آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



ناصر عبدالمهيمن عبدالعزيز
ناصر عبدالمهيمن عبدالعزيز
خبير اقتصادي. حاصل على ماجستير في المحاسبة عام 2008 من "ج..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

لصندوق النقد الدولي دور أساسي في توفير القروض لأعضائه الذين يواجهون مشكلات تمويلية قائمة أو محتملة، فعلى عكس بنوك التنمية، لا يقدم الصندوق قروضاً لتمويل مشروعات محددة، إلا أن هناك حزمة من التوصيات يأتي بها الصندوق تعد بمثابة تكاليف الحصول على ما يوفره من مساعدات، فتوفير مساعدات الصندوق يتم بمقتضى إتفاق إقراض غالباً ما يأتي بسياسات وتدابير اقتصادية محددة لا بد وأن يوافق البلد المتلقي للمساعدات على تنفيذها، وللبلد المتلقي حق التشاور مع الصندوق لجعل هذه السياسات والتدابير أكثر موائمة لبيئته الخاصة.

ونظراً لاحتياج البلد المتلقي لمساعدات الصندوق، يعتبر التوقيع على اتفاق الإقراض بمثابة بشارة خير وبداية للخروج مما يحيط بهذا البلد من مشكلات مالية، فالصندوق يسعى لتخفيف الحمولة عن كاهل الحكومات المقترضة من خلال محورين أساسيين، يتمثل أولهما في توفير الأموال أو الدولارات أو المساعدات، والآخر يتمثل في حزمة السياسات والتدابير التي تستهدف خروج البلد من المأزق الحالي أو المرتقب، إلا أن هذه المساعي قد لا يطيق المجتمع تحملها، فعلى الرغم من أن ما يضعه الصندوق من اشتراطات قد يبدو أمراً طبيعياً مثله في ذلك مثل أي بنك يمنح القروض لعملائه، ولكن القصة أن قواعد الصندوق التي تأخذ شكل توصيات تتعلق بكثير من ضوابط السياسات المالية وكذلك النقدية، فليس من المقبول لدى الصندوق أن يمنح عملاؤه (الحكومات) مساعداته وهو يرى أن هناك إهداراً لمورد طالبي مساعداته، ومن هنا يحاول الصندوق وضع الخطط للتخلص مما يراه غير ذي جدوى من نفقات حتى وإن طال الحوار بنزين وطاقة أو تعليم أو حتى صحة وتموين، فالصندوق يستخدم مساعداته المالية لإجبار الحكومات على تطبيق ما يراه من سياسات، وقد تكون هذه السياسات (التوصيات) سلبية، ولكن قد تكون المشكلة فيما يضعه الصندوق من برامج تطبيق هذه السياسات.

فها هي اليونان، التي اشترط الصندوق عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات التقشفية، بعد أن بلغت نسبة الدين للناتج المحلي لنحو 165% عام 2015، وبلوغ معدل البطالة لنحو 24.9%، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ الحكومة اليونانية حزمة إجراءات تقشفية لكبح جماح عجز الميزانية عن طريق تجميد رواتب موظفي الدولة، والحد من مكافآت العمل الإضافي وبدلات السفر، وبالفعل يضطر البرلمان اليوناني إلى الموافقة على مشروع قانوني يهدف لتوفير 8.4 مليار يورو، ورفع الضرائب على القيمة المضافة، والسيارات المستوردة، والمحروقات. وبالرغم من ذلك أعلن صندوق النقد، أن اليونان عجزت عن سداد ديونها للصندوق، ولم تتمكن من دفع نحو 1.5 مليار يورو كانت مستحقة عليها في ذلك الوقت.

وها هي مصر فبالرغم مما حققه برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري من نتائج مبشرة، فقد اعتمدت السلطات ضريبة القيمة المضافة وسمحت بتحديد سعر الصرف من خلال قوى السوق، وخفضت الدعم غير الكفء على الوقود والكهرباء. وبالإضافة إلى ذلك، أقرت السلطات قوانين جديدة للتراخيص الصناعية والاستثمار والشركات والإفلاس من أجل تحسين مناخ الأعمال. وكان رد الفعل إيجابياً من جانب المستثمرين الأجانب وغير المقيمين، فهناك بعض الآثار السلبية لما يتم انتهاجه من تدابير تمثلت في ارتفاع التضخم عقب إطلاق برنامج الإصلاح، وزيادات في أسعار الكهرباء والوقود، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وانخفاض سعر الصرف.

وبناء على ما تقدم نود التأكيد على أن الصندوق قد يرى أنه من الضروري رفع الدعم عن بعض السلع، وهذا أمر طبيعي ولكن العقدة قد تأتي فيما يضعه الصندوق من برنامج زمنية لرفع هذا الدعم، ومدى توافقه مع زيادات المرتبات والأجور وغيرها من العوامل واجبة الاهتمام. فها هي المملكة الأردنية وبموجب اتفاقها مع الصندوق، قامت الحكومة بإخضاع نحو 164 سلعة لضريبة 10%، فيما أخضعت سلعاً أخرى (كانت معفاة) للضريبة. كما رفعت الحكومة أجور النقل العام بنسبة 10%، وزادت أسعار الخبز بنسب وصلت إلى 100% بعد رفع الدعم عنه، كذلك يتم رفع أسعار المحروقات والكهرباء شهرياً منذ بداية عام 2018.

ختاماً، نود التأكيد على أن ما تم تناوله يعرض مدى خطورة وأهمية دور فرق التفاوض مع الصندوق، فهذه الفرق يجدر عليها العمل بكافة الطرق لتقليل تكاليف ما تسعى للحصول عليه من دولارات (مساعدات) من الصندوق، وهو ما يحتم عليها أن تكون قادرة على استخدام كافة وسائل الدفاع -قدر المستطاع- عن استقرار الأوضاع المعيشية لأفراد مجتمعاتها، فليس من السهل الاستمرار في تحميل جموع الشعوب بأعباء التطوير والتنمية، خاصة إذا كانت اقتصاديات الحكومات المقترضة أخذةً في الازدهار والرقي. فمن المفروض أن الجري واللهث وراء دولارات الصندوق يتراجع مع تزايد استقرار المقترض (الحكومة).

فمن غير المقبول أن يكون لدولارات الصندوق -في كل الأوقات- نفس حفاوة الترحاب.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND