آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

لن تعرف نفسك وقوة علاقاتك أبداً حتى يتم اختبارك بمحنة



الاقتصادي – خاص:

 

الفشل الذي منيت به الروائية البريطانية جي كي رولنج في مراحل حياتها الأولى، أصبح أرضاً صلبة وقفت عليها في مراحل أخرى لتحصد جائزة "وسام الشرف البريطاني"، ومنه اندفعت لتطلق طاقتها في عالم الكتابة، فاحتلت فيما بعد مكانها بين أشهر كتاب سيناريوهات الأفلام على مستوى العالم.

صاحبة سلسلة روايات هاري بوتر كما أصبحت تعرف، باعت نحو 400 مليون نسخة ورقية من السلسة، ولم تترجم فشلها فقط لنجاح، وإنما إلى خطابٍ تحفيزي قدمته على منبر "جامعة هارفارد" عام 2008، والخطاب:

لقد أرهقت عقلي وقلبي بالتفكير بما يتوجب عليّ قوله لكم في هذا اليوم وسألت نفسي عما كنت أتمنى معرفته أثناء تخرجي وما الدروس المهمة التي تعلمتها خلال 21 سنة بين ذاك اليوم وهذا اليوم، وأخيراً وجدت نفسي أمام أمرين: أولأ التحدث معكم عن فوائد الفشل، وثانياً اجتذاب اهتمامكم بالخيال.

وإذا عدت واحداً وعشرين عاماً إلى الوراء ستكون التجربة غير مريحة قليلاً بالنسبة لشخص يبلغ من العمر اثنين وأربعين عاماً، ففي منتصف العمر كنت أبني توازناً غير مستقر ما بين الطموح الذي أحضره لنفسي وما كان يتوقعه مني أقرب الناس إلي. كنت مقتنعةً تماماً بأن الشيء الوحيد الذي أردت القيام به هو كتابة الروايات، مع أن والديَّ ينحدران من بيئة فقيرة ولم يتعلم أي منهما في الجامعة لذا كان رأيي بالنسبة لهما أمراً لا يراهن عليه ولا يؤمن معاشاً تقاعدياً.

كان والداي يأملان أن أحصل على شهادة مهنية وكنت أرغب في دراسة الأدب الإنجليزي، بعدها توصلت إلى أنه لا يوجد ما يرضي الطرفين، أنا من جهة وأهلي من جهة أخرى، فقررت دراسة اللغات الحديثة. أود أن أوضح أنني لا ألوم والديّ على وجهة نظرهما. لا أستطيع انتقاد والديّ، على أمل أنني لن أعاني من الفقر عبر جهودي الذاتية، والتخلص من الفقر أمر يمكن أن أفتخر به، لكن ما كنت أخشاه وأنا بعمركم هو الفشل وليس الفقر.

وعندما كنت في سنكم كنت أفتقر للحماس في الجامعة، حيث قضيت وقتاً طويلاً بكتابة القصص في المقاهي، ولم أكن أترك سوى القليل من الوقت للمحاضرات. لست مملة بما يكفي لأفترض أنكم موهوبون وأنتم في سن صغيرة ولم تعرفوا أبداً المشقة أو الأسى، ولا أفترض للحظة أن الجميع هنا يتمتعون بامتيازات ورضا لا ينضب.

ومع ذلك فإن التخرج من "جامعة هارفارد" يشير إلى أنك لست على مواجهة مع الفشل. قد تكون مدفوعاً بالخوف من الفشل بقدر الرغبة في النجاح. وفي نهاية المطاف يتعين علينا جميعاً أن نحدد لأنفسنا ما الذي يقود للفشل، لذا أعتقد أنه من الإنصاف القول إنني وبعد مرور سبع سنوات فقط من يوم تخرجي، قد فشلت على نطاق واسع، دخلت بعلاقة زواج قصيرة وكنت عاطلة عن العمل، ووالداي يعيشان معي بلا مأوى آخر فشعرت أنني عبارة عن أكبر اخفاق.

الآن لن أقف هنا وأخبركم أن الفشل ممتع، فقد كانت تلك الفترة من حياتي مظلمة، ولم يكن لدي أي فكرة عن مدى امتداد النفق، ولمدة طويلة كان أي ضوء في نهاية الطريق أملاً وليس حقيقة. لماذا أتحدث عن فوائد الفشل؟ ببساطة لأن الفشل يعني تجريدك من كل الأمور غير الأساسية، فأنا بعد كل ما حصل لي توقفت عن التظاهر بأنني كنت أي شيء آخر غير ما كنت عليه، وبدأت في توجيه كل طاقتي إلى إنهاء العمل الوحيد الذي يهمني. فلو نجحت حقاً في أي شيء آخر، ربما لم أجد أبداً التصميم على النجاح في الساحة الواحدة التي اعتقدت أنني أنتمي إليها حقاً وهي الكتابة.

الفشل أطلق سراحي، لأن أكبر خوف كنت أخشاه تحقق ولم يبقَ شيء أكثر ليحدث، سيما أنني لازلت على قيد الحياة، وما زال لدي ابنة أعشقها وكان لدي آلة كاتبة قديمة وفكرة كبيرة. وهكذا أصبح الحضيض الأساس الصلب الذي انطلق منه لأبني حياتي. قد لا تفشل أبداً في المقياس الذي عشته أنا، لكن بعض الفشل في الحياة أمرلا مفر منه. من المستحيل العيش دون الفشل في شيء ما، إلا إذا كنت تعيش بحذر شديد لدرجة أنك قد لا تعيش على الإطلاق وفي هذه الحالة فإنك تفشل بشكل افتراضي.

لقد علمني الفشل أشياءً كثيرة عن نفسي ما كنت لأتعلمها بأي طريقة أخرى فاكتشفت أن لدي إرادة قوية وأنني أكثر انضباطاً مما كنت أظن، كما اكتشفت أن لدي أصدقاء قيمتهم لا تقدر بثمن. لن تعرف نفسك وقوة علاقاتك أبداً، حتى يتم اختبارك بمحنة. وهذه المعرفة بمثابة هبة حقيقية، على الرغم من أنك تكسبها بشكل مؤلم لكن يكفي أن تعرف أنك أصبحت أكثر حكمة وأقوى من كل النكسات وأصبحت مؤمناً بقدرتك على الحياة.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND