضت فيها العملة الماليزية "الرانجيت" لمضاربات واسعة بهدف تخفيض قيمتها، اتخذ مهاتير مجموعة قرارات تهدف إلى فرض قيود على التحويلات النقدية خاصة للحسابات التي يملكها غير المقيمين، إضافة إلى فرض أسعار صرف محددة لبعض العملات.

مهاتير الذي يوصف بصاحب القبضة الحديدية في الحكم، لاسيما من قبل الدول الغربية التي عارض سياستها، استطاع أن يحول ماليزيا من دولة زراعية يعتمد اقتصادها على تصدير السلع الزراعية والمواد الأولية البسيطة مثل المطاط والقصدير وغيرهما إلى دولة صناعية متقدمة، وأصبحت معظم السيارات التي يقودها الماليزيون صناعة وطنية خالصة في بلدٍ أضحى يحتل الصدارة كواحد من أقوى المراكز المالية في جنوب آسيا.

ونتيجة لذلك انخفضت أعداد المواطنين ممن هم تحت خط الفقر من 52% عام 1970 إلى 5% في عام 2002، وارتفع متوسط دخل المواطن من 1,247 دولاراً في عام 1970 إلى 8,862 دولاراً في عام 2002، وانخفضت البطالة إلى 3%.

كان لدى مهاتير إيمان بأن أفضل ثروة في أي دولة، هي شعبها، لذا كان يحثه باستمرار عن النهوض، وبالفعل شهدت ماليزيا ثورة صناعية قامت على صناعة أجهزة الكمبيوتر، والإلكترونيات، وأُقيمت العديد من المشاريع الضخمة، أبرزها: بُرج التوأم "بتروناس"، مطار كوالالمبور الدولي، والطريق السريع بين الشمال والجنوب، وحلبة "سيبانغ" الدولية، وممر الوسائط المتعددة الخارق، وسد "باكون" الكهرومائي، والعاصمة الإدارية الإتحادية الجديدة "بوتراجايا"، كما تحققت في فترة ولاية مهاتير محمد السابقة، طفرة ملحوظة في مشروعات الاتصالات والمعلومات التي كانت تحظى باهتمام ودعم حكومته كعنصر مهم من عناصر خطته التنموية، وكان يسميه "الاقتصاد المعرفي"، وبالفعل أصبحت ماليزيا محطة إقليمية وعالمية في مجال صناعة الاتصالات والمعلومات والإنترنت.

كما وضع مهاتير رؤية 2020 الاقتصادية، والتي تهدف لجعل ماليزيا من بين الدول الخمسة الأولى على مستوى العالم بحلول 2020، حيث تشمل جميع نواحي الحياة، من الازدهار الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، والاستقرار السياسي و التعليم بالمستوى العالمي، فضلا عن التوازن النفسي والأخلاقي للمواطن الماليزي، ويعبر رئيس الوزراء التسعيني عن هدف الرؤية بقوله: "بحلول عام 2020، تستطيع ماليزيا أن تكون أمة موحدة ذات مجتمع واثق ومتشرب بالقيم المعنوية والأخلاقية القوية، يعيش بشكل ديمقراطي متسامح ومتعاطف مع الغير، تسوده العدالة الاقتصادية والإنصاف والازدهار.

صاحب سلسلة التحديات والمواجهات السياسية والاقتصادية، والذي آمن بأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ لا تحدث بين عشية وضحاها، وما زال يحلم بمستقبل البلاد في عمر ناهز فيه التسعين عاماً، يتحدى من يقف بوجهه، عاد إلى المعترك السياسي محملاً بطموحات شعب.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND