آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



ثامر شاكر
ثامر شاكر
رائد أعمال وكاتب سعودي. وهو المؤسس التنفيذي لـ "ميسان للا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

احتفل البروفيسور الأسترالي ديفيد غودال بعيد ميلاده المئة وأربع سنة، بطريقة مختلفة.. فبعد أن أَطْفأ شموعه وسط وجوه لا يعرفها، تقدم بطلب لسلطات بلاده كي يُنهي حياته.. ليتفاجأ أن أحلامه تحطمت على أرض الواقع حين أكتشف أن القوانين لا تسمح بالانتحار سوى لأولئك الذين يعانون من أمراض قاتلة لا شفاء منها ولا رجاء.. ولأنه طلب غير قانوني، عزم أمرهُ على أن يُغادر إلى سويسرا، حيث القوانين التي تمنح الحق لأي مواطن أن ينهي حياته متى أراد.. عن طريق مراكز متخصصة هناك.

سألوه في المؤتمر الصحفي الذي عُقد له قبل عملية الموت الأخيرة عن السبب، أجاب: "جودة الحياة الرديئة.. لا تسمح لي أن أعيش!!" الرجل ذو صحةٍ جيدة، ذاكرته لم تخنهُ، صحتهُ بقيت متماسكة، قلبه ظلّ يدق ولم يخلف موعده معه.. لكن يبدو أن الدنيا بأسرها، في نظره، قد تخلّت عنه ورحلت وتركته وحيداً، يُعاني من أمراض أخرى أشد فتكاً وأكثر ألماً من آلام الجسد المعتادة.. معاناة الغربة والحنين إلى زمنه.. إلى هؤلاء الذين مرّوا به ولم يعد لهم أثر.. ولم يبق للحياة طعم من بعدهم.. وكأنه أصبح كائناً نادراً على وشك الانقراض وسط عالم مختلف. وحين بدأت إجراءات رحلة الموت، تمتم بعبارته الأخيرة وقد بدأ صبره ينفد، فكان آخر ما قاله: "هذه العملية تأخذ وقتاً طويلاً جداً".

والحقيقة، أنني لستُ من مؤيدي فعلة البروفيسور الراحل، ولا أدعو لحملة انتحار جماعية، لكني أقف متأملًا حال أمثال هؤلاء الذين لم تعد الحياة برمتها تعني لهم شيئاً بعد أن فقدوا كل عزيزِ وغالٍ، وبين آخرين ممن ضربوا بعرض الحائط كل علاقة غالية في حياتهم ولم يعطوا شيئاً.. وباعوها بأبخس الأثمان، في عنادٍ وأنانية مفرطة..

لكن الضوضاء تُنسينا أن أجمل ما في الحياة، تلك الزهور التي تُحيط بنا.. قلوب من حولنا.. عيونهم، ضحكاتهم.. ذكرياتنا معهم.. ورغم كل هذا نقسو، ونغضب ونهجر.. ونجحد.. وقصص لا تنتهي.

أحياناً، الكارثة أن نبقى وحيدين في صالة السفر مُودعين كل من كان بالجوار.. أن نقف على المحطة لنتأمل من رحلوا بلا عودة.. أحياناً، الكارثة الحقيقية أن تبقى ذاكرتنا أقوى مما ينبغي فيقتلنا الحنين لمن مرّوا من هنا..

أقصى الألم، أن نعيش في عالم لا نعرفه ولا يعرفنا.. وسط وجوه باردة مملة لم تشاركنا ذكرياتنا.. ابتساماتنا ودموعنا، أفراحنا وأحزاننا.. ذات يوم. الكارثة الكبرى أن نعيش أطول مما ينبغي، فنموت بسكين الغربة قبل داء العمر المُربك.

رحلتنا هذه، أليس من المعيب ألّا نعيشها حُبّاً مع من حولنا كل لحظة.

دمتم ودام الوطن بخير..

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND