الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: جيف وايز

 

بعد اثنين وثلاثين ساعة من حادث تحطم طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية بوينج 737 ماكس التي أقلعت من مطار أديس أبابا، والذي أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 157، تراجعت أسهم "شركة بوينج" المصنعة للطائرة، بمسار مشابه سابق، بنسبة 12% عند افتتاح سوق بورصة نيويورك للأوراق المالية والتي لم تتعافَ تماماً.

رغم أنّ سبب الحادث الإثيوبي لم يُحدد بعد، إلا أنه من المنطقي أن يفقد المستثمرون ثقتهم في بوينج، إذ حصل الحادث الأخير بعد خمسة أشهر فقط من وقوع حادث آخر لطائرة بوينج 737 ماكس في إندونيسيا، وتحطم طائرة "شركة الطيران ليون أير" من الطراز نفسه للرحلة رقم 610، بالإضافة إلى الكارثة المزدوجة لبوينج، كل ذلك أثار المخاوف لدى شركات الطيران والجمهور الذي يسافر عبرها. ومن باب توخي الحذر، أوقفت الصين وإندونيسيا تشغيل طائرة بوينج 737 ماكس، وفعلت 25 شركة نقل خاصة الأمر نفسه أيضاً، بما فيها الخطوط الجوية الإثيوبية وتلك التابعة لجزر الكايمان.

دخلت طائرة بوينج 737 ماكس حيّز الخدمة لأول مرة منذ عامين فقط، ويوجد اليوم حوالى 350 طائرة منها في الخدمة. إنّ وقوع مثل هذين الحادثين القاتلين المرافقين للطراز الجديد من بوينج هو أمر غريب جداً وسيئ. وبينما ما يزال التحقيق في تحطم طائرة ليون أير جار، يشير تقرير أولي إلى أنّ الطيارين لم ينجحوا في الاستجابة بصورة صحيحة بعد أن قاد جهاز استشعار معطوب الطيار الآلي ليجعل الطائرة تسقط سقوطاً حاداً. لدينا معلومات أقل فيما يتعلق بحادث الرحلة الإثيوبية، ولكن بغض النظر عن الأسباب، فإنّ مجرد حقيقة تعرض طراز واحد من الطائرات لحادثين بتتابع سريع يطرح أسئلة حول مدى موثوقية الشركة المصنعة لها. تتمتع بوينج حتى الآن بسمعة ممتازة، فإنّ أحدث تصميم لها والجديد كلياً، طائرة 787، لم يتعرض أبداً لحوادث مفجعة، والتصميم الذي سبقه، طائرة 777، دخل خيّز الخدمة بسلام أيضاً لمدة 18 عاماً. لذلك يجدر طرح السؤال التالي: كيف وجدت "شركة بوينج" نفسها فجأة في خضم هذه الفوضى المتعلقة بسمعتها؟

كل ذلك يعود إلى استراتيجية الشركة، إذ تخوض "شركة بوينج" ومقرها مدينة شيكاغو، منافسة احتكارية شرسة مع "شركة إيرباص" ومقرها مدينة تولوز الفرنسية، والتي تتقاسم معها تقريباً سوق الطائرات البالغ حجمه 200 مليار دولار. إنّ الحصة الأكبر من ذلك السوق هو للطائرات ضيقة الهيكل للرحلات القصيرة إلى متوسطة المدى والتي تستوعب عادة ما بين 100 و200 راكب. هذا هو العمود الفقري للملاحة الجوية الذي يفتقر إلى الإبهار ويعاني من وطأة شديدة، ويتنقّل بلا توقف على خطوط مثل سولت ليك-دنفر ولا غوارديا-أوهير.

حلّقت طائرة بوينج 737 في السماء لأول مرة في عام 1967، ورغم مختلف التحسينات التي أُدخلت على مر السنين، إلا أنها في الواقع ما تزال مجسماً من حقبة فيلم ذا رايت ستاف (The Right Stuff). فعوضاً عن استخدام أنظمة تحكم سلكي في الطيران بواسطة أجهزة الكمبيوتر والتي توجه رحلة الطائرة إلكترونياً، ما يزال لديها محركات ميكانيكية قديمة الطراز، بالإضافة إلى أنها طائرة مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من المعادن خفيفة الوزن الحديثة.

بينما حلّق أسطول طائرات إيرباص A320 بعد جيل من سابقها في عام 1987، ولكنها كانت طائرات تستخدم أنظمة تحكم سلكي ومعادن خفيفة الوزن منذ البداية. وفي عام 2014، أعادت "شركة إيرباص" إطلاق أسطول حديث، طائرات A320neo، وهو مجموعة من الطائرات ذات المحركات التي وُصفت بأنها أكثر اقتصاداً في استهلاك الوقود بنسبة 15% من الطراز القديم.

كان على "شركة بوينج" مواجهة نقلة "شركة إيرباص" للمحافظة على دورها الريادي. وقد كان لديها خياران: إما التخلص من التصميم القديم وبدء العمل على تصميم جديد كلياً، أو الاحتفاظ بالتصميم القديم لطائرة 737 وصقله. ستكلف العملية الأولى مبلغاً ضخماً من المال، إذ كلف تطوير التصميم الجديد، طائرة 787، 32 مليار دولار، وسيتطلب من شركات الطيران إعادة تدريب أفراد أطقم رحلات الطيران وموظفي الصيانة.

ولكن بدلاً من ذلك، اختارت الشركة العملية الثانية الأقل كلفة وعملت على ترقية المجموعة السابقة. إذ بدّلت "شركة بوينج" محركات النسخ الجديدة من الطائرة، والتي وعدت برفع نسبة الاقتصاد في استهلاك الوقود إلى 20%، بالإضافة إلى إجراء تعديلات في هيكل الطائرة. ومن أجل استيعاب القطر الأكبر للمحرك، كان على مهندسي بوينج نقل مركزه إلى النقطة التي تربط الطائرة بالجناح، وهذا بدوره أثّر على الطريقة التي عولجت بها المشكلة التي حدثت بالطائرة. وما يُثير القلق أكثر، أنّ ذلك جعل الطائرة تتعرض لاحتمال حدوث ميلان للأعلى، الأمر الذي قد يؤدي إلى قصور خطير في الديناميكا الهوائية. ولتجنب هذا، أضافت بوينج نظاماً جديداً للطيران الآلي من شأنه أن يُميل مقدمة الطائرة للأسفل إذا بدا وكأنه يميل للأعلى. ووفقاً لتقرير أولي، فإنّ هذا النظام هو الذي تسبب على ما يبدو في تحطم طائرة ليون أير.

لو كانت "شركة بوينج" قد صممت طائرة جديدة من نقطة الصفر، فلم تكن مضطرة عندها للجوء إلى هذا النوع من الحلول السريعة. كان يمكنها تصمم هيكل الطائرة لمحركات بحيث لا مجال لحدوث ميلان للأعلى، إلا أنّ مهنديسها استخدموا الأتمتة لتصحيح عيوب الطائرة. ويجدر الإشارة إلى أنه يمكن للأنظمة الآلية أن تقطع شوطاً طويلاً نحو منع وقوع أنواع الحوادث التي تنجم عن العجز البشري أو الغفلة، ولكنها تُضاف أساساً إلى تعقيدات النظام. وعندما تُخطئ تلك الأنظمة، يمكنها أن تستجيب بطريقة مفاجئة لطيار غير مهيأ. قد يكون ذلك خطيراً، خاصة في المواقف غير المألوفة والتي تنطوي على مستوى عالٍ من الضغط. لقد اختفت طائرة الخطوط الجوية الفرنسية رحلة 447 في عام 2009 بعد أن بالغ الطيارون في رد فعلهم بسبب أعطال بسيطة وأصابهم الارتباك حول ما يمكن توقعه من الطيار الآلي.

في أعقاب حوادث التحطم مثل هذا الحادث الأخير، تعلو دائماً مطالبات بتطوير التدريب ورفع الوعي، وهذا بلا شك أمر جيد. ولكن يمكن أن يكون الأمر أبعد من ذلك، إذ إنّ الدماغ البشري غير مؤهل أساساً للعمل في ظل مشكلات غير مألوفة عندما يكون تحت تأثير ضغط شديد. بعد خمس سنوات من حادثة رحلة 447 التابعة للخطوط الجوية الفرنسية، كان ينبغي على جيمع طياري "شركة إيرباص" أن يكونوا مدركين تماماً بمدى الخطأ الذي ارتكبه الطيارون في تلك الحالة، ولكن في عام 2014، ارتكب طيارو الرحلة رقم 8501 التابعة لـ"طيران آسيا" الخطأ نفسه تقريباً، والذي أفضى عن النتيجة نفسها.

هل نحن نعلم أنّ هذا ما حدث في رحلة الطيران الإثيوبي؟ الإجابة هي "لا". ولكن بغض النظر عن كيفية انتهاء التحقيق في تلك الحادثة، يبدو أنّ طراز 737 ماكس سيواجه فترة عصيبة. وهناك حادثة مشابهة سابقة مع "الخطوط الجوية الماليزية"، والتي نظر إليها الجمهور بريبة بعد فقدانها طائرتين من طراز 777 في أقل من خمسة أشهر في عام 2014. ورغم أنها لا تتحمل مسؤولية واضحة عن أي من الحادثين، لكن كما ناقشت في كتابي، تشير الأدلة إلى أنّ الطائرة حُرفت عن مسارها من قبل شخص على متنها. وقد عانت شركة الطيران من انخفاض حاد في الحجوزات واتجهت نحو عمليات إعادة التنطيم في العام التالي.

لا تواجه "شركة بوينج" ذلك النوع من الكوارث المالية، إذ إنّ الشركة ضخمة وحيوية للغاية بالنسبة للطيران العالمي حتى تفشل، لكن مستقبل طراز 737 ماكس يبدو هشاً فجأة. كما لا ينبغي على أي جهة شراء هذا الطراز المحدد، بينما يوجد نماذج أخرى متاحة في السوق. وسيتعين على "شركة بوينج" إما الخروج بمعالجة مقنعة للغاية لكل ما تسبب في هذين الحادثين، أو التفكير في البدء بتصميم نموذج جديد كلياً.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND