الآن وغداً

  بالشراكة مع:

لكن الثقة شرط أساسي للبلوكتشين فأين يكمن الحل؟



الاقتصادي – الآن وغداً

 

بقلم: كيفين ويرباخ

 

لا تُستخدم تقنية البلوكتشين على نطاق واسع كما ينبغي لها أن تكون، وذلك لأنّ مستخدمي البلوكتشين لا يثقون في بعضهم حسبما تُظهر البحوث. كما أنّ قادة الشركات والناس العاديين يتريثون في تبني الأنظمة القائمة على البلوكتشين خشية احتمال صدور لوائح حكومية تقتضي منهم إجراء تغييرات مكلفة أو صعبة في المستقبل.

ويُعتبر كل من فقدان الثقة والغموض التنظيمي مشكلتين غريبتين بالنسبة إلى تقنية البلوكتشين، إذ إنّ الاستخدام الأول الذي تم تبنيه بشكل واسع وفقاً للبلوكتشين هو عملة البتكوين، التي أُنشئت تحديداً للسماح باستخدام المعاملات المالية "دون الاعتماد على الثقة" أو على الحكومات التي تشرف على العملة. ويمكن للمستخدمين الذين لا يثقون بالبنوك أو أي وسيط آخر من ناحية تتبع المعاملات بدقة، أن يعتمدوا عوضاً عن ذلك على خوارزميات رياضية غير قابلة للتغيير. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ النظام يتسم باللامركزية، ويخزن بيانات على الآلاف (أو ربما أكثر) من أجهزة الكمبيوتر المتصلة بالإنترنت في جميع أنحاء العالم، ما يمنع المنظمين من وقف تشغيل الشبكة ككل.

وكما بينت في كتابي الأخير "البلوكتشين والهيكلة الجديدة للثقة" (The Blockchain and the New Architecture of Trust)، فإنّ التناقض بين تقنية البلوكتشين المزعوم أنها غير موثوقة والمستخدمين الذين يفتقرون إلى تلك الثقة، ينجم عن سوء استيعاب الطبيعة البشرية. ويرى الاقتصاديون الثقة غالباً على أنها تكلفة، لأنّ خلقها يحتاج إلى بذل الجهد. لكن الناس يرغبون فعلياً باستخدام أنظمة يمكنهم الوثوق فيها، فهم يفهمون بشكل حدسي أنّ الثقافات والشركات التي تتمتع بثقة قوية تتجنب التكاليف غير الظاهرة التي تنشأ من كل شخص يحاول باستمرار خداع النظام وتجنب أن يتم خداعه من قبل الآخرين.

وكما اتضح، فإنّ البلوكتشين لا تبشّر بنهاية الحاجة إلى الثقة، فمعظم الناس سيرغبون أن تساعد القوانين واللوائح في جعل الأنظمة القائمة على البلوكتشين جديرة بالثقة.

وقد كتب مبتكر عملة البتكوين في عام 2009 أنّ "المشكلة الأساسية في العملة التقليدية هي أنّ كل الثقة مطلوبة لإنجاحها"، ومع الأموال التي تصدرها الحكومة، يجب أن يثق العامة بالبنوك المركزية والمصارف التجارية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وحماية خصوصية المستخدمين. إنّ محيط البلوكتشين والذي قدمته عملة البتكوين والمفترض أن يكون بديلاً عن "قلة الثقة"، يجدر رغم ذلك عدم الوثوق به في بعض الأحيان.

في عام 2016 على سبيل المثال، استغل أحدهم وجود ثغرة في المنظمة اللامركزية المستقلة (DAO)، وهو نموذج لامركزي يستخدم العملة الرقمية المشفرة الإيثيريوم القائمة على البلوكتشين، لسحب عملة تقدر بمبلغ 60 مليون دولار. لحسن الحظ، فإنّ أعضاء مجتمع عملة إيثيريوم يثقون في بعضهم بعضاً بما فيه الكفاية لتبني إيجاد حل جذري، لذلك عملوا على إنشاء نسخة جديدة من البلوكتشين بأكملها لاستعادة ما تمت سرقته، وقد كانت العملية بطيئة وصعبة وفشلت تقريباً رغم ذلك.

 

ويوضح نوع جديد من الاقتصاد، والذي يعرف باسم: العروض الأولية للعملة، سبب استمرار حاجة النشاط القائم على البلوكتشين إلى الثقة. فمنذ عام 2017، جمعت الشركات الناشئة القائمة على البلوكتشين أكثر من 20 مليار دولار عن طريق بيع رموز العملة المشفرة إلى الداعمين لها حول العالم. ومع ذلك، فإنّ نسبة كبيرة من تلك الشركات كانت بأكملها عبارة عن عمليات احتيال، وفي حالات أخرى، لم يكن لدى المستثمرين ببساطة فكرة عما كانوا يستثمرون فيه. إذ لا توفر البلوكتشين نفسها نوع الإفصاح الذي تطلبه الهيئات التنظيمية للأوراق المالية التقليدية.

إنّ الصنبور المتدفق للعرض الأولي للعملة بات شديد الضعف في النصف الثاني من 2018، حيث أصبحت الانتهاكات المتوقعة لبيئة الغرب المتوحش واضحة. ومع تدخل المنظمين، انتقل السوق نحو بيع الرموز الرقمية وفق القواعد نفسها التي تنظم الأسهم أو الأوراق المالية الأخرى رغم القيود التي تفرضها تلك القواعد.

والدافع الآخر الذي ينبغي أن يكون للمنظمين دور فيه هو الأمن. إذ تكون شبكات البلوكتشين عادة آمنة جداً وهي تقضي على مواطن الضعف المتمثلة في تحكم شركة واحدة في المعاملات، ومع ذلك، فإنّ تلك الشبكات تحدد مالك الحساب على أساس مفتاح التشفير الخاص به، وهو عبارة عن سلسلة تبدو عشوائية من الأرقام والحروف. وفي حال سُرق المفتاح سيتم الاستيلاء على المال، والجدير بالذكر أنه قد سُرق بالفعل 10% من عائدات العروض الأولية للعملة.

يحوز معظم المستخدمين على عملاتهم المشفرة من خلال تبادل معين مثل عملة الكوينبيز (Coinbase)، التي يُتداول بها مقابل الدولار أو العملات التقليدية الأخرى. كما وتسمح للمبادلات بالاحتفاظ بمفاتيحها الخاصة لأنّ ذلك يجعل المعاملات أسهل وأكثر كفاءة. ومع ذلك، فإنها تخلق أيضاً نقطة ضعف، فإذا تم اختراق سجلات التبادل، لن تصبح المفاتيح الخاصة سرية بعد ذلك.

يمتلك بعض المستخدمين مفاتيحهم الخاصة، وهناك عمليات تبادل جديدة يتم تطويرها ولا تطلب من المستخدمين التخلي عنها. ومع ذلك، لن تكون تلك العمليات مريحة أبداً، لأنّ عبء إدارة المفاتيح والحفاظ عليها آمنة يقع على عاتق المستخدمين، وسيكون هناك حاجة إلى التنظيم من أجل حماية المستهلكين.

وسيكون أيضاً للهيئات الحكومية دور في الحد من غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وغير ذلك من الاستخدامات الجنائية للعملات المشفرة. وكلما كان النظام أكثر لا مركزية، صعب تحديد الطرف المسؤول عن التحكم بالسلوك غير المشروع. وقد لا يُعير بعض المستخدمين اهتماماً لذلك، أو قد يرون ذلك بمثابة كلفة حتمية مقابل الحرية. لكن الشبكات المثلى للصوص لن تحقق أبداً نجاحاً سائداً بين المواطنين الملتزمين بالقانون. لكن المستخدمين العاديين سيتم بث الخوف بينهم، وسيتم منع البنوك الخاضعة للتنظيم وشركات الخدمات المالية من التفاعل معهم، وسوف تجد إجراءات تطبيق القوانين طرقاً لتعطيل أنشطتهم.

فيما يخص المرونة في التداول بطرق جديدة من خلال العملات الرقمية المشفرة ذات الضمانات المناسبة. وبصرف النظر أنّ الجميع لا يتبع المسار نفسه، بيد أنّ ذلك يُعتبر جيداً، فعندما تبنت ولاية نيويورك مقتضيات تسجيل صارمة سُميت "بيتلايسنس" (BitLicense) والتي لم تتمكن سوى القليل من الشركات من تلبيتها، واجهت سلطات قضائية أخرى مشكلات في التنفيذ واتخذت مسارات مختلفة. فقد تبنت ولاية وايومنغ على سبيل المثال سلسلة من مشاريع القوانين التي توضح الوضع القانوني للعملات المشفرة بينما تفرض ضمانات حماية معقولة. وتعمل ولاية نيويورك الآن على إعادة تقييم "بيتلايسنس" لتجنب خسارة نشاط الأعمال التجارية.

في حال وثق الناس في أنظمة البلوكتشين، فإنهم سوف يستخدمونها. وهي الطريقة الوحيدة التي ستشهد بواستطها تلك الأنظمة تبنّياً من قبل الأسواق الكبيرة. وإنّ السلطات القضائية التي تتمتع بأفضل اللوائح التنظيمية، وليس أقلها، سوف تجذب النشاط. ومثل أي نظام تكنولوجي، فإنّ شبكات البلوكتشين تجمع بين رمز البرمجيات والنشاط البشري. ولا يكفي الوثوق بأجهزة الكمبيوتر التي يتم إنشاؤها وبرمجتها في النهاية من قبل أشخاص، لذلك، ومن أجل استخدام التقنية على مدى واسع وعلى نحو حكيم، ينبغي أن تكون هناك آليات لإخضاع البشر للمساءلة أيضاً.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND