الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

بقلم ستيف كاسنر

يدرك القليل من المسافرين أننا، في صناعة النقل الجوي، ندرب طيارينا باستخدام أجهزة المحاكاة حصراً. وعندما يقبِل طيار جديد على القيام برحلته الأولى في طيارة حقيقية يحمل معه المسافرين الذين يدفعون أجرة الرحلة في الخلف.

ولصنع جهاز المحاكاة، نقتطع مقدمة الطائرة ونضعها على منصة متحركة من نوع 6-degree-of-freedom hexapod، ونجهزها بشاشات لعرض تسجيلات مرئية ينظر إليها الطيار كبديل عما يراه من النافذة الأمامية. تشغل هذه الأجهزة مساحة تساوي نصف بناء، وتزن بضعة أطنان وليست رخيصة إطلاقاً. حيث يكلفنا جهاز محاكاة من المستوى د (Level D وهو الأعلى) حوالي 12 مليون دولار، بالإضافة إلى كلفة تشغيله. وعندما تصنع طائرة من طراز أحدث وتتوقف الشركات عن استخدام الطائرة القديمة تتبرع منشآت التدريب عادة بجهاز محاكاة الطائرة القديمة لمدرسة أو متحف أو ترميها مع المخلفات ببساطة.

لذلك، قد يبدو أنه يجب علينا الارتقاء إلى مستوى عالم الواقع الافتراضي، حيث يمكننا جعل الطيارين المتدربين يضعون أقنعتهم ويختارون أي طائرة نريدها من قائمة طويلة على الشاشة. ولكن قطاعنا متشبث بأجهزة المحاكاة القديمة لدينا لأننا لا نرى أن تقنياتنا متأخرة، بل نظن أن فهمنا للعالم المادي متقدم.

أنا متأكد أنك تعرف مكان كلّ شيء في مكتبك حتى لو كانت الفوضى تعمّه. وستجنّ إن تجرأ أحد على ترتيبه، أو الأسوأ: تنظيفه. فمساحة عملك ليست مجرد مساحة عمل، بل هي امتداد لدماغك، والكثير مما تعرفه مخزن فيها، وكذلك الأمر بالنسبة لمقصورة القيادة. يعتقد إيد هاتشنز، وهو طيار ومختص في علوم الإنسان الإدراكية في "جامعة كاليفورنيا" في ساندييغو، أنّ مقصورة الطيار تمثل فكرة المكتب تلك في أقصاها. لقد كتب هاتشنز عن الطرق المتعددة لاستخدام الطيارين لمحيطهم المادي لتخزين المعرفة، ويقول: "توجد في المقصورة جميع تلك المعارف المجسدة." إحدى الخدع المفضلة هي وضع فنجان قهوة بلاستيكي على جهاز الهبوط أو المقبض القلاب لتذكيرهم إن صُرّح لهم بالهبوط. كما أنّ كتابة أرقام على بطاقات الملاحظات أمر شائع أيضاً. فنحن نضع الأشياء حيث نستطيع إيجادها في حال دبت الفوضى وانفتحت أبواب الجحيم. عندما يملأ الدخان المقصورة أستطيع تحريك يدي على اللوحة الجانبية المألوفة وإيجاد قناع الأوكسجين والنظارات المخصصين لي دون الحاجة للنظر. وذاك المزلاج الذي يبقيهم في مكانهم هو صديق قديم مألوف. هيا، فلتحاكِ ذلك.

قد تعتقد أن الطيار هو لاعب منفرد يشغل آلات التحكم بغضب وهي تصارع العواصف الرعدية. في الحقيقة، معظم ما يحدث في مقصورة القيادة هو التخطيط والتواصل، ونقوم به معاً. ويمضي أفراد طاقم الطيران معظم وقته في التفاعل مع بعضهم ومع الطائرة، ولا يتم ذلك شفهياً فقط، فتعابير الوجه والحركات تشكل جزءاً كبيراً من اللعبة. يقول هاتشينز: "عندما أرى أنك تنظر إلى شاشة أعرف أن هناك أمر منطقي تريدني أن أقوله لك." عندما تُدخل أرقام ارتفاع جديد في جهاز القيادة الآلي، عندئذ تكون قد أخبرتني، أنا مساعد الطيار، أنك تريدني أن أتحقق مما أدخلته. وسأقوم بذلك عن طريق الإشارة بأصابعي باتجاه الارتفاع المنشود الذي أدخلته. وبذلك يتحقق عمل الفريق دون التفوه بأي كلمة. يتعلم الطيارون هذه التبادلات الصامتة في مقصوراتهم الضخمة المكلفة التي تم اقتطاعها من الطائرة. في حين لا يزال استخدام قناع الواقع الافتراضي من أجل محاكاة أشياء كالنظرات المتبادلة العابرة وتعابير الوجه الدقيقة أمراً مستقبلياً لم يتحقق بعد.

إن قدرة الطيار على الإدراك ليست بصريةً فحسب، وإن قمت بقيادة الطائرة ستكتشف أنك تملك عضواً للحاسة السادسة: مؤخرتك. فأنا لن أتمكن من معرفة ما إن كانت الطائرة تنحرف ببطء عن الارتفاع المحدد بواسطة عينيّ وأذنيّ، ولكن مؤخرتي تعلّمت عن طريق أجهزة المحاكاة وفي الطائرات الحقيقية أن توضّح لي ذلك بصورة قاطعة. فالدلالات التي تستقبلها المستقبلات الحسية الداخلية وأعضاء الحواس تلعب دوراً مهماً في تعلمنا وفي أدائنا اللاحق. وقد درس الباحثون مدى إعداد أجهزة المحاكاة الثابتة الطيارين لقيادة طائرات حقيقية مقارنة بأجهزة المحاكاة ذات القواعد المتحركة. وحتى اليوم لم تُقدم أدلة مقنعة على إمكانية استبدال المنصات ذات القواعد المتحركة، والتي تعتبر تحفة فنية، بمنصة واقع افتراضي بصورة آمنة.

ولذلك وحتى الآن، سنتمسك بمقصورات القيادة الضخمة المكلفة ذات نظام الحركة الكبير المكلف.

عندما تغلق باب إحدى مقصورات المحاكاة خاصتنا، تشعر أنك داخل مقصورة قيادة طائرة حقيقية، وحتى رائحتها مماثلة لرائحة مقصورة الطيارين الذين يشربون القهوة السيئة. وعندما تجلس وتدفع مقابض الدفع إلى الأمام وتشعر حاستك السادسة بالهدير، ستشعر بما قد يكون أهمّ شيء تقدمه لنا أجهزة المحاكاة، وهو الانسجام التامّ. وعندما ينحرف شيء ما في المقصورة، يتسرع النبض ويزداد التعرّق ولا يمكنك إلا أن تشعر أنّ حياتك على المحكّ. وبدأ الباحثون بتطوير مقاييس لمعرفة إلى أي مدى تستطيع واجهات الواقع الافتراضي أن تتملك قلوبنا وأذهاننا بهذه الطريقة. كتبت تايلر رينشا مقالاً فكاهياً عندما كانت في سنة تخرجها في جامعة إمبري ريدل للملاحة الجوية في فلوريدا، عرضت فيه نسخة عن تجريب الدوران لواجهات الواقع الافتراضي. حيث تنجح واجهة الواقع الافتراضي بالاختبار عندما لا يتمكن المستخدم من التمييز بين مقصورة المحاكاة والمقصورة الحقيقية. (ويقول لنا فلاسفة مثل نك بوستروم أن حياتنا التي نعيشها قد تكون كلها عبارة عن محاكاة.) أخبرتني رينشا أن مصممي الواقع الافتراضي يستخدمون الاستبيانات وحتى تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ من أجل قياس درجة انسجامنا مع أجهزة المحاكاة هذه. تقول: "تحاول أن تخدعهم ليصدقوا أن هناك عواقب حقيقية ولكنك تحتاج إلى معدات معقدة لمعرفة ما إن كان الشخص خائفاً فعلاً."

حالياً، أستخدم نسخة معدلة من اختبار الدوران تسمى اختبار "يا للهول". في معظم الأحيان، يضحك الطيارون عندما يحدث أمر غير اعتيادي في جهاز محاكاة منخفض الدقة. ولكن عندما يحدث أمر غير اعتيادي في جهاز محاكاة من المستوى د (Level D)، يصرخ الطيارون دائماً ويقولون "يا للهول".

أشارت رينشا إلى طريقة أخرى تقدم بها أجهزة المحاكاة الحالية جمهوراً منسجماً، إذ تقول: "عندما نستخدم خوذة الواقع الافتراضي، أول شيء نفعله عندما نشعر بالخوف هو انتزاعها عن رؤوسنا." لم أخف يوماً من قيادتي للطائرة، ولكنني كمعلم طيران شعرت بالخوف في بعض الأحيان من قيادة الآخرين، والخروج من الطائرة ليس خياراً عملياً في هذه الحالات.

وعندما يتعلق الأمر بالسلامة فنحن نضع ثقتنا، وثقتكم أيضاً، في أجهزة المحاكاة خاصتنا، ويجب علينا المتابعة بحكمة. خذ مني نصيحة: إذا فكرت بتحديث تقنيات التدريب لديك والحصول على التقنية الأحدث والأعظم، عليك أن تتعمق الآن في التمعن فيما تقدمه لك أدواتك وبيئتك الموجودة لديك.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND