الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: راشيل ويذرز

 

أعتقد أننا نستطيع تشبيهها بالسيارة. لا انتظر، ربما كان تشبيهها بالقطار أفضل. في الواقع، تخيل غرفة مليئة بصناديق ادخار شفافة. أو تخيل تفاحة بدلاً من ذلك، أو بطاقة الفيزا الخاصة بك، أو ما رأيك ببعض الأقراص الدائرية الكبيرة المنحوتة من الحجر الجيري؟

انتظر، عد إلى السيارة، ولتكن سيارتك:
"تخيل لو أنك تقود سيارتك وتجعلها تسير في وجهة غير محددة 24/7 لتحل لغز السودوكو بحيث يمكنك التجارة بالهيروين بعد ذلك".

مؤخراً قام أحد الأشخاص بتشبيه تقنية البلوكتشين برقصة، إذ يقول إنها "مجرد رقصة صغيرة غير متقنة يحتاج جهاز الكمبيوتر القيام بها لمحاكاة السمات البشرية العميقة".

وأصبحت هذه الأنماط من خلال التشبيهات التي يتم إطلاقها على العملة المشفرة شعبية وغير منطقية إلى حد كبير. وبينما يحاول المتبنون الأوائل لهذه العملة جعلها عملة سائدة، فقد حاولوا إيجاد طرق بسيطة لشرح التقنية المعقدة وصياغة هذه المفاهيم الصعبة. في النهاية، فإنّ التواصل هو الحل (محفظة الويب). ولكن في حين أنني أفضل التشبيه الأقرب إلى الواقع، فإنني أرى أن المحاولات المجازية لتفسير العملة المشفرة هي خارج هذا العالم. إذ توجد تشبيهات تناسب الأطفال في عمر الخامسة، وغيرها تناسب عمر السابعة، والعاشرة… كما أنّ هناك موقف يخاف جميع الآباء من التعرض إليه، وهو عندما يُطرح عليهم السؤال التالي "أبي، ما البلوكتشين؟"

أليست تسمية البلوكتشين "في الأصل" استعارة؟ رغم أنّ كتل المعاملات مرتبطة ببعضها بترتيب معين، إلا أنه لا توجد "سلسلة" أو "كتل" فعلية، وكان ذلك صحيحاً حتى أتى اليوم الذي قام أحدهم ببناء بلوكتشين بحرفيتها:

وقد حاول البعض إجراء مقارنات جريئة بوصف التقنية أنها "لا تستخدم التكنولوجيا" (مستندين إلى كونها علم ما وراء الطبيعة)، بينما يحاول الآخرون مقارنة الأوقات التي نعيشها بالأوقات التي مضت. وقد تمت مقارنة الهوس الحالي بالعملة المشفرة بالهوس السابق عندما ظهر الإنترنت وموقع يوتيوب، وبالرجوع إلى ما قبل ذلك، تمت مقارنتها بالثورة الصناعية، والانفجار الكامبري (وهو الظهور المفاجئ للمستحاثات اللافقارية)، وحمّى الذهب. ولكن بالنسبة إلى معارضي العملة المشفرة، فإنهم يعتبرونها تزويراً، ومخططاً احتيالياً، وتسويقاً هرمياً (ونموذجاً غير مستقر)، "إنها عملية احتيال ضخمة كما لم يشهد العالم من قبل"، وأيضاً الكازينو العالمي الأول. وقد تكررت بعض الاستعارات كثيراً لدرجة أنها أُدرجت في المعاجم فأول كلمة قد تخطر على بالك هي "التعدين"، ويتكرر بعضها الآخر كثيراً لدرجة أن تصبح مألوفة أيضاً. وجدير بالذكر، أنّ الاستعارة السيئة يمكن أن تضلل فهمنا لما يحدث بالفعل مثل "التعدين" أيضاً.

يقول جيمس غريملمان، وهو أستاذ في كلية كورنيل للتكنولوجيا وكلية كورنيل لدراسة القانون (والذي لديه مهمة لا يُحسد عليها، وهي تدريس أساسيات البلوكتشين لطلابه، محاميي المستقبل) إنّ المقارنات التي تُطلق لشرح العملات الرقمية المشفرة صعبة للغاية: "إحدى المشاكل هي أنّ هنالك الكثير منها، والتشبيه الصحيح لكل عملة يختلف قليلاً عن غيرها". إنّ الاستعارات التي تحاول إحاطة النظام بأكمله تتجه لأن تصبح غير منطقية شيئاً فشيئاً، وهذا أمر طبيعي لأنه لا يوجد شيء يشبه تماماً العملة الرقمية المشفرة لتقارنه به.

ويوافقه في الرأي آندرو ماينرد، وهو أستاذ في جامعة ولاية أريزونا (ASU)، إذ يقول إنه "لا يوجد تشبيه مناسب حقاً بتلك البساطة والكمال، كما هو الحال مع جميع الاستعارات. أعتقد أنه يمكنك استخدام الاستعارات بفاعلية لشرح "القليل" عن العملات المشفرة، ولكن عليك أن تكون حريصاً جداً وعدم أخذها لمكان أبعد من اللازم". (ملاحظة: جامعة ولاية أريزونا هي شريكة مع موقع سليت Slate ومركز أميركا الجديدة للفكر New America بمبادرة فيوتشر تنس Future Tense) قد يجعل التشبيه المختار بعناية الأمور أسهل للفهم، ولكن في المقابل فإن الاختيار غير المناسب سوف يحجب حقيقة المعنى، كما من شأنه أن يجعل الأمور أكثر إرباكاً.

غالباً، تتم مقارنة البتكوين بالذهب أو الذهب الرقمي، إذ هو نموذج ثابت للعملة الرقمية ويمثل وحدات "مادية" من الذهب يُحفظ بواسطة الجهة المصدرة. ويعتبر الذهب عملة عالمية مستقرة، لا يتأثر بالتوجهات السياسية، ولا بالتضخم، ولا بتخفيض قيمة العملة التي تلازم العملات التي تصدرها الدولة. كما يمكن حمله بسهولة، وهو قابل للتجزئة، ودائم، وقابل للاستبدال، أي يتمتع بجميع الأمور التي يبحث عنها الناس بعملة مثالية.

قيل إن عملة البتكوين هي ما يمثل الذهب الجديد، وهي عملة عالمية مستقلة. إنها شيء أشبعه الناس بقيمة عالية. وتلك العملة تشبه الذهب كون إصداراتها محدودة، ويبدو أنّ استعارة الذهب في اتساق مثالي مع "التعدين" (وهو تشبيه خاطئ كما سيتضح لاحقاً)، لكن الاستعارتين تعتبران بشكل أو بآخر غير مرتبطتين بالواقع.

تخيل أنك ساحر، لديك قوة سحرية على الذهب الذي تمتلكه، ومن خلال بعض الحركات السحرية بيدك وهاتفك المحمول، يمكنك تقسيم أي قطعة أو سبيكة ذهبية إلى قطع صغيرة عشوائية، ثم إعادة تجميعها مرة أخرى إلى أجزاء أكبر. إنّ قواك السحرية تلك تسمح لك بإجراء العملية نفسها وبنفس القدر من السهولة على كمية صغيرة جداً من غبار الذهب وعلى كتل ضخمة من الذهب قد يبلغ وزنها 10,000 كغ (طالما أنك تمتلك ذلك الذهب). تخيل الآن أنه يمكنك نقل أي مقدار من الذهب الخاص بك (باستخدام قواك السحرية) عبر الإنترنت إلى أي ساحر آخر على هذا الكوكب.

لجعل الأمر أقل غموضاً وكما أشار ستار شو الرئيس التنفيذي لبورصة العملات المشفرة أوكي كوين (OkCoin) خلال مؤتمر البتكوين لعام 2015، فإنّ عملة البتكوين" أفضل من حيث القابلية للتحويل وللتجزئة، وأفضل من حيث الاستمرارية وإمكانية الاستبدال من ابن عمها المعدن الثمين" وذلك بحسب ما اختزله كيل توربي على منصة إنسايد بتكوين. إنّ تداول الذهب الرقمي يشبه إلى حد كبير تداول سندات الدين أكثر من تشبيهه بتداول ملكية الأصول المادية، ولكن عندما تتعامل مع البتكوين، فإنك تنقل ملكية الأصل نفسه. وبينما من الواضح أنّ الذهب نفسه ثابت للغاية، إلا أنه يجب الحفاظ عليه في مكان ما، في حين يمكن حفظ البتكوين "على جهاز الكمبيوتر أو على قطعة من الورق أو حتى في ذاكرتك، باستخدام عبارة مرور مكونة من اثنتي عشرة كلمة". ويذهب "شو" إلى أبعد من ذلك بقوله إنّ البتكوين هو "الذهب المثالي".

لكن هذا التشبيه يُقلق ماينرد إذ يقول: الذهب هو شيء موجود بالفعل في باطن الأرض، أما العملات الرقمية المشفرة فإنها ليست كذلك. ويضيف: "الأمر الآخر، هو أنّ الذهب له قيمة ثابتة نسبياً، لأننا كمجتمع وعبر القرون اتخذنا قرارنا بأن نعطيه تلك القيمة. ونحن لا نملك نفس القيمة المعيارية مع العملات الرقمية المشفرة كما مع الذهب، مما يجعلها غير مستقرة على الإطلاق مقارنة بالذهب.

أبصال التوليب والفقاعات

إحدى أكثر التشبيهات شعبية لأولئك الذين يشككون في قدرة البتكوين على الصمود هي "أبصال التوليب"، في إشارة إلى هوس التوليب الذي اجتاح الدنمارك في أوائل القرن السابع عشر. في الحقيقة، يمكن للمرء أن يقارن البتكوين بأي أصل مشبع بالقيمة المضاربة، لكن مقارنة العملات "بالتوليب" هو أمر مرفوض تماماً جداً.

إنّ هوس التوليب (tulpenmanie) هو إحدى فقاعات المضاربة الأولى التي سجلها التاريخ، وقد أصبح المسمى مرافقاً لأكثر الانحرافات في أسعار الأصول عن قيمتها الفعلية إثارة للسخرية. فعلى مدى أربع سنوات، أدت المضاربات إلى تضخم شديد في أسعار أبصال التوليب، وقد بلغت ذروتها في فبراير (شباط) من العام 1637، وذلك عندما كانت بصلة التوليب الواحدة يمكن أن تُباع بمقدار 10 أضعاف الدخل السنوي لحرفي ماهر قبل أن يهبط سعرها ​​بشكل كبير إلى الصفر تقريباً. ويعتبر رؤساء المصارف هم الأسرع في مقارنة الضجيج الذي يحيط بالعملات الرقمية المشفرة حالياً بهوس التوليب سابقاً، فقد وظّف كل من الرئيس السابق للمصرف المركزي الهولندي والرئيس التنفيذي لمصرف جي بي مورغان "JPMORGAN" الاستثماري هذا التشبيه كإنذار بأنّ قيمة البتكوين يمكن أن تهبط في أي لحظة وكتذكير بحماقة الفقاعات السابقة. وفي الواقع، قال الرئيس السابق للمصرف المركزي الهولندي (DCB) إن هوس البتكوين هو "أسوأ" من هوس التوليب: "على الأقل حصل الناس في ذلك الوقت على التوليب.

يُعد التوليب مثالاً ملموساً على استعارة البالون أو الفقاعات، والتي تُستخدم في الغالب لوصف جنون العملة المشفرة (رغم أننا إذا نظرنا إلى الجانب التقني حول تلك التشبيهات، فإنّ البالونات تكون أكثر منطقية من الفقاعات، تلك التي لا تكبر قبل أن تنفجر). إنّ المقارنات أيضاً تذكرنا بفقاعة الإنترنت (في الفترة التي امتدت بين عامي 1995 و2000) وفقاعة الإسكان (وهي أسعار العقارات التي يغذيها الطلب والمضاربة والندرة)، بالإضافة إلى فقاعة بحر الجنوب في إنجلترا في العام 1720، عندما كانت الأسهم "والتي اعتبرت سرية، هي من أجل القيام بمهمة ذات فائدة كبيرة ولكن لا أحد يعرف ماهيتها" قد ارتفعت ارتفاعاً جنونياً. وإذا لم يكن التشبيه مفيداً في شيء، فإنّ التشبيهات التي تطلق على البتكوين سوف تعطي التاريخ درساً عظيماً.

يقول مات ميهالي، رائد الأعمال والمستثمر بالعملات المشفرة في منشور له على منصة ميديام (Medium) ​​عام 2017 إنّ تشبيه التوليب هو تشبيه سيئ للغاية:

هل البتكوين أفضل من التوليب؟ بالطبع نعم. لا يمكن حتى إجراء أي مقارنة منطقية بينهما. كان لا بد أن تنفجر فقاعة أبصال التوليب لأنها عبارة عن مخزن سيئ للقيمة. لا يمكن تجزئة أي شيء له عمر محدود، أو تبادله على الإطلاق، أو التعرف على خصائصه القيمة (تباين الألوان الفريدة لأزهار التوليب)، وليس له سجل تاريخي لأي شيء يقترب من القيمة الثابتة. لذا، فمن غير الممكن أن يحتفظ ذلك الشيء بنوع القيمة التي من شأنها أن تسمح لأحدهم بشراء منزل ببصلة توليب واحدة على سبيل المثال.

وكما يوضح غريملمان، لا الذهب ولا أبصال التوليب تعتبر استعارات موضوعية جيدة لأنّ كليهما مشحونتان بشكل كبير بواسطة الناس، ويقول "يعتبر الذهب جذاباً بالنسبة للناس الذين يرغبون في تعزيز البتكوين، لأنّ الناس بشكل تقليدي قد أعطوا قيمة للذهب… والتوليب هو إشارة إلى جنون التوليب، والذي يعتبر مجرد مضاربة. المغزى من الاستعارتين هو نفسه: يُعتبر البتكوين ذا قيمة لأنّ الناس يتوقعون أن يكون قيّماً وتلك الصورة النمطية هي ما تدعم القيمة".

لكن ماينرد، الذي يدرس إدارة المخاطر، يُعتبر من أشد المعجبين باستعارة التوليب والفقاعة. "أعتقد أنّ هذا في الواقع أسلوب مفيد جداً لجعل الناس يفكرون بشكل نقدي حول العملات الرقمية المشفرة.. إنها طريقة جيدة لرفع الرايات الحمراء على التقلبات التي تحدث". ومع ذلك، يضيف: لا أعلم ما إذا كان الآخرون يفسرونها بطريقة مختلفة، وهنا تكمن دائماً الصعوبة بما يتعلق بالاستعارات.

أقراص الحجر الجيري، العملة الحجرية لجزيرة ميكرونيزيا ما قبل العصر الحديث

لقد رأى علماء الآثار (المهتمون بالعملة المشفرة) أنّ هذه العملة الحجرية البدائية هي سلف للبتكوين والبلوكتشين، ويوضحون أنّ سجل ملكية تلك العملة الحجرية اللامركزية يشبه سجل العملة المشفرة. وقد ذُكر هذا التشبيه بمجلتي فوربس وساينس نيوز وموقعي كوين تيليغراف وبتكوين دوت كوم ومدونة المؤلف والمبرمج يفغني بريكمان وغيرها من المصادر.

وقد استخدمت جزيرة ياب – ميكرونيزيا عملة تُعرف باسم "الحجر الجيري" للتداول على مر التاريخ وهي أقراص كبيرة من الحجر الجيري يصل وزنها إلى 4 أطنان وتحتاج إلى أوتاد خشبية والعديد من الأشخاص لنقلها (إذ إنها ليست بالأصل سهلة التداول). ولتجنب نقل الحجارة في كل مرة تجري فيها صفقة، فقد  اعتمد سكان الجزيرة باعتماد نقل شفهي للملكية، حيث إن كل قروي يتتبع كل عملية نقل للملكية، وبالتالي يكون على علم مَن الشخص الذي يمتلك كل حجر. وهو أمر قد أُشير إليه كمثال قديم على دفتر الأستاذ الموزع، أو البلوكتشين. كما يشيرون أيضاً إلى ندرة الحجر الجيري، والصعوبة والحظ اللذين ينطويان على "تعدينهما" (إذ عادة ما كانوا يضطرون للإبحار إلى جزيرة أخرى) مثل البتكوين.

أم لا؟ يقول غريملمان: "لا، لا، العكس تماماً هو الصحيح". إنّ عُملتي الحجر الجيري والبتكوين قد طورهما المجتمع، ولكن "ما أبعد من ذلك، إنه أسوأ تشبيه يمكن أن أفكر به، لأنه النقيض المعاكس تماماً ما بين الأشياء المادية الكبيرة جداً والعملة الافتراضية الخالصة على أجهزة الكمبيوتر".

يقول ماينرد الذي لم يسمع بتشبيه الحجر الجيري من قبل "إنّ هذا يجلب الغموض، وسؤالي الأول هو: أين يختلف ذلك عن أي شكل آخر من أشكال العملة البدائية؟ في رأيي، وبكثير من البساطة، إذا عدنا لأساسيات مفهوم المال، نجد أنّ ذلك المفهوم في الأساس يحدد قيمة لشيء يمكنك استخدامه في التجارة. ولكن هناك سؤال يطرِح دائماً حول من الذي حدد هذه القيمة، ومن أين تأتي هذه القيمة، وحول ما إذا كانت مدفوعة بقوى السوق أو مدفوعة بالندرة أو أي شيء آخر".

التعدين وعمال المناجم

التعدين هو المصطلح الذي يشير إلى ما تقوم به أجهزة الكمبيوتر من أجل خلق بتكوين جديد. ولن يكون هناك سوى 21 مليون بتكوين، وحتى الآن، تم "تعدين" أكثر من 17 مليون بتكوين. إذاً، من أين يأتي البتكوين؟ في كل 10 دقائق تقريباً يتم إضافة "كتلة" جديدة من المعاملات إلى البلوكتشين ومعها مقدار محدد مسبقاً من البتكوين الذي تم إنشاؤه، ومن أجل أن يقوم شخص آخر بإضافة الكتلة التالية، تتنافس أجهزة الكمبيوتر حول العالم (باستخدام قوة معالجة كبيرة) لحل لغز معقد، ويتم مكافأة الفائز بنقود جديدة. تُعرف عملية حل الألغاز التي تقوم بها أجهزة الكمبيوتر باسم "التعدين"، ويُطلق على المعدّنين اسم "عمال المناجم".

"إنّ نسج البتكوين تعتبر استعارة أفضل من تعدين البتكوين"، يقول ديفيد أوربان في توضيحه لمدى خطأ التشبيهات، بحجة أنّ استعارة التعدين هي في الواقع سيئة إذا أردنا فهم البتكوين

إنّ التصوّرات المبنية على أنّ العملة الرقمية المشفرة هي عملات ذهبية لامعة، والتي تَرجع بنا إلى التصوّرات القديمة لماهية طبيعة عملة البتكوين، وكيف ينبغي التعامل معها: الأنانية لدى عمال المناجم، وحمى الذهب، حيث المعدن الذي هو أساسي في بعض العمليات الصناعية، أو في الإلكترونيات، قد أصبح محكوماً بتقييمات ساخرة. هذه التشبيهات وغيرها لا تنطبق على البتكوين وإن كانت كذلك فهي ضعيفة جداً، لكننا رغم ذلك نحمِلها معنا مع قوة الكلمات التي تقبلناها.

يفضل أوربان، كما هو واضح استخدام كلمة نسج: إذ يأخذ النساجون الخيوط المتداخلة ومن خلال أنشطتهم المعتمدة على الخبرة والقيمة المضافة، يخلقون نسيجاً قوياً، وهو بالضبط ما تفعله شبكة أجهزة الكمبيوتر الموزعة على مستوى العالم والتي تخلق بتكوين البلوكتشين.

ويشير غريملمان إلى أنّ مصطلح التعدين أصبح راسخاً إلى درجة أنّ الناس لا يلاحظون أنه مجرد استعارة، بل أصبح معنى ملتصقاً به. لكنه يفضل بدلاً من ذلك شرح نشاط حوسبة البلوكتشين لطلابه في كلية دراسة القانون، باستخدام تشبيه ورقة اليانصيب: إذ يتنافس الجميع للعثور على رقم الفوز العشوائي الذي سيفتح الكتلة التالية، لكنه عبارة عن رقم عشوائي والذي يلعب الحظ دوراً فيه من أجل أن تعثر عليه أولاً، "إنه تشبيه أفضل بكثير من التعدين". كما يشير إلى أنّ التعدين هي كلمة ربما ظهرت عن طريق اللعب عبر الإنترنت. "إنها استعارة لوصف القيام ببعض المهام المتكررة المملة للحصول في المقابل على مكافأة".

لكن استعارة التعدين لها مزاياها، وفقاً لماينرد، إذ يقول: أنا أحب ذلك بالفعل، إذ إنك ترى أشخاصاً يبذلون الكثير من الجهد لخلق شيء، وهو مماثل جداً لما يقوم به عمال المناجم الذين يبذلون الكثير من الجهد لاستخراج شيء وإعطائه القيمة"، طالما أننا لا نفكر في العملة نفسها على أنها مثل الذهب، كما ذكرنا أعلاه. ويحذر أستاذ إدارة المخاطر مرة أخرى، إنه تشبيه محدود للغاية ولوجه واحد فقط من آلية عمل العملات الرقمية المشفرة.

سلسلة من الخزائن أو صناديق ادخار شفافة

مع تجاهل حقيقة أنّ محفظة الويب، "الموقع" الرقمي الذي يقوم الناس من خلاله "بتخزين العملات" الخاصة بهم، هي بالفعل استعارة، حاول الناس توضيح هذه الآلية أكثر وذلك باستخدام تشبيهات مثل صناديق إيداع زجاجية، أو خزائن شفافة، أو خزائن مصنوعة من الزجاج المضاد للرصاص، أو ما أفضله شخصياً "صناديق ادخار مصنوعة من البلاستيك الشفاف": وهي مثل غرفة يمكن لأي شخص الوصول إليها، والتي تحتوي على كاميرات مراقبة يمكن لأي شخص رؤيتها، وكل ثانية من المشاهد المسجلة متوفرة على الإنترنت إلى الأبد.

وتمتلئ الغرفة بصناديق ادخار متينة مصنوعة من البلاستيك الشفاف. وبالطبع، فإنّ هذه الصناديق لها فتحات لإدخال العملة، ويمكن للجميع رؤية العملات الموجودة في كل صندوق، والتي لا يمكن إخراجها من الغرفة على الإطلاق، كما لكل شخص مفتاح يمكّنه من فتح صندوقه الخاص، لنفترض مثلاً أنني أريد شراء زوج من الجوارب، وأنت تريد بيعه.

أولاً، سوف تخبرني أي صندوق يعود إليك. ثم، سأدخل بدوري إلى الغرفة مرتدياً قناعاً، ويمكن لأي شخص في العالم رؤيتي عبر كاميرات المراقبة، ولكن باستثناء وجهي.

بعد ذلك، سوف أفتح صندوق الادخار الخاص بي وأُخرج منه بعض النقود وأضعها داخل صندوق ادخارك المغلق وأخرج من الغرفة.

الآن، كل شخص في العالم يعلم أنه يوجد في صندوق ادخارك نقوداً والتي كانت سابقاً داخل صندوق الادخار الخاص بي. وهكذا تسير كل معاملة بحيث يعلم الجميع تاريخ كل عملة.

أما بالنسبة للمتعاملين الكبار، فقد أصبحت صناديق الادخار هذه مجرد خزائن زجاجية مملة مع فتحة صغيرة في الأعلى. ولكنه تشبيه مفيد لوصف ما يحدث عندما يفقد أحدهم مفتاحه الخاص، إذ يبقى المال عالقاً داخل الخزنة، ويتعذر الوصول إليه إلى الأبد. كما يضيف التشبيه الآمن، "إذا كنت لا تثق بأنك تتمكن من المحافظة على مفتاحك، أو كنت خائفاً من أن يسرقه منك أحد، فيمكنك الاستعانة بإحدى الشركات مثل إم تي غوكس (Mt Gox) أو ويب ووليت (Mr. Web-wallet) لتحفظه لك. سوف تسمح لك المنصة باختيار كلمة سر، وسوف تفتح الخزنة لك في حال زودتها بتلك الكلمة"، أو أنها سوف تختلس أموالك وتكلفك الملايين.

يعترض ماينرد على تشبيه الخزنة، ويقول: أجد أنّ التشبيه أقل تعقيداً. لكنه أيضاً، لا يوضح لك شيء حول مَن يدفع مقابل الخزائن. وبينما يشير التشبيه إلى أنّ عملية نقل النقود ما بين الخزائن مجانية، إلا أنّ معاملات البتكوين قائمة على دفع الرسوم، وهي غير ثابتة في ذلك. في الوقت نفسه، تُعتبر محافظ الأجهزة هي النوع الأكثر أماناً لحفظ البتكوين من حيث التكلفة.

ويعتقد غريملمان أيضاً أنّ التشبيه محدود نوعاً ما، لأنّ ميزة الشفافية تنطبق فقط على بعض العملات الرقمية المشفرة، والبتكوين من ضمنها. لكن هناك العديد من العملات الأخرى التي تكون معاملاتها مخفية.

حساب مصرفي أو بطاقة ائتمان

يقارن الناس أيضاً تقنية البلوكتشين بالحساب المصرفي أو ببطاقة الائتمان، إذ إنّ المال لا يعد أكثر من حسابات رقمية والتي يمكنك نقلها، فأنت لا تملك رزمة من النقود بل "رقماً".

يعتقد ماينرد أنّ تشبيه بطاقة الائتمان، على الرغم من أنه غير مكتمل، إلا أنه يغطي صفة مهمة من العملة المشفرة والتي غالباً ما يتم تجاهلها عند مقارنتها بأمور عدة مثل الرسوم، "أمر غالباً ما يتم تجاوزه، خاصة عند الحديث عن البلوكتشين بشكل عام، أي أنّ هناك دائماً طرف ثالث يحصل على قيمة من تلك المعاملات، سواء كان عمال المناجم أو أي طرف آخر. لذا، فإنّ تشبيه بطاقة الائتمان، طالما أنك لا تذهب به بعيداً، هو مفيد حقاً في إدراك أنّ هنالك تكلفة للمعاملات، ففي كل مرة تقوم فيها بإجراء معاملة، هنالك شخص ما يستفيد من ذلك".

وكما يقول أحد المناقشين على موقع ريديت:

أنت تستخدم بطاقة الفيزا الخاصة بك، وهذه البطاقة تصادق على المعاملة، وبالتالي تحصل على المال. وبما يتعلق بالبتكوين، فإنك ترسل واحدة، ويقوم عامل منجم بالمصادقة على المعاملة، وبالتالي تكافئ البلوكتشين عامل المنجم على ذلك.

ويمكنني أن أستمر بذكر التشبيهات الكثيرة التي وصفت العملات الرقمية المشفرة. إنّ بحثاً سريعاً على جوجل يكشف عن وجود مقارنات لا نهاية لها. مثلاً: إنّ العملة الرقمية المشفرة هي من أجل التبادل، كما البريد الإلكتروني هو من أجل المراسلة. البتكوين مثل العملات المعدنية؟ إنه يشبه "الكوبونات التي يمكنك إنفاقها في أي متجر". البتكوين مثل التفاح الرقمي. البلوكتشين تشبه لعبة كرة القدم، في حين إن الكتل تشبه قصاصات الورق المجعدة. البلوكتشين تشبه مطعماً نباتياً يقرر تغيير قائمة مأكولاته. محافظ الويب هي مثل المصارف.

لكن، الاستعارة الفيروسية: السيارة والسودوكو تقوم بعمل مناسب في الجمع بين غرابة عملية تعدين البتكوين (السيارة التي تسير من غير وجهة محددة هي جهاز الكمبيوتر الخاص بك، السودوكو هي المشكلة المعقدة التي تتسابق مع الآخرين في حلها، والهيروين هو… الهيروين) وعبثية عالم العملات المشفرة الجديد، حيث يمكن فيه خلق "قيمة" حقيقية من فراغ؛ على ما يبدو.

وكما يرى كل من ماينرد وجريملمان يذكرانني، أنه لا يوجد أي تشبيه يُعتبر مثالياً للعملة المشفرة، ولا حتى السيارة والسودوكو والهيروين. إذ بمجرد محاولة تطبيق أي تشبيه على البلوكتشين، فإنّ نقاط الضعف تظهر مباشرة. والأكثر من ذلك، فإنّ الاستعارات لا معنى لها على الإطلاق، ما لم يكن لديك فهم تقريبي بما يتعلق بالعملة الرقمية المشفرة التي يحاولون شرحها. ولكن بعد أن شرحت العملية التي تتنافس عن طريقها أجهزة الكمبيوتر للحصول على البتكوين، هل نحتاج حقاً إلى السودوكو أو السيارة؟

يعتبر هذا المجال الجديد معقداً بما فيه الكفاية، لكن الاستعارات الكثيرة تجعله أكثر تعقيداً. وإنّ الأخصائيين ليسوا الأفضل دائماً في شرح الأمور، ولكن من المهم العثور على لغة واضحة لشرح ما يحدث إذا كان الناس سينخرطون في هذا. دعونا في النهاية نحسن الظن ونتجاوز العقبات، على الرغم من أنه في هذه المرحلة، من الممكن أن يبقى تشبيه التعدين قائماً وراسخاً جداً لدرجة أنه من المستحيل اختراقه.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND