آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

يشغل مستقبل اللغة العربية اهتمام أكثر من 422 مليون شخص



نورة الكعبي
نورة الكعبي
وزير الثقافة وتنمية المعرفة في الحكومة الاتحادية للإمارات ال..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

كثيراً ما يطرح علينا سؤال: من أين أنت؟ في ظل عالم متسارع، تعد اللغة الأداة التي نتواصل بها مع الآخرين لنعرفهم بأنفسنا، وهي أيضاً البوابة لفهم الآخر.

يدرك العالم اليوم أهمية الحفاظ على اللغات المختلفة والترويج لها من أجل المساهمة بفاعلية في المجالات العلمية والإبداعية والأدبية، وفي عصر السرعة الذي نعيش فيه حالياً، يفضّل شبابنا الثقافات واللغات التي تتمتع بانتشار واسع، وهو أمر مهم لمواكبة التطورات الحالية، لكن من الضروري تعليم جيل الشباب أهمية الحفاظ على لغتهم الأم من أجل جعلها أكثر ثراءً وتنوعاً.

لطالما كان مستقبل الأمم مرتبط بمدى الحفاظ على لغاتها، فلا يمكن لأمة أن تستمر في الوجود إذا تخلت عن لغتها، لأن ازدهار الأمم وتطورها الحضاري والفكري والثقافي، مرتبط ارتباطاً عضوياً بنمو لغتها وصونها، ومساهمتها في إثراء العلوم والمعرفة والثقافة العالمية.

يشغل مستقبل اللغة العربية اهتمام أكثر من 422 مليون شخص يعيشون على هذا الكوكب، ويتخذونها وسيلة للتخاطب، لأن اللغة العربية ليست مجرد قضية أدبية وثقافية، بل قضية قومية جامعة، ذات صبغة سيادية، لها صلة بثقافتنا وتراثنا وحضارتنا. ولفهم التحديات التي تواجه اللغة، لا بد من إجراء دراسات وأبحاث علمية معمقة للتعرف أكثر على واقع لغتنا، ومن هنا جاءت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بالبدء في إعداد تقرير "حالة ومستقبل اللغة العربية".

ستعمل "وزارة الثقافة وتنمية المعرفة" و"المجلس الاستشاري للغة العربية" على إطلاق التقرير الذي سيعالج التحديات التي تواجه لغتنا، فهو تقرير متكامل وشامل لا يخص دولة الإمارات وحدها، بل لجميع الناطقين بالعربية، وستشكل مخرجاته خطوطاً عريضة تستفيد منها الحكومات، والجامعات، والمجامع اللغوية، ومراكز اللغة العربية في أقطارنا العربية.

يزوّد تقرير حالة ومستقبل اللغة العربية المسؤولين وصناع القرار بالسياسات الجديدة لتحسين حالة اللغة العربية، وتعزيز وجودها، وتطوير أساليب تكون مرجعاً موثوقاً يسهل الوصول إليه من قبل الباحثين والدراسين، إذ يستند التقرير إلى أحدث البيانات التي ترسم اللغة العربية في المجتمع، وتحلل أبرز الاتجاهات المستقبلية ذات الصلة.

تتكامل هذه الخطوة مع الجهود المقدرة من الشيخ سلطان بن محمد القاسمي الذي أعلن عن تأسيس "رابطة اللغة العربية"، إضافة إلى جهود الجامعة القاسمية التي تخرج طلاباً ينشرون اللغة اللغة العربية لغير الناطقين بها. تحفز هذه الخطوات المؤسسات والدول الأخرى على الإسهام في نشر لغتنا، ومد جسور التواصل مع المجتمعات الأخرى عبر إطلاق تجمع على غرار منظمة الفرانكوفونية التي أسستها فرنسا وتستثمر سنوياً ملايين الدولارات لنشر لغتها وثقافتها وحضارتها وتاريخها..

أثبتت اللغة العربية أنها لغة غنية وحيّة، قادرة على التكيف مع تغيرات العصر، تتفاعل مع الظروف المختلفة، فقد استعملها العلماء لقرون عدة كلغة العلم والمعرفة، وهي نفسها اللغة التي نستخدمها اليوم في عصرنا الرقمي. إن قوة اللغة يمكن في مدى إنتاجها العلمي والفكري، فاللغة تنتشر وتتوسع من خلال الثقافة والمعرفة التي تغذي شرايينها، وتتطلب أيضاً سياسات تحميها وتصونها، وعلماء يدفعون لغتهم إلى الأمام، بغزارة فكرهم وإنتاجهم، لتعزز اللغة مكانتها على خارطة اللغات العالمية، وتفرض نفسها محلياً وعالمياً لغة العلم والثقافة والفن.

كمواطنين في هذا العالم، من واجبنا أن نزرع قيمنا وثقافتنا في أنفسنا وأطفالنا لضمان مستقبل مشرق لهم. مستقبل يفخر بجذوره وتاريخه، فلا يمكننا الحفاظ على هويتنا إلا من خلال ترسيخ اعتزازنا بها في نفوس الأجيال القادمة.

نستذكر في هذا المقام مقولة الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: "من لا يعرف ماضيه لا يستطيع أن يعيش حاضره ومستقبله". لغتنا هي الماضي والحاضر والمستقبل.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND