إعلام

آخر مقالات إعلام

أصبحت الرؤية الحاسوبية الخيط الرفيع الذي يربط بين كبريات شركات إسرائيل التكنولوجية وأكثرها قيمة



الاقتصادي- خاص:

ترجمة بتصرف عن الفايننشال تايمز

نشأ عوفير شلام، الشريك المؤسس لـ "شركة تارانيس"، وهي شركة إسرائيلية تكنولوجية ناشئة، في مزرعة، وكان معتاداً على الاستيقاظ باكراً للبحث ضمن المحاصيل الزراعية عن حشرات اليسروع، وغيرها من آفات المحاصيل الزراعية.

وعقب انضمامه إلى الجيش، وإلحاقه بمكتب رئيس الوزراء، كيّف مهاراته تلك لتحليل آلاف صور المراقبة والرصد بحثاً عن الحالات الشاذة ومتناهية الصغر فيها.

يقول شلام: "صحيح أنّ المكان صغير، لكن ليس من الصعب العثور على شخص مهتم بالزراعة، والتقنية، وعمل على هذا الأمر من قبل، ربما في الجيش، أو ربما في شركة ناشئة أخرى".

وتُعد إسرائيل الأولى في مجال الرؤية الحاسوبية التي تدخل في صناعات عدة كالسيارات ذاتية القيادة، وتهيمن الشركات الناشئة التي يؤسسها جنود سابقون على هذا القطاع.

وفي غضون السنوات القليلة الماضية، وصلت الرؤية الحاسوبية (Computer Vision) إلى مرحلة النضج، حيث استطاعت تغطية تطبيقات في عشرات الصناعات والقطاعات التي تشترك بشيء واحد، وهو الحاجة إلى حواسيب قادرة على تحليل ما تراه كاميراتها.

أحد كبار المدراء التنفيذيين في "تارانيس" يدعى أميهاي غورنيك، طوّر خبراته ضمن مجال الصناعات الفضائية وتصميم الأجزاء الخاصة بالتصوير في الطائرات العسكرية دون طيّار، حيث استطاع ابتكار طريقة لجعل كاميرا سريعة الحركة يظنّ بأنها ساكنة من خلال وضعها داخل حجيرة صممها بنفسه ووضع فيها جهاز جيروسكوب (بوصلة كهربائية) ما يساعد على إلغاء الاهتزازات ويسفر عن غشاوة أقل في الصورة.

ويقوم فريق العمل في "تارانيس" بإدخال هذه الحجيرات في طائرات من طراز "سيسنا"، ويطيّرونها على ارتفاع 100 قدم، ثم يركزون العدسة لمراقبة آلاف الفدادين من الأراضي الزراعية بسرعة 200 كم في الساعة، ويلتقطون الصور بأي كاميرا متاحة، إذ يمكن للبرمجيات ضمن تلك السرعة أن تلتقط أدق تفاصيل الآفات الزراعية أو العلامات على وجود مرض ما، كما بوسع الطائرات رسم خارطة بآلاف الفدادين خلال الوقت القصير الذي تستغرقه الطائرات دون طيّار أثناء تحليقها، وكلّما اتسع النطاق، زاد عدد الحشرات الملتقطة.

إنّ تضافر التجارب والطرق التي طُبقت خلالها هذه التجارب يجعلها حقيقة فعلية، ويجعل من إسرائيل رائدة في واحدة من أكثر التكنولوجيات المتقدمة وعداً في العالم وهي الرؤية الحاسوبية.

وأصبحت الرؤية الحاسوبية هي الخيط الرفيع الذي يربط بين كبريات شركات إسرائيل التكنولوجية وأكثرها قيمة، إذ تستخدم الرؤية الحاسوبية ضمن طيف واسع من الصناعات والقطاعات المدنية، إذ تشمل شركات في الزراعة والطب والرياضة والسيارات الذاتية القيادة والألماس، بل وحتى التسوق.

وتستعمل "شركة موبايل آي" مجموعة كاميرات رخيصة لمراقبة حركة المرور حول نماذج للسيارات الذاتية القيادة ومن ثمّ توجيهها عبر حركة المرور.

وفي عام 2017، دفعت "شركة إنتل" ما يقارب 15.3 مليار دولار للاستحواذ على التكنولوجيا، خصوصاً في ظل ضخ المليارات من قبل شركات صناعة السيارات في بناء السيارات ذاتية القيادة.

واستفاد هذا القطاع المربح من تجمّع المهندسين وروّاد الأعمال الحاصلين على التدريب لأداء تلك المهمّة بالضبط في مجموعة عسكرية غير معروفة على نطاق واسع وهي الوحدة 9900، حيث تعاملوا مع الخوارزميات الحاسوبية وعدلوها لاستيعاب ملايين صور الرصد والمراقبة بهدف غربلة المعلومات الاستخباراتية التي يمكن التصرف بناء عليها.

يقول الرئيس التنفيذي لـ"شركة آور كرواد" جون ميدفيد (وهي شركة استثمارية مقرها القدس، تصل قيمتها إلى 750 مليون دولار وتقوم على مبدأ حشد التمويل): "هناك الكثير من المجالات التي نعتبر أقوياء فيها، لكنّنا الأكثر براعة في الرؤية الحاسوبية، وهذا هو الشيء الذي يصعب تقليده ولا وجود له إلا في إسرائيل، على الرغم من الجيوب التكنولوجية الجيدة في الولايات المتحدة الأميركية واليابان والصين"، وقد ساهم ميدفيد في ضخ الملايين ضمن الشركات الناشئة المتخصصة بالرؤية الحاسوبية.

دور الوحدة 9900

تعتمد "شركة زيبرا ميديكال"، المدعومة بتمويل من صناديق رأس المال المغامر بقيمة 50 مليون دولار على الذكاء الاصطناعي لمسح ملايين صور أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (المرنان) وغيرها من الصور من أنحاء العالم لتوجيه أطباء الأشعة وتمكينهم من العثور على أبسط علامات المرض.

ويعكف المهندسون في "شركة إف دي إن إي" المتخصّصة بالتشخيص الطبّي، على العثور على طريقة لمعرفة كيف يمكن لصورة وجه شخص أن تكشف عن اضطرابات وراثية نادرة.

وتحاول "شركة كورتيكا" الحاصلة على تمويل يقارب 70 مليون دولار، تقليد الطريقة التي يرى بها الدماغ البشري العالم في مسعى منها لتعليم الحاسوب كيف يفهم بيئته.

وبحسب "المركز الوطني للشركات الناشئة"، الذي يدعم الاستثمار في التكنولوجيا الإسرائيلية، اجتذبت الشركات الإسرائيلية الناشئة العاملة في الرؤية الحاسوبية أكثر من مليار دولار على شكل تمويل تأسيسي (seed funding)، ورأسمال مغامر خلال السنوات الثلاث الماضية، نصفه خلال هذا العام فقط، وهذه زيادة عن مبلغ الـ 56 مليون دولار في 2015.

إنّ ما يدعم هذه الظاهرة ويطورها، هو ظهور الجيل الجديد من الكاميرات ولاسيما كاميرات الهواتف الذكية، بالضبط في الوقت الذي باتت فيه قوة الحوسبة الهائلة المطلوبة لمعالجة ملايين الصور أرخص ثمناً.

ويشير الاسم الكامل للوحدة 9900 وهو "وكالة تحليل التضاريس ورسم الخرائط الدقيقة والجمع والتحليل البصريين" إلى الكيفية التي كوّنت بها كتلة حرجة من المهندسين الذين لا غنى عنهم لمستقبل هذا القطاع، ولم تسمح هذه الوحدة السرية إلا في الآونة الأخير بمناقشة عملها، ولكن بما أنها سرّحت ما يقدّر بـ 25 ألف شخص، فإنها كوّنت كادراً كبيراً من أصحاب المواهب ممّن استقطبهم قطاع التقانة.

وتتمثل المهمة الأساسية للوحدة 9900 باستخلاص المعلومات الاستخباراتية من الصور، التي توفّرها الطائرات دون طيار والأقمار الاصطناعية الإسرائيلية، ومع تدفق كم هائل من البيانات، توصلت الوحدة إلى حلول تشمل توظيف الإسرائيليين الواقعين على طيف التوحد بسبب قدراتهم التحليلية والبصرية.

تقول شير أغاسي، التي خدمت في الوحدة 9900 لأكثر من 7 سنوات، وتساعد الآن في إدارة جمعية تضم ألفاً من مسرحي الوحدة: "تعلّمت هذه الوحدة  في السنوات الماضية كيف تؤتمت الجزء الأعظم من العملية الاستخباراتية، وعلّمت الخوارزميات كيف تكتشف التفاصيل الدقيقة المختلفة والتفاوتات الطفيفة في التضاريس وكيف تحرّكت الأهداف وتصرّفت".

وتضيف: "كنّا مضطرين إلى التقاط كل هذه الصور، وكل هذه البراهين الجغرافية المكانية وتفصيلها، لمعرفة ما الذي نراه، وماذا وراءه، وكيف سيؤثر ذلك على قراراتنا الاستخبارية؟".

تفسّر أغاسي الأمر: "أنت تطرح على نفسك السؤال التالي: لو كنت مكان العدو فأين سأختبئ؟ أي هي المباني الطويلة، وأين هو عنصر المفاجأة؟ هل بوسعك أن تقود السيّارة إلى هناك، وماذا سيكون تأثير الطقس على التحليل؟".

كانت الرؤية الحاسوبية أمراً أساسياً في إنجاز المهمة الاستخباراتية، كما تقول أغاسي، فتعليم الحواسيب البحث عن التفاوتات سمح للوحدة بإجراء مسح سريع لآلاف الكيلومترات من الأراضي في الخلفية للعثور على معطيات استخباراتية يمكن التصرّف بناء عليها.

وتضيف أغاسي: "يجب عليك العثور على طرق ليس فقط لتزيد من كفاءة عملك، وإنما أيضاً للعثور على أشياء لا يمكن للعين العادية التقاطها".

"فهم الواقع"

عمل إيران شير على توجيه الصواريخ البالستية التي تسير بعدة أضعاف سرعة الصوت عندما كان في الجيش، وكان شير وزملاؤه يستعملون الرادارات وأفلام الفيديو والخرائط العالية الدقة لرسم نموذج مكرر دقيق عن محيط عمل الصاروخ، أما الآن، فهو يساعد في رسم خارطة لملايين الأميال من الطرقات في أنحاء العالم من خلال عمله مع شركة في شركة "نيكسار"، التي تحلل بيانات الحركة المرورية والاصطدام من الهواتف الذكية للسائقين.

وتتبع كاميرا الهاتف الموضوعة على تابلوه السيارة الأمامي، حركة المرور من حولها وتحذّر السائق من المخاطر بينما تصوّر فيلم فيديو عن الرحلة لأغراض التأمين، إضافة إلى تحذيرات المدن من الحفر أو التقاطعات المرورية الخطرة، وبما أنّ جميع الهواتف تتشارك بالبيانات، وهذا يساعد في رسم خارطة أكثر تفصيلاً.

يقول شير: "كانت المنظومة التقنية الإسرائيلية تتعامل مع فهم الواقع بأشكاله المختلفة لفترة طويلة باستعمال الرؤية والليزر ومستشعرات الحركة، أما الآن فقد باتت تتعامل مع المشاكل الحقيقية للعالم – الصحة والزراعة والنقل – وباتت المنظومة التقنية في موضع مثالي يسمح لها بأداء تلك المهمة".

واستفادت نيكسار من المسرحين من الجيش الإسرائيلي، فقد كانت بحاجة إلى فيزيائيين للمطابقة بين المستشعرات الموضوعة على الهواتف المختلفة في أنحاء العالم، وإلى مهندسين سبق لهم العمل مع الصواريخ وممّن كانوا قد صنعوا خوذاً للطيّارين الحربيين.

يقول شير: "هذا هو نوع العمل الذي لا تقبل فيه بالجودة العادية، بل يجب عليك أن تقترب أكثر من الكمال".

يمنح هذا النوع من المواهب المعقدة إسرائيل الوسيلة التي تسمح لها بالمنافسة مع الولايات المتحدة والصين، ويعطي الفرصة للشركات المتخصصة بالازدهار، وقد تلقّى هذا القطاع دفعة قوية من خلال المعارف التي وفّرها المهاجرون الروس الذين وفدوا إلى إسرائيل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي.

يقول آفيف زئيف بالاسيناو من هيئة الابتكار الإسرائيلية، وهي الذراع الحكومي الذي يدرس أوضاع الشركات الناشئة ويستثمر فيها: "شملت بعض المعارف التي جلبوها معهم وضع خوارزميات حاسوبية وهندسة الآلات، وهما حقلان لم يكن أي أحد في إسرائيل قد سمع بهما".

ويضيف: "هذا الأمر أطلق العنان للموجات الأولى من استعمال الرؤية الكمبيوترية في الجيش الإسرائيلي".

واحتاج هذا القطاع إلى سنوات كي ينضج كما يوضح الشريك المؤسس لشركة "تريغو" دانييل غاباي، التي تعمل على أتمتة عملية دفع الحساب قبل الخروج من متاجر البقالة، ويقول: "لم تكن تميز الحواسيب بين القطة والكلب قبل فترة غير بعيدة. أما الآن، فإنّ الرؤية الحاسوبية تستطيع أن تأمر السيارة بالانحراف عندما يظهر طفل على الطريق، أو كما في حالة تريغو، تستطيع تمييز كيس مقرمشات من نوع دوريتوز عن أي كيس من المقرمشات الأخرى".

يسابق أحد العسكريين الذين عملوا سابقاً في وحدة عسكرية نخبوية ويدعى غابي شركة أمازون للوصول إلى التكنولوجيا المثالية لمتجر خال من أمين للصندوق، حيث يساعد رمز معقد عدداً صغيراً من الكاميرات في تحديد طبيعة المواد الموجودة في سلال المتسوقين، وتقاضي المال منهم تلقائياً. ويخضع هذا النظام للتجريب في بضع مئات من المتاجر في إسرائيل.

التفوّق على الآخرين

يقول غابي: "كان جميع المهندسين العاملين في تريغو قد اختيروا بعناية من الوحدات العسكرية النخبوية"، ومع ذلك وعلى الرغم من تنامي شهرة الشركات الإسرائيلية، يقول روني كوهين، الذي يدير "فايا فيجن" إنه "يجب على الشركات الإسرائيلية أن تبقي تركيزها على أكثر ما تبرع فيه وتجيده".

وتراهن شركته على أنّ استعمال البرمجيات الأفضل سيسمح للسيارات الذاتية القيادة برسم خارطة بالبيئة المحيطة بها بعدد أقل من الكاميرات أو الرادارات الأرخص ثمناً.

ويقول كوهين واصفاً كيف رفض عرضاً لتطوير نظامه لصالح المركبات في مخازن "أمازون": "من الصعب جدّاً أن أفعل ذلك بمفردي، لذلك لن أصنع سيارة، أو حتى أقول للسيارة إلى أين تذهب. كل ما احتاجه هو بناء أفضل نموذج بيئي للسيارات".

ومنح تطوير قواعد بيانات هائلة – من الصور المقربة لحشرات الحقول إلى مسوحات الصور الطبية إلى البيانات المرورية – الشركات الإسرائيلية ميزة قيمة تمثّلت في التفوّق على المنافسين، كما أسهم ذلك في خلق الفرص في قطاعات غير متوقعة.

شركة "فيزيماكس" الناشئة التي يديرها رام شيليف، تستعمل بنك الكاميرات لتحليل الوضعيات التي يتّخذها الرياضيون ومن ثمّ تقترح تغييرات على تمارينهم وتقنياتهم الرياضية الروتينية المعتادة، وقد استعان بخدماتها كل من الجيش الأميركي، وفريق إنديانا بيسرز لكرة القدم الأميركية للمحترفين، وفريق فلامنغو البرازيلي لكرة القدم.

يقول شيليف: "الرؤية الحاسوبية هي الخيط الذي يجمعنا بالشركات الإسرائيلية الأخرى"، ويضيف: "أنا بحاجة إلى أناس يمتلكون الجينات الفريدة ذاتها، من حملة الدكتوراه الأذكياء في الرياضيات وتحليل الشبكات العصبية، لكي يخبروا لاعباً في دوري كرة السلة الأميركية للمحترفين NBA، كيف يحسّن قفزته وهو يسدّد الكرة في الشبكة".

مجمّع الرصد والمراقبة: الخبرة العسكرية تخلق صناعة دفاعية أيضاً

تشمل الخبرات الإسرائيلية الآخذة بالتطور في مجال الرؤى الحاسوبية، شركات تعمل ضمن العديد من أنشط الصناعات الديناميكية الحديثة، لكنّ هذا التجمّع الهائل من المهندسين الذين خضعوا للتدريب في الجيش أجج أيضاً الأنشطة الأقل سلمية، ولاسيما نشاط القطاع الخاص الواسع في مجال الرصد والمراقبة والمبيعات الدفاعية، حيث تبيع بعض الشركات التي تضم بين صفوف موظفيها متقاعدين من الوحدات الاستخباراتية مثل (8200) و(9900) بعضاً من أعقد برمجيات الرصد والمراقبة إلى جميع أنواع الدول..

ومن أحدث هذه البرمجيات، رصد ومراقبة خاصة بالهواتف الذكية تسمى بيغاسوس (Pegasus) والتي بسببها وجّهت سهام النقد إلى "مجموعة إن إس أو"، حيث استعملت لاختراق الهواتف المحمولة بحسب مختبر المواطن (Citizen Lab) في "جامعة تورنتو".

وتقول الشركة أنّها لا تبيع هذه البرمجيات إلا إلى الحكومات بهدف استعمالها في الحيلولة دون وقوع الجرائم والإرهاب، وبأنّ مبيعاتها تحظى بموافقة الحكومة الإسرائيلية، ولكن بما أنّ هذه التكنولوجيات قد طوّرت لأهداف استخباراتية حربية، فإنّ ذلك جعل الصادرات الدفاعية الإسرائيلية تحظى بسهام النقد الدولي.

وقد وصلت الصادرات الدفاعية لاسرائيل إلى 9 مليارات دولار في 2017، بزيادة تصل إلى 40% على خلفية صفقة بيع الصواريخ إلى الهند بقيمة 2.5 مليار دولار.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND