آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

بقلم: إدواردو تاپيا*

 

الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء تعمل على تغيير الطريقة التي تحافظ بها شركات النقل على أصولها من وحدات متحركة وأنظمة نقل، ما يجلب منافع كبيرة للركاب والمستثمرين على حد سواء، وفق ما يقول إدواردو تاپيا، مدير التسويق ومنتجات الصيانة في "ألستوم".

ظلّ قطاع النقل يتطور ويتقدم بوتيرة ثابتة تقريباً منذ الثورة الصناعية، لكنه بدأ يتسارع خلال الحقبة الراهنة محققاً قفزات واسعة، إذ يعمل التقدّم الملموس في علوم الحاسوب وتحليل البيانات على إحداث التغيّر في الطريقة التي نتيح بها أنظمة النقل إتاحة كاملة ونضمن ديمومة تشغيلها، مع إحداث تحسينات دراماتيكية في مسائل السلامة وفعالية الأداء والتكاليف. وقد بات الآن بمقدور أجهزة الحوسبة في القطارات وفي أنظمة الإشارات والبنية التحتية الخاصة بالسكك الحديدية، إرسال البيانات واستقبالها عبر الإنترنت، وها هي "ألستوم"، بفضل ذلك، تحلّ في طليعة "إنترنت النقل".

ومن أجل تجنب انقطاع القطار عن الخدمة أو توقّف أي من العناصر الأخرى في منظومة النقل، كالإشارات أو غيرها من عناصر البنية التحتية، عن العمل، تعتمد شركات النقل نهجاً يقوم على الصيانة الوقائية. وبعبارة أخرى، فإن المعدات في منظومة النقل تخضع لصيانة دورية منتظمة لتقليل احتمال فشلها المفاجئ. إلاّ أن التحليلات المتقدمة للبيانات الواردة من منظومات النقل تلك أصبحت تقدِّم بديلاً يتيح لنا التنبؤ بدقة عندما تصل القطع والعناصر التي تتألف منها أنظمة التشغيل إلى نهاية أعمارها الافتراضية، وبالتالي جدولة أعمال الصيانة وفقاً لذلك.

لقد شرعت "ألستوم" في العام 1998 بالعمل في برنامج الصيانة المعتمدة على الحالة، وبعد ثماني سنوات، بدأت الشركة في نقل البيانات من القطارات إلى أنظمة العمليات الأرضية، وها هي اليوم تقود عجلات التطور في خدمات النقل باستخدام أدوات مثل حل الصيانة التنبؤية HealthHub، وحلّ TrainTracer لرصد سلامة القطارات لحظة بلحظة، وبوابة التشخيص الآلي TrainScanner، والحلّ TrackTracer الذي يراقب حالة المسارات والكوابل المعلقة.

إن نهج الصيانة هذا من شأنه أن يوفر الوقت والمال، لأن الأجزاء والمكوّنات يتم خدمتها فقط عند الضرورة. فعلى سبيل المثال، من المعروف لدى المختصين أنه يجب تغيير مرشحات (فلاتر) نظام التدفئة مرّة كل ثلاثة أشهر لتجنب خطر حدوث عُطل في النظام. بيْد أن الانتقال من نهج يعتمد على الجدولة الزمنية إلى نهج يعتمد على الحالة، يمكنه تمديد العمر المتبقي للمرشح بنسبة تصل إلى 90 بالمئة، أي لفترة كلية تصل إلى خمسة أشهر ونصف بدل ثلاثة أشهر، وذلك كله من دون تحمّل أية مخاطر غير مبررة.

لقد وجدنا أن هذه التقنية حيوية كذلك في رصد البنية التحتية، فعندما يفشل جهاز تحويل مسار السكة الحديدة في العمل، على سبيل المثال، يمكن أن يكون إصلاح المشكلة بسهولة تبديل مصباح معطل في حبل من مصابيح الزينة. وقد يحتوي امتداد لمسار سكة حديدية يبلغ طوله 5,000 كيلومتر على 100 جهاز من هذا النوع. وفي الماضي، كان على الفنيين أن يفحصوا كل واحد من هذه الأجهزة على حدة. ويتم الآن تجنّب إجراء هذه العملية المكلفة والمسببة للفوضى والتي تستلزم أيضاً إخراج القطارات من الخدمة، إذ أصبح بوسعنا تحديد الجهاز المعطَّل من بين جميع الأجهزة، بجانب تحديد وقت حدوث العطل وأسبابه.

بالقوة الكاملة

ثمّة ثلاثة عوامل سهّلت إحداث هذا التحول، أوّلها أن أجهزة الاستشعار أصبحت أصغر حجماً وأرخص تكلفة، لذلك يمكن استخدامها في المواقع التي كان من المستحيل سابقاً تركيبها فيها. ففي القطارات، يمكن لأجهزة الاستشعار مراقبة جميع أنواع العمليات الوظيفية، من الفلاتر وأقفال الأبواب إلى التدفئة والتهوية، وصولاً إلى مكونات الجرّ، هذا بخلاف أجهزة إصدار الإشارات وعناصر البنية التحتية الأخرى.

أما العامل الثاني فهو تحسّن قدرات الاتصال، إذ يمكن نقل البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار عبر الإنترنت بسرعات متزايدة. وأخيراً، فقد أصبحت أجهزة الحاسوب أكثر قوة، ما جعلها قادرة على تحليل المجموعات الهائلة من البيانات للكشف عن الأنماط والتوجهات والروابط.

إن تركيزنا في "ألستوم" ينصبّ على "البيانات الذكية" بدلاً من "البيانات الكبيرة"، مع إعطاء إيلاء الجودة الأهمية الأولى على حساب الكمية. فمع أنه يمكن من الناحية النظرية، مثلاً، تركيب أجهزة الاستشعار في جميع أنحاء القطار، فإن كمية المعلومات التي سيتم الحصول عليها عندئذٍ مكلفة ويستغرق تفسيرها وتحليلها وقتاً طويلاً. ولهذا تلجأ الشركة بدلاً من ذلك، إلى العقود الطويلة من الخبرة الهندسية الواسعة لتحديد المناطق الأكثر حاجة للرصد والمراقبة في القطار، وهذه تشمل المعدات التي عادة ما تتعرّض للتلف المتكرر نتيجة الاستخدام أو يتسبب عطلها في حدوث إرباك كبير.

إن جودة البيانات الخام أمر بالغ الأهمية، وهو ما دفع "ألستوم" إلى تطوير منصة الحلّ HealthHub، كبوابة مبتكرة تجمع النتائج المتعلقة بالمكونات الفردية، من المكابح والعجلات وحتى المراحيض. وتعمل ميزة خاصة بالنمذجة التشخيصية تُدعى Health Indicator (مؤشر السلامة) على تشخيص حالة كل جهاز والتنبؤ بكيفية حدوث التلف ومكانه والموعد المرجّح الذي سوف يكون الجهاز عنده بحاجة إلى الصيانة.

إلاّ أنّ هناك بعض العوامل الديناميكية التي لا تملك "ألستوم" التخطيط لها، كما تظل هناك دوماً عوامل خارجة عن سيطرة الشركة، ولكن عندما يعمل خبراء البيانات والمهندسون يداً بيد، يمكن أن تؤخذ في الاعتبار جميع التباينات الناجمة عن السياقات التي تعمل في إطارها منظومات النقل تلك، مثل المناخ القاسي في منطقة الشرق الأوسط.

إن الصيانة التنبؤية في أبسط مستوياتها تعني التوقع والتنبؤ بحدوث المشاكل. وقد درست "ألستوم" لسنوات عديدة الطرق التي تتدهور بها مكونات القطارات، لذا فنحن نعرف حق المعرفة تأثير كل مكون على التكلفة والموثوقية والإتاحة، ونضع خططنا وفقاً لذلك. ومع أن بعض المشاكل يمكن علاجه بسرعة، قد تكون مشاكل أخرى خطرة أو صعبة الحلّ. وإذا كان من الصعب الوصول إلى قطعة معينة من قطع المعدات لصيانتها، فإن بوسعنا وضع الترتيبات اللازمة كي نجلب موظفاً مختصاً ليُنجز هذا الأمر. وإذا كان يجب الحصول على قطعة غيار ما من طرف آخر، فيمكننا الحرص على تجديد مخزوننا من القطع في وقت مبكر بناء على نتائج البيانات، وتجنب التعطّل الناجم عن الاضطرار إلى إيقاف القطارات عن العمل إلى حين إتاحة قطعة الغيار المطلوبة.

هذا النهج في عمومه يرتكز على سلوك منظومة النقل، وهو ما يتيح الموثوقية فيه. إننا، ومن خلال الجمع بين فهمنا للعالمَين المادي والرقمي، قادرون على تمكين الشركات من تحقيق التوفير المادي ورفع مستويات الأمان والموثوقية، كي نصل إلى تحقيق الإمكانيات والأهداف التي تنطوي عليها إنترنت النقل.

 

*إدواردو تاپيا: مدير التسويق ومنتجات الصيانة في "ألستوم"

 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND