آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



مجدي عمر الأسطى
مجدي عمر الأسطى
رئيس قسم المعلومات التنافسية و إدارة المعرفة في شركة "المدار..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

"أطلقنا إدراك، لندرك ما فاتنا، والمستقبل الذي يليق بنا، وبحضارتنا وبرسالة بعثت إلينا بدأت بـ اقرأ"، كان هذا الاقتباس الملهم من كلمة الافتتاح التي أستهلت بها الملكة رانيا العبدالله تدشينها لأول منصة تعليمية للتعليم الإلكتروني المفتوح باللغة العربية منذ عامين تقريباً عبر "مؤسسة الملكة للتعليم والتنمية"، ومفاد هذا السرد في المقال ليس الإشارة لتلك المنصة الجديدة المبتكرة، إنما الملفت هو المعني في ذلك الاقتباس، حول مفهوم الإدراك حسب فهمي المتواضع والذي يدلك على مرحلة ما بعد الوعي، ذلك الوعي الذي ستجلبه لك قراءاتك النافعة، والإدارك يأتي ما قبل مرحلة عين اليقين، أو مرحلة التيقن الكامل من الشيء عبر المشاهدة أو التجربة.

ولكن السؤال حول هذا الاقتباس ليس في اختيار الملكة رانيا لهذا الاسم الدال والجميل لمنصتها التعليمية الرائعة تلك، فليس من الصعوبة بمكان ما رمت إليه السيدة الفاضلة بمأثرها كواحدة من أكثر السيدات نشاطاً على المستوى العالمي في الأعمال الإنسانية والعلمية وحتى الاقتصادية، بحضورها وجذورها الأصيلة القادمة من أرض النشامى وموطن النشميات. إنما السؤال الذي أريد به هنا قي المقال حول هل ما ترمي إليه فكرة الإدارك لما على المجتمعات والاقتصادات النامية في المنطقة إدراكه؟ وكيف؟ وهل وصلت درجة الوعي للإنسان العادي في المنطقة العربية بأهمية الوعي الاقتصادي.

لكي يدرك الطريق المؤدية للبناء والحضارة وبالتالي سيرى أثرها في الرفاه المجتمعي؟ والتصور السائد للإجابة المحتملة هو أن الوعي الاقتصادي للإنسان العادي في المنطقة ضئيل فما هو الحل؟ لن تكفي مبادرات تحفيز الاقتصاد وحدها، باعتبارها حلولاً نخبوية ويهتم بمتابعتها أصحاب الأعمال ومجاميع الرياديين، ولن تستطيع المؤسسات المحلية وحدها بالشراكات من رفع الأهمية بأهمية الاقتصاد وخاصة الاقتصاد الجزئي منه، ومن هنا يمكن الوقوف أولاً لتوضيح إحدى الكتل الحاجزة للوعي الموصل للإدراك بجميع مفاهيمه، وبعض نقرجات الحلول الجالبة للوعي الاقتصادي المنتظر.

وقد يأتي في مقدمة عقبات الوعي الاقتصادي، إنشغال الإنسان في المنطقة بمواضيع وأخبار السياسة، وكما تقول الحكمة الشعبية الأميركية القائلة "إذا أردت أن تنعم بحياة هادئة فابتعد عن السياسة"، ليس بدوافع الخشية باعتبار أن القانون هو السائد في البلاد الأميركية، ولكنه الابتعاد عن الجدل والصخب ومسببات النزاع، وكما يقول خبراء التنمية البشرية إن متابعة الأخبار والسياسة تستهلك الوقت، والصحة وحتى المال، ويفضلون بالأخبار وبمعلومات العلوم، والبيانات المعرفية المفيدة.

ويما أن الحضارة لم تكن يوماً محضاً للصدفة، أو بناء القدرات عملية قصيرة، كان في أوروبا بفضل الحقبة الصناعية بناء الاقتصادات الوطنية في دولها، وكان الهم الاقتصادي في تلك الحقبة الزمنية لبناء التطور وتوفير الرفاه الاجتماعي للإنسان الأوروبي، ولم تتمكن اليابان من بناء اقتصادها القوي إلا بعد أن وصل الوعي الاقتصادي للمواطن الياباني وعمل لساعات إضافية بتطوع لإدراك الحضارة، وبالفعل ها هو العالم يرى حضارة اليابان عين اليقين،

وإذا قال لك عالم اقتصاد أو سمعت أن الوعي الاقتصادي قد يصل للناس عبر الإعلام المتخصص والمتميز، عندها عليك أن تقر بذلك، فلا تكتفي فقط بمطالعة منصة " الاقتصادي.كوم " على الويب، والتي توفر لك خيارات الإبحار المبتكر مع المحتوى المفيد على الدوام، ولا تكتفي فقط بمشاركة مقالاتها لنشر الفائدة مع من يهمك، ومع زملائك، أو طلابك، أو عائلتك، إذ عليك متابعة البرامج الاقتصادية وفهم مفاتيح الدخول في الاقتصاد والاستثمار الذي يخلق الوظائف، ولعلك تطور من مداخيلك أو تتعلم الادخار والاستثمار، وتجد ضالتك في وسائل التواصل فهنالك الكثير مما هو جدير، وبالنظر في جديد " هارفارد بزنس ريفيو العربية " على سبيل المثال عروض جذابة لكل من ينشد المعرفة في المواضيع الاقتصادية ذات الصلة، وأخرى تهمك في حياتك وعملك، ولعلك تتابع دروس منصة " إدراك " التعليمية الإلكترونية ذاتها، أو شاهدت التوصيات المصورة التي تقدمها زينة صوفان للمبتدئين مثلاً، في موضوعات اقتصاد العائلة والاستثمار وأساليب الادخار.

وما يعنينا في هذا المقال ليس الغوص في معرفة عميقة لأسواق الأسهم والسندات، إنما هو كيف وأين ومتى يمكن لكل فرد أو مجموعة بناء الاقتصاد الذاتي والمساهمة في الاقتصاد الجزئي؟، وفي سياق آخر متصلٍ مع الجانب الأكاديمي لا يزال الارتباط هشاً بين مناهج التعليم وفرص العمل والريادة في المنطقة، وكلها أمور ملحة بحاجة لمراجعة، ولهذا يفترض أن يعزز الوعي الاقتصادي المجتمعي منذ البدايات في المدارس وفي الجامعات، وعلى الطلاب معرفة الموارد الطبيعية والقدرات التنافسية لاقتصادات بلادهم في أوقات مبكرة، وأين تكمن فرص الأستثمار ومكامن الابتكار والحل في المستقبل، وبمعرفة أساسيات الاقتصاد الجزئي والكلي في المعاهد والجامعات ما يطور من تلك الرؤية.

تبني مفهوم الاقتصاد الدائري بدوره سيساعد كثيراً مجتمعات المنطقة في الاستدامة وخلق فرص العمل وتحفيز التنمية، وبالمجمل فإن التفكير الاقتصادي والتحدي الاقتصادي والحل الابتكاري المصاحب له يجب أن يكون الشغل الشاغل والنمط الأساسي في الدراسة والفكر والعمل للإنسان في المنطقة، وبالطبع يجب أن يسبقه الوعي الأخلاقي، بالاقتصاد فإن حياة الناس ستنمو لإدراك العلم والعمل، وبالتالي سيكون لمجتمعات المنطقة الحق في رؤية الحضارة رأي العين، وعين اليقين.

إن الوعي الاقتصادي والأخلاقي كلاهما يدركان تلك المعاني في ذلك الاقتباس وكلماته العميقة، ولم تكن عموماً لإدراك أمور جانبية أو من باب الترويج للمنصة التعليمية، بل على المشاهد بأن يعي المشاهد المتصلة في معنى الإدراك بذاته كمعنى وكلمة، ثم يكون إدراكها بوعي تام يمكن استشرافه في توصيات ترتقي بعقول العارفين بالوعي وبعقول العارفات، بأهمية التركيز على الإيجابيات، واللحاق بما هو آتٍ، لبناء الاقتصادات في منطقة لها الكثير من مقومات إرساء الحضارت، اختارتها السماء لآخر الرسالات، وبدأت بكلمة "اقرأ"، فكم هو مطلوب ذلك الوعي الاقتصادي الذي سيبني الحضارة ويرفع الإنسان عبر قادم السنين، بوعي لإدراك عين اليقين.

 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND