آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

إذا كنت مثالياً سيساء فهمك



الاقتصادي – خاص:

 

انسحب مؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرج من "جامعة هارفارد" في 2004، ليطور مشروعه الذي ولد داخل أسوار الجامعة، وعلى إثره حصد الشهرة والمال والألقاب، كلقب "رجل العام" في "مجلة تايم"  الأميركية عام 2010، كما صنف بين أكثر الشخصيات تأثيراً في عصر المعلومات.

وبعد انقضاء 13 عاماً على انسحاب مارك من مقاعد "جامعة هارفارد" عاد في 2017 ليقف على منبرها ويكلل بشهادة تخرج فخرية. وافتتح مؤسس "فيسبوك" كلامه يومها قائلاً: "يشرفني أن أكون معكم اليوم لأنكم وبكل صراحة قد أنجزتم ما لم أستطع قط إنجازه، ولو أتممت هذه الخطبة، فسوف يكون هذا أول عمل لي أنهيه فعلياً في هارفارد".

لكن ابن الـ 34 عاماً، تمكن من تغيير وجه التواصل في العالم وهو ابن 21 عاماً، وعلى منبر "جامعة هارفارد" استرجع مارك تجربته في خطاب يحفز الجيل الجديد على أن يكون ذي غاية في هذا الوجود ويبتكر ما يغير العالم، والنص:

لست هنا لإعطائكم محاضرة معيارية حول إيجاد هدفكم في الحياة، وبدلاً من ذلك سأخبركم أنَّ إيجاد غايتكم في الحياة ليس أمراً كافياً، فالتحدي الذي يواجهه هذا الجيل، أن يخلق عالماً يكون فيه كل الناس من أصحاب الأهداف.

والغاية هي هذا الشعور بأننا جزء من شيء أكبر من ذواتنا وأنَّ ثمة حاجة إلينا، وأنَّ هناك شيئاً أفضل نسعى للعمل على تحقيقه، وهذا الشعور هو ما يخلق السعادة الحقيقية.

واليوم أنتم تتخرجون بوقت شديد الأهمية، فعندما تخرج آباؤنا كان الواحد منهم يستمد إحساسه بغايته من وظيفته أو كنيسته أو مجتمعه، لكنَّ التكنولوجيا تقضي اليوم على العديد من الوظائف، كما أن الانتماء إلى مجموعة ما، آخذ في التناقص وأصبح الناس يشعرون أكثر بالانفصال والاكتئاب ويحاولون ملء هذا الفراغ.

فمثلاً خلال رحلاتي حول العالم قابلت أطفالاً في سجون الأحداث ومدمني أفيون، أخبروني أنَّ حياتهم كانت من الممكن أن تأخذ منحىً مختلفاً لو كان لديهم ما يفعلونه، مثل برنامج بعد فترة الدراسة أو مكان يذهبون إليه، وقابلت عمال مصانع يعرفون أنَّ وظائفهم القديمة لن تعود، ويحاولون العثور على مكان لأنفسهم.

ولو أردنا أن تمضي مجتمعاتنا قدماً، فنحن أمام تحدٍ جيليّ لا يقتصر على مجرد خلق وظائف جديدة، وإنما خلق إحساس متجدد بالغاية. إنني أتذكر الليلة التي أطلقت فيها "فيسبوك" من مسكني الصغير بكيركلاند هاوس. ذهبت إلى إحدى الشركات مع صديقي كي إكس وأخبرتهم عن شعوري بالحماسة لتحقيق التواصل بين الطلبة في "جامعة هارفارد"، لكن كنت مدركاً بأن أحدهم سوف يجعل العالم بأسره متصلاً ببعضه.

وفي حقيقة الأمر، لم يخطر ببالي قط أنَّ "أحدهم" هذا قد يكون نحن. كنا حينها مجرد طلاب جامعة ولم نكن نعرف أي شيء عن الأمور المتعلقة بكيفية جعل العالم كله على اتصال ببعضه، إذ كان هناك العديد من شركات التكنولوجيا ذات الموارد الكبيرة وكنت أفترض أنَّ واحدة من هذه الشركات سوف تقوم بهذا الأمر. لكنَّ الفكرة بالنسبة لنا كانت شديدة الوضوح وهي: أنَّ كل الناس يريدون التواصل، لذا واصلنا المضي قدماً يوماً بعد يوم.

أعرف أنَّ الكثيرين منكم سوف تكون لهم قصصهم الخاصة مثل قصتي هذه، قصص حول إحداث تغيير في العالم وأنتم متأكدين أنَّ شخصاً ما سوف يقوم به ولم يفعل، لكن ليس كافياً أن تكون لديكم غاية ما، ينبغي أن تخلقوا نوعاً من الإحساس بهذه الغاية لدى الآخرين.

ودعوني أخبركم سراً: إنَّ الأفكار لا تخرج للعالم مكتملة النمو، فهي لا تنضج إلا عند العمل على تنفيذها وكل ما عليك فعله أن تبدأ. لو كان عليَّ أن أفهم كل شيء عن وصل الناس ببعضهم البعض قبل البدء، فما كنت لأطلق "فيسبوك" أبداً، ويمنع هذا الأمر الناس الذين لديهم بذور أفكار جيدة من البدء في تنفيذ أفكارهم.

من الجيد أن تكون مثالياً، لكن كن مستعداً لأن يساء فهمك فكل من يعمل على رؤية كبيرة سوف يدعى مجنوناً، حتى لو أثبتت الأيام صحة رؤيته. وكل من يعمل على حل مشكلة معقدة سوف يلام لعدم كمال فهمه للتحدي، حتى لو كان من المحال أن تعرف كل شيء مقدماً وبالتأكيد كل من يأخذ زمام المبادرة سوف ينتقد لسرعة تحركه، لأنه سوف يكون هناك دائماً من يريد إبطاء حركتك.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND