آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

منذ آلاف السنين، كان للتنقل المهني (Mobility) نفس الديناميكية، والتي تعتمد على عامل واحد وبسيط: قرب المسافة.

وحتى جيل التقليديين (Traditionalists) وجيل المواليد (Baby Boomers)، وقبل تطور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والتنقلية التكنولوجية، اعتمد الناس على تنقلهم إلى عملٍ قريب من مكان سكنهم.

مع تطوُر وسائل النقل، وتحديداً أكثرها استعمالاً وشعبيةً، مثل السيارات والسفن والطائرات، وسبل النقل العام، توسعت التنقلية المهنية بنطاقها الجغرافي، فزاد الناس مسافات تنقلهم، لكن ما لم يتغير بشكل جذري هو تغيير الوظائف.

تشير الإحصاءات إلى أن جيلي التقليديين والمواليد لا يغيرون كثيراً وظائفهم خلال حياتهم المهنية، في حين أن جيل "أكس" (Generation X) وجيل الألفية (Millennials) يفعلون ذلك. حتى أن التغيير في الوظيفة أصبح مفهوماً له مصطلحه بالإنجليزية: job-hopping، ما يعني التنقل بين الوظائف.

ويظهِر رسم بياني مثير للاهتمام جمعه موقع التواصل "لينكدإن" عن إحصاءات تعود 20 سنة فقط إلى الوراء ما يلي: "على مدى السنوات الـ20 الماضية، تضاعف تقريباً عدد الشركات التي عمل فيها الموظفون في السنوات الخمس بعد تخرجهم".

وفي الأعداد، بلغ متوسط عدد الوظائف التي عمل فيها الخريجين ما بين 1986 – 1990 أكثر من 1.6 وظيفة، في حين بلغ متوسط عدد الوظائف التي عمل فيها الخريجين ما بين 2006 – 2010 ما يقارب الـ2.85 وظيفة.

ويوضح الرسم البياني أيضاً أن عدد الشركات التي يعمل فيها الموظفون من خمس إلى عشر سنوات بعد التخرج قد ارتفع أيضاً.

وتظهر دراسات وإحصاءات أخرى زيادة في التنقل في العمل بالمقارنة بين جيلي المواليد والتقليديين الذين كانوا يميلون إلى البقاء في نفس الوظيفة لفترة طويلة، من جهة، ومن جهة أخرى، يميل جيلا "أكس" والألفية لتغيير أكبر في الوظائف خلال حياتهم المهنية.

وتدرج الدراسات المذكورة إحدى أسباب زيادة التنقل في العمل إلى الركود الكبير الذي حصل في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو ما كان قد أفلح في تفسير ذلك جزئياً لولا أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي عبر التاريخ أظهر نمواً هائلاً في القرن الماضي، ما يجعل مراحل الركود غير ذات أهمية في النمط العام.

هل يمكن أن تكون التكنولوجيا سبباً محتملاً للتنقل بين الوظائف؟

لنستكشف ماذا مكَنت التكنولوجيا:

1- لقد سمحت أنظمة الإنترنت والبريد الإلكتروني باتصالات أسهل عن بعد بين جميع الأطراف. على سبيل المثال، قبل استخدام الإنترنت، كان تطوير الأعمال يحدث في جزءٍ كبيرٍ منه من خلال المعارض: كان المهنيون يحضرون في المعارض –سواء كانوا عارضين أم زائرين– وذلك لتقديم منتجاتهم وخدماتهم، ومعهم حقائب مليئة بالمنشورات والكتيبات. أما اليوم، فكل هذه الكتيبات أصبحت موجودة على المواقع الإلكترونية وجعلت التعارف بين رجال الأعمال أسهل وأقل تكلفة.

2- لقد وضعت وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما المهنية منها، كل فرد على الإنترنت. بعبارة أخرى، فإن معلومات كل فرد ومهاراته وكفاءاته وإنجازاته الأكاديمية ونشاطاته وخبراته المهنية وغير ذلك، أصبحت عامَة ويمكن لأي فرد آخر في جميع أنحاء العالم الوصول إليها. وبالتالي، أصبحت مطابقة الأفراد للوظائف أكثر دقة وأسرع وأكثر ثراءً.

3- أمَا التنقلية التكنولوجية، فمكَنت الوصول إلى العاملين السابقين لمدة 24 ساعة يومياً، وبالتالي، وعملياً، يتم تسريع العمليات.

من هنا الاستنتاج: قتلت التنقلية الممكَنة من التكنولوجيا التخطيط لتعاقب الموظفين (Succession Planning).

كيف؟

التخطيط لتعاقب الموظفين هو عملية مهمة في الشركات تعتمد على دراسة وتوثيق حركة الأشخاص المهمين في المناصب المهمة. الغرض من ذلك هو التخطيط المستقبلي، ما يعني أن العملية يجب أن توفر إجابة أو خطة لـ"من يحل محل من" في الشركة، وذلك لضمان استمراريتها.

وراء هذه الخطة هناك كثير من أعمال التقييم وتحديد الأهداف على المدى الطويل وتحليل الثغرات وبرامج التطوير وجهود أخرى تبذلها إدارات الموارد البشرية لضمان التحديد الصحيح لقادة المستقبل. يُنظر إلى هذا الجهد باعتباره الجزء الاستراتيجي من وظيفة الموارد البشرية.

مثل هذا الاستثمار الكبير والحساس قد تمَ حدُه من قبل وسائل التواصل الاجتماعي. في يومنا هذا، يمكن للمرء أن يعرف عبر الإنترنت وبشكل جيد إنجازات الأشخاص في الشركات الأخرى أكثر من إنجازات الأشخاص في الشركة التي يعمل بها، ومجاناً. بالإضافة إلى ذلك، فإن الصورة الجميلة التي تسوقها وسائل التواصل الاجتماعي تشجع مسؤولي التوظيف على البحث عن مهنيين من خارج شركاتهم بدلاً من التركيز على أشخاص مهمين من الداخل، حيث يمتلك المهنيون من خارج الشركات حس بالاستحقاق وطموحات تسير بوتيرة أسرع مما يمكن لشركاتهم الحالية أن توفر لهم.

وبعبارة أخرى، فإن الأشخاص المهمين في الشركات، ومع وجود هذه الخيارات المتاحة أمامهم ووجود الطلب عليهم من قبل مسؤولي التوظيف في الشركات، يكونون أكثر حماسة للتنقل بين الوظائف بدل تحمل عملية تعاقب الموظفين الطويلة والمضنية.

هل هذا تحليل صحيح بالكامل؟ بالتأكيد لا

بما أن البيانات والدراسات حول هذه الظاهرة لا تزال في مراحل بدائية، فإن الاحتمالية تطغى على اليقين العلمي. ومع ذلك، فمن المؤكد أن هذا التحليل يستأهل النظر فيه.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND