آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



مجدي عمر الأسطى
مجدي عمر الأسطى
رئيس قسم المعلومات التنافسية و إدارة المعرفة في شركة "المدار..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

بعيداً عن التحليلات الكروية التفصيلية لمجريات المباريات وحول الربح والهزيمة في محاولة الإجابة عن: لماذا لم نرَ مباريات كروية تنافسية من الفرق العربية الأربعة المشاركة في مونديال كأس العالم لهذا العام 2018 والجارية مبارياتها حالياً في الملاعب الروسية؟ ولماذا خرجت كل تلك الفرق الأربعة من المنافسة باكراً ومن الأدوار الأولية؟.

وكحالة دراسية لهذا التساؤل سنضع في هذا المقال مقاربة تحليلية حول مفهوم التنافسية وإسقاطاتها في عالم كرة القدم والتي أراها دائماً كأفضل رياضة من الأمثلة لتعريف ماهية المنافسة وتقريب مفهوم التنافسية عبر لعبة كرة القدم الأكثر شعبية، ويمكنك كذلك محاكاة سباقات الجائزة الكبرى في حال أردت الفهم المعمق فهي الأخرى أتصورها من ثاني أفضل أمثلة المنافسات الرياضية لتعريف التنافسية والمنافسة التي نعمل بها كمتخصصين في عالم الأعمال، ذلك المفهوم التنافسي الذي يجب أن تدار به الفرق والأمور الكروية ليكون لدى فريقك الحق في الفوز، وفي أي مناسبة رياضية كبيرة ككأس العالم التي نشهدها هذه الأيام، والتي تنظم كل أربعة أعوام لتجمع الناس شعوباً وفرقاً من كل القارات ليتنافسوا، وليتعارفوا.

في كل موسم لها تأتي هذه المناسبة المثيرة بالكثير من الدروس والقيم، أبكت شعوباً وأفرحت أخرى، وما زالت تفعل في هذا الموسم أفاعيلها مع صيحات جماهير المشجعين في المدرجات، إلى جماهير الساحات، وبين ملايين المتابعين حول العالم من وراء الشاشات، بنتائج مختلفة في حصيلتها المدهشة والمعلمة، وخاصة ما ورد من صداها في منطقتنا، في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي التفت حول فرقها واحدة تلو الأخرى وحولها كلها، ثم تلقت الصدمات والضربات الاهتزازية مع كل ركلة كرة هزت شباك المنتخبات العربية، كزلزال يكشف النقاب عن ضعف الإرادة التنافسية، وضعف القدرات التنافسية في الفرق العربية المشاركة، رغم سنوات من الإعداد والاستعداد غابت عن المونديال القيمة المنتظرة، والتي ينتظرها الزبائن والمساهمون وأصحاب المصلحة والمعتبرون هنا في هذه المقاربة بكونهم جمهور المشجعين والمتابعين في المنطقة والقيمة الغائبة في هكذا منافسات كروية عالمية من جمهور المشجعين والمتابعين هي الفوز، أو بأقل تقدير الذهاب بعيداً في المنافسة.

وهنا سندرس السبيل لإسعاد الجماهير المتعطشة للنتائج الجيدة والفوز، وبأقل تقدير التمتع بالأداء الكروي الجميل في ظل انعدام القدرات التنافسية وعند ضعف الإرادة التنافسية، وما سنتناوله هذه السانحة هي بعض من الدروس المستفادة، في سرد نصوص هذا المقال قد تجد الفهم والمقاربة في محاكاة لمفهوم التنافسية. لا بد من سياق تراتبي هنا نتفهم فيه قبل ذي بدء تسلسل أولويات المسائل، وبدايتها رقي الأخلاق وسمو منظومة القيم، فهي جالبة وحافظة النعم، ولا شيء يبني رفاهية الشعوب والمجتمعات سوى إدارة جيدة لأهداف اقتصاد سديد، ويعرف الاقتصاد السديد بقوة تنافسيته عبر أساليب العمل المسؤول الرشيد، تلك هي رافعات الرفاهية الجالبة للسعادة، التي تسعد بها المجتمعات وكذلك جماهير المدرجات.

وهكذا هو الحال في عالم كرة القدم، والذي يبدو في شكل أصغر داخل المستطيل الأخضر، وعند محضر الحديث عن الدروس المستفادة في عالم الأعمال والاقتصاد وحتى في أبجديات الريادة، وحول دروس كرة مشاركات الفرق العربية في المنافسة الحالية في الملاعب الروسية، كانت أخفاقات مشاركات الفرق في جانب التنافسية بالجملة، وتشير بضعف جانبين مهمين، وهما ضعف الإرادة التنافسية وضعف القدرات التنافسية، فضلاً عن غياب القدرات في بعض المنتخبات.

وعند هذه البادئة لنبدأ من هنا المحاكاة حسب المقاربات التالية: حيث اتضح ضعف الإرادة التنافسية أولاً في انتهاج التكتيكات الدفاعية المتبعة والتي شكلت بديلاً سيئاً عن التوازن مع التكتيكات الهجومية على مرمى الفرق المنافسة ويقابلها في مفهوم التنافسية في عالم الأعمال عدم الاهتمام باستراتيجية الذهاب إلى السوق، وثاني عناصر ضعف الإرادة التنافسية تمثلت في خسارة معظم المباريات عند الدقائق الأخيرة من المباراة وفي البعض حتى وصولها إلى منتهاها، الأمر الناجم عن ضعف التركيز الذهني وضعف التكتيك الدفاعي ويقابلها في التنافسية عدم الاهتمام باستراتيجية التسعير والكلفة، والثمن، ومنها شكّل كلا العنصرين الضعف الأكيد في الإرادة التنافسية.

وعند محاكاة ضعف القدرات التنافسية للفرق العربية المشاركة كانت هناك نقاط الضعف التالية: أولها كثرة الإصابات البدنية وضعف الجاهزية البدنية لخوض المباريات بنفس طويل، والتي تحاكي في تنافسية الأعمال ضعف الاهتمام بإدارة تجربة المستخدم أو تجربة الزبون وبالتالي ضعف جودة المنتج والخدمة ومن يقدمونها. وكان الثاني قلة وانعدام اللاعبين الهدافين الذين يصنعون الفارق ويسجلون الأهداف في الخطوط الأمامية ويصنعون الفرص، والتي تحاكي في تنافسية عالم الأعمال في انعدام تواجد للقدرة والميزة التنافسية المتفردة التي تضمن فرص الفوز في المنافسة.

أما عن ثالث ضعف للقدرات ستجد ضعف خطوط الوسط وخطوط الدفاع في كل الفرق تلك الخطوط التي بإمكانها ترجيح الكفة وزيادة الضغط على مرمى المنافس وتعزز فرص الفوز والتي يقابلها في تنافسية الأعمال ضعف سلسلة القيمة كتطور لسلسلة التوريد والتزويد والتي تضمن الوصول المناسب باعتبار قوة سلسلسة القيمة قدرة تنافسية. ويأتي رابعاً ضعف السرعات في الهجومات الكروية المعاكسة المرتدة وحتى تلك الأساسية المحضر لها على مرمى الفرق المنافسة، ويقابلها في تنافسية الأعمال ضعف قدرات الاستجابة السريعة لتحركات المنافس والاستجابة لمستجدات المنافسة وفقاً لتحركات المنافس أو تأثيرات قوى السوق لمحاكاة ما ينتظره الزبون أو الجمهور.

وللتوسع في جوانب مفهوم التنافسية في عالم الأعمال يجدر هنا التذكير كذلك بقدرات الابتكار، وقدرات رأس المال الفكري، وقدرات جمع المعلومات والبيانات التنافسية وتحليلها، مع قدرات البحث والتطوير، فكلها مجتمعة تشكل حزمة متكاملة من القدرات الجديدة الكامنة التي يجب تمثيلها ومحاكاتها بشكل جيد في المشهد الكروي لتقف وراء إرادة وقدرات اللاعبين الرئيسيين مع المدرب، ومع لاعبي دكة البدلاء، ليحظى الفريق بقدرات تنافسية مهمة مع أهمية عدم تجاهل وجود الإرادة، فكلاهما معاً القدرات زائداً الإرادة هي من تضمن لأي فريق الحق في الفوز، وإن لم يكن لكسب الفوز العريض فستضفي بأقل تقدير إلى حصة في السوق في عالم الأعمال والتي تحاكي هنا احترام وولاء جمهور المشجعين في كرة القدم.

ومن خلال متابعة مجريات مباريات المونديال لهذا العام يمكنك استشراف وجود فرق قوية ذات التنافسية العالية حيث وجدت وطورت الميزة التنافسية لديها في مراحل مبكرة، وتم البناء عليها، وما يجري في العالم اليوم المليء بكثرة اللاعبين في عالم الأعمال والاقتصاد من شركات بقدرات تنافسية شرسة في كافة الأسواق العالمية يحتم على الفريق الطامح لإسعاد جمهوره ومحبيه ترقية الإرادة التنافسية وبناء وتطوير القدرات التنافسية، لإرضاء الزبائن أو الجماهير المتعطشة للفوز، وبأقل تقدير لتشعر الجماهير بروعة ما قدمته لها فرقها من إثارة كروية ممزوجة بحالة جماعية من إعلاء المشاعر الوطنية، وطموح جماهير المشجعين والمتابعين لرفعة نشيد وعلم بلادهم في أكبر مهرجان، يتقارب فيه سرد المحاكاة في عالم الأعمال مع حالة الاعتزاز بالمنتج الوطني والتنافسي الذي يعتز به مواطنوه حينما يذكر أو  يكتب عليه اسم بلد الصناعة أو بلد المنشأ.

ولنستمر معاً في هذه المحاكاة فستجد بأنه تمازجت في هذا المونديال حتى الآن المشاعر القومية مع حب المنافسة الجميلة، والمتسمة بالشفافية والتنافسية، الأمر الذي يجعل لاعب رأس حربة كنيمار في الصف الأمامي لمنتخب البرازيل، وهو أحد أغلى اللاعبين في العالم يلهج باكياً بنهاية مباراة فريقه مع فريق كوستاريكا، تحت طائلة مزيج الفرح والشد العصبي في سبيل بحثه عن إرضائه لجماهير بلاده المتأملة فيه بأداء تنافسي مرضي يحقق الفوز، كانت تلك العواطف البارزة بعد الفوز البرازيلي وتسجيل هذا اللاعب لهدف صناعة فارق الفوز في المباراة. وكما كانت الإرادة التنافسية القوية حاضرة في منتخب ألمانيا، والتي جسدتها تغير مجريات المنافسة حتى الدقائق الأخيرة على يد اللاعب كروس ليحرز بذلك صعوداً ثميناً لمنتخب بلاده ألمانيا إلى الدور الثاني بعد أن كان المنتخب الألماني على وشك الرحيل من المونديال ومغادرة المنافسة بنتيجة تعادله في تلك المبارة والتي تغيرت مجرياتها في اللحظات الأخيرة بإرادة قوية، فاز فيها الألمان على منتخب السويد عبر الإرادة والقدرة.

وشاهدنا كمتابعين ما تصنعه القدرات التنافسية من فارق بضمان تماسك سلسلة القيمة في التوريد والتزويد عندما صنع رونالدو الفوز لمنتخب بلاده باعتباره هو كقدرة تنافسية متميزة وحاضرة تمكن الفريق من الذهاب بعيداً باستراتيجية الذهاب إلى السوق في مفهوم التنافسية كما أسردنا، و كانت النتيجة هي الفوز لفريقه أمام منتخب أسبانيا المنافس الشرس، وأعاد رونالدو الكرة مرة أخرى وصنع الفارق بإحراز هدف التفوق والفوز لفريقه في مباراة البرتغال أمام منتخب المغرب، وهكذا فعلها منتخب سويسرا عندما عاد في الجولة الثانية لمباراته أمام صربيا وفاز الفريق فيها بالإرادة التنافسية أولاً، ثم القدرات التنافسية الجماعية ثانياً في سلسلة القيمة المتماسكة والمهيئة لمساندة القدرة، وهنا تمثلت القدرة في رأس الحربة وهو اللاعب السويسري شاكيري.

وتشكل مباراة الأرجنتين وكرواتيا درساً آخر متصلاً حول أهمية حضور الإرادة التنافسية مع القدرات التنافسية معاً فكلاهما له أهمية لا تنفصل، ولا يمكن ضمان الحق في الفوز في غياب أحدهما، في درس جديد بخسارة ثلاثية ثقيلة لمنتخب الأرجنتين العتيد، لمباراة ملحمية فازت بها كرواتيا رغم وجود القدرات التنافسية المهمة لدى منتخب الأرجتين، وأهمها تواجد أقوى اللاعبين في العالم اللاعب ليونيل ميسي، مهاجم نادي برشلونة الإسباني الغني، حينما تجسدت القدرات التنافسية البدنية بالتكامل مع الإرادة التنافسية في التركيز والصلابة الدفاعية الكرواتية بالانظباط التكتيكي ولآخر لحظة مع قدرات السرعات العالية والمرتدات السريعة لمنتخب كرواتيا كانت النتيجة بالفوز الثمين على منتخب الأرجنتين، المرشح كأحد المصنفين للفوز بكأس المونديال، إنها لعبة الاستعداد المبكر، وتجهيز الإرادة مع القدرات التنافسية ليكون الفريق حاضراً، وإن لم يفز الفريق في المنافسة فلن يخسر الجمهور.

من جماليات ذاك المهرجان الكروي الجامع الذي يجتمع لأجله الجميع، من لاعبين ومدربين وإداريين، وجمهور عريض في المدرجات وأمام الشاشات في معظم الأمم والبلاد، كلهم على قلب رجل واحد، برغبتهم الجامحة لأن يرفعوا أعلاماً لبلدانهم، فتلك هي الغاية ومنتهى الحكاية، وفقط من خلال عمل جميل ومنظم، في منافسة شيقة حول كرة القدم لأجل كأس العالم، المحفل الأكبر والأشهر، والذي لا يختلف عليه اثنين ويتابعه الملايين، حيث تلتقي الحضارات وتجرى المباريات، وفي كله وفي تفاصليه كمناسبة رياضية هو درس كبير، يستحق التحليل والتطوير، ولو لم يوجد للمجتمعات درساً جميلاً غيره في المنافسة الشريفة في عالم الأعمال وحتى في أمور الحياة، لكانت هذه المناسبة وحدها تكفيهم الحكمة، وتعلمهم معانٍ عميقة بإمكانهم البناء عليها في كيف تكون خدمة الأوطان وخدمة الجماهير والمجتمعات من خلال المنافسات، الخالية من الصدامات، ولو كانت المحاكاة فقط لهذا المشهد لكفى به كمشهد وحيد.

تلك هي المناسبة الرياضية الكاشفة، المثيرة، فيها الدورس والعبرة والحكمة، والروح الرياضية العالية، معانٍ في المنافسة والتنافسية وسمو القيم، وليفرح بعضهم بالفوز أو ليتقبلوا فوز وسبق منافسيهم عنهم، ولا ثأر بينهم، سوى أملهم بفوز جميل في جولات المنافسات القادمة، بأمنيات الحظ الأوفر لغيرهم في مناسبة أخرى شيقة، لا مكان فيها إلا للمنافسة عبر الإرادة والقدرات التنافسية.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND