الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: ويل باف

 

رغم أنّ إيلون ماسك قد حذّر البشر من خلال حديث مشهور له حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلا أنّ وجود خوارزمية في مجلس إدارة "شركة تيسلا" قد يصب في صالح مساهميه.

في السنوات الأخيرة، أصبحت "شركة تسلا" مثالاً يُستقى منه العبرة حول مدى صعوبة إشراف أعضاء مجلس الإدارة غير المتفرغين على الرؤساء التنفيذيين الذين يتمتعون بالكاريزما والعزيمة القوية، وخاصة إذا كان الأخيرون هم المؤسسون الرؤويون لشركاتهم. بالنظر إلى الوضع الحرج الذي دفع إيلون ماسك الشركة إليه مع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (الهيئة التي تنظم الشركات العامة في الولايات المتحدة)، وذلك من خلال تغريداته العشوائية واستخفافه الساخر للقواعد التنظيمية التي تملي السلوكيات الملائمة لشركة مطروحة للتداول العام، لا غرابة في أنّ يُتهم أعضاء مجلس إدارة "شركة تسلا" بأنهم "في غفلة عن أمرهم".

وقد يعود سبب عزوف أعضاء مجلس إدارة "شركة تسلا" الظاهر في ضبط ماسك إلى ولائهم الشخصي له، أو ربما أنهم لا يرغبون ببساطة في هدر الوقت بـ"الموافقة المسبقة" على تغريدات ماسك حول الشركة، خاصة مع ساعات عمل محدودة والوتيرة السريعة التي يعمل بها الرئيس التنفيذي. في مطلق الأحوال، لا يبدو أنّ أعضاء مجلس الإدارة قادرين على إبعاده، أو إبعاد الشركة، عن المشكلات.

قد يكون مثال "شركة تسلا" متطرفاً، لكنه يوضّح مشكلتين رئيسيتين تواجهها مجالس الإدارة في كثير من الأحيان فيما يتعلق بالإشراف على الرؤساء التنفيذيين وفرق الإدارة التابعة لهم: أولاً، تضم مجالس الإدارة عادة أشخاصاً بارزين لا يملكون الكثير من الوقت ويكون اهتمامهم محدود النطاق، ثانياً، يتم التحكم بتدفق المعلومات المتعلقة بشؤون الشركة عادة من قبل الرئيس التنفيذي. كل هذا يجعل الأمر مثيراً للاهتمام إلى حد ما مع إحراز إحدى الشركات في النهاية تقدماً تكنولوجياً من أجل إيجاد حل لهذه المشكلات، وهو تعيين خوارزمية لشغل كرسي ضمن مجلس إدارة الشركة.

ولكن لماذا الاستعانة بخوارزمية من أجل إيجاد حلول لهذه المشكلات المتعلقة جداً بالبشر؟ أولاً، يجدر النظر إلى المهام المنوطة بفرق مجالس الإدارة، والتي لا يصعب عموماً شغل مقاعدها. يتمتع أعضاء مجلس الإدارة عادة بمكانة اجتماعية ويتقاضون الملايين مقابل عمل جزئي، ومع هذه السلطة الكبيرة هناك مسؤولية كبيرة، وإذا كان عضو مجلس الإدارة غير مبالٍ بموارد الشركة أو تصرف في أمر ينطوي على تضارب المصالح لمنفعة شخص آخر بمنأى عن المساهمين، يمكن حينها مقاضاة ذلك العضو.

وبينما قد يبدو أنّ الإشراف على شركة كبرى هي مهمة شاقة بالنظر إلى أنه عمل بدوام جزئي، فإنّ لدى أعضاء مجلس الإدارة الحق في الاعتماد على مسؤولي الشركة (مثل الرئيس التنفيذي للشركة والرئيس التنفيذي للشؤون المالية والرئيس التنفيذي للعمليات) وتفويض المسؤولية إلى فريق الإدارة. على سبيل المثال، اجتمع جميع أعضاء مجلس إدارة "شركة أبل" أربع مرات فقط خلال عام 2018. ونظراً إلى محدودية وقت أعضاء مجلس الإدارة، فإنهم يفوضون الموظفين بالتعامل مع الإدارة اليومية للشركة.

تكون عادة قوائم أسماء أعضاء مجالس الإدارة في الشركات الكبرى مكونة من شخصيات بارزة من رجال الأعمال والسياسيين والأكاديميين. ورغم أنهم قد يحظون باحترام كبير، إلا أنّ أعضاء مجلس الإدارة قد لا يكونوا خبراء في القطاع الذي تعمل فيه الشركة. خذ مثالاً أعضاء مجلس إدارة "شركة أبل"، الذي يضم رونالد شوجر رئيس مجلس الإدارة المتقاعد لـ"شركة نورثروب جرومان"، وسو فاجنر نائبة رئيس مجلس الإدارة السابقة لـ"شركة بلاك روك"، وآل غور. أو أعضاء مجلس إدارة "شركة تسلا"، الذي يضم براد بوس الرئيس التنفيذي السابق للشؤون المالية في "شركة سولار سيتي"، وجيمس مردوخ الرئيس التنفيذي الحالي لـ"شركة تونتي فرست سينتشوري فوكس، ولاري إليسون (المؤسس المشارك لـ"شركة أوراكل")، وليندا جونسون رايس (الرئيسة التنفيذية لـ"شركة جونسون بابلشينغ كومباني"). يُظهر كلاهما نوع من الإشراف عالي المستوى والذي يتوقع المساهمون توفيره من قبل مجالس الإدارة.

ونظراً لأنّ أعضاء مجلس الإدارة لا يملكون الكثير من الوقت لدراسة التفاصيل، فإنهم يركزون غالباً على توجيه الشركة نحو الأهداف البارزة ولا يُعيرون الكثير من الاهتمام حول المسائل التفصيلية. لكن يمكن أن تُفضي على سبيل المثال القراءة التمحيصية لآلاف التغريدات التي ينشرها ماسك خلال عام معين إلى حدوث مشكلات عندما تُضاف إلى التزاماتهم الأخرى.

هذا ليس للقول بأنّ الإشراف عالي المستوى الذي يوفره أعضاء مجلس الإدارة البشر ليس مهماً. لكن فكّر في البعد الذي ستبلغه الشركة إذا ما دعمت ذلك الإشراف البشري بإشراف برمجية متطورة من الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، والتي يمكنها متابعة الأهداف الدقيقة بصورة مستقلة فمثلاً، هل ستصدر "شركة تسلا" حقاً 500,000 سيارة في عام 2019؟ ويمكن أن تسهم حتى في تحقيق التوازن بين المصالح المتضاربة على مستوى أكثر دقة. إنها نوع من التكنولوجيا التي يمكن أن تقدم المساعدة إلى أعضاء مجلس الإدارة على الانتقال من دور هيئات إشرافية عالية المستوى إلى دور مدراء فاعلين يهتمون بالتفاصيل.

تأمل في البيئات المتعطشة للبيانات حيث يزدهر الذكاء الاصطناعي، إذ إنّ تعلم الآلة يُعتبر مثالياً عندما تحتاج إلى إيجاد أنماط مخفية ضمن مجموعات دفينة وهائلة من البيانات. ويمكن للذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة أن يتم تغذيته بقدر هائل من المعلومات حول الشركة وبيئة أعمالها لاتخاذ قرارات جيدة تخص مسائل من قبيل الطلب المستقبلي على منتجات الشركة أو ما إذا كان يتعين على الشركة التوسع داخل أسواق الصين.

هذا بالضبط الأمر الذي تم تعيين أول ذكاء اصطناعي من أجله في مجلس إدارة "شركة ديب نولدج فنتشرز" (Deep Knowledge Ventures) القائمة في مدينة هونج كونج، وتتمثل مهمته في تلقي بيانات حول شركات علوم الحياة ثم التصويت على الشركات التي يُعتبر الاستثمار فيها جيداً. تقول الشركة إنها تعتمد على توصيات الذكاء الاصطناعي من خلال الامتناع عن الدخول في أية استثمارات لا يوافق عليها الذكاء الاصطناعي، وتقول أنه قد ساعد في القضاء على بعض أنواع التحيز وتجنب الاستثمارات "المبالغ فيها" (والمقصود هنا أخذ الحيطة من وجهات نظر مؤيدي شركة ثيرانوس التي اشتهرت بادعاءاتها الزائفة).

ولكن لماذا نتطرف من خلال إعطاء الذكاء الاصطناعي مقعداً خاصاً به، في حين يمكن، نظرياً، لأعضاء المجلس الأخذ بتقييمات هذه الخوارزمية لاستخلاص قراراتها؟ يعود هذا إلى مسائل متعلقة بالوقت والولاء والوصول إلى المعلومات. وعلى عكس البشر، فإنّ جاذبية الذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة تكمن في اعتباره حَكَم مستقل محتمل على أي خلاف بين أعضاء مجلس الإدارة البشر. والأكثر من ذلك، إذا أدلت هذه الخوارزميات بالأصوات، سوف يصعب على أعضاء مجلس الإدارة الآخرين تجاهل تلك الأصوات، وسيضطرون إلى إيجاد أسباب مقنعة لمعارضتها.

في بعض الحالات، قد يكون تصويت الذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة بمثابة علامة لوجود أمر يستحق التفكير وترياقاً لداء التفكير الجمعي. وفي حالات أخرى، قد يُجبر أعضاء مجلس الإدارة البشر على مواجهة التحيزات المحتملة في تفكيرهم، مثل الولاء لرئيس تنفيذي يتمتع بشخصية كاريزمية. فكر فيما قد كان ركز عليه ذكاء اصطناعي في مجلس إدراة "شركة جنرال إلكتريك" في السنوات الأخيرة عندما بدا أنّ الشركة قد غفلت من الناحية التشغيلية عن هبوط التدفق النقدي وتزايد التزامات المعاشات التقاعدية على مدار سنوات عدة.

بالطبع، هنالك قيود ومشكلات ينبغي التغلب عليها قبل منح البرمجيات مقعداً على طاولة مجلس الإدارة. وإحدى تلك القيود والمشكلات هي أنّ العديد من أشكال الذكاء الاصطناعي "تتعلم" من البيانات التي أنشأها ونسقها الإنسان، والتي عُرفت بمحاكاة التحيز البشري. قد يكون من الصعب معالجة هذا النوع من التحيّز لأنه يمكن أن يتسلل في العديد من المراحل المختلفة من تدريب الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأهداف التي أسندها المبرمجون للذكاء الاصطناعي لكي يحققها، ومجموعات البيانات التي غذّوه بها، وسمات البيانات التي اختاروا التركيز عليها، والبيانات التي يستخدمونها لاختباره. إلا أنّ العديد من المبرمجين أصبحوا أكثر إدراكاً لهذه المسائل، ويبحثون عن طرق أفضل لمعالجة التحيزات في عملية تطوير هذه الأدوات، بما في ذلك مشاريع من قبيل "ذكاء اصطناعي يهدف إلى "إلغاء تحيز" أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى".

تُعتبر تقنيات التعلم العميق حالياً مثل "صناديق سوداء"، إذ قد تتمكن سيارة ذاتية القيادة من التعرّف على ممر المشاة، وقد تتمكن خوارزمية التقييم من الاستنتاج بأنّ شركة معينة تقدّر قيمتها بمقدار معين من المال، ولكن إذا كان الذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة سيتفاعل مع المساهمين وأعضاء المجلس البشر، فيجب أن يكون قادراً على توضيح استنتاجاته. إذا لم نتمكن من النظر داخله ورؤية حجته، سيكون من الصعب الوثوق بالذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة، ولن تكون السلطات القضائية قادرة على ضمان إنجاز واجباتها القانونية لتزويد المساهمين بـ"الوضوح" المطلوب، أي تزويدهم بجميع المعلومات التي ستكون مهمة بالنسبة لهم.

بموجب قانون الأوراق المالية الأميركي، فإنّ أحد أكثر بنود الإفصاح شيوعاً لأعضاء مجلس الإدارة هو توضيح كيفية وسبب تعامل أعضاء مجلس الإدارة مع المخاطر بطريقة محددة. وإذا تمكنت خوارزميات تعلم الآلة من توضيح منطقها الخاص وصُممت لتحليل هذه المخاطر ونقلها بصورة جيدة، فقد تؤدي عملاً أفضل في تقديم مثل هذه الإفصاحات من خلال مساعدة البشر على التركيز على التفاصيل "الصحيحة" عن طريق التخلص من فوضى البيانات.

ينطوي هذا أيضاً على ميزة أخرى، إذ يمكن أن تتمتع خوارزمية واضحة بافتقار إيجابي للطموح الشخصي أو المصالح. وبافتراض حدوث تقدم مناسب في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فإنّ المساهمين وأصحاب المصلحة على حد سواء يمكنهم الوثوق بالذكاء الاصطناعي بأنّ يكون على استعداد لتقديم "سبب" اتخاذه إجراءات محددة، وهي سمة لا توجد دائماً عند نظرائهم من البشر.

لقد أدركت السلطات القضائية أنه على الرغم من أنّ أعضاء مجلس الإدارة ربما يحاولون ظاهرياً تحقيق مصالح المساهمين، إلا أنّ هناك "شبحاً يلقي بظلاله" والمتمثل في سعي أعضاء مجلس الإدارة، عن قصد أم لا، إلى تحقيق مصالحهم الذاتية. ضمن مجلس إدارة مختلط يضم كلاً من البشر والذكاء الاصطناعي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر للمساهمين، وكذلك لأعضاء مجلس الإدارة الآخرين، تحليلاً أكثر موضوعية عندما يتعلق الأمر مثلاً بأسئلة من قبيل: كيف يمكن أن يؤثر اندماج محتمل على صافي قيمة أعضاء مجلس الإدارة؟

كما قد يكون الذكاء الاصطناعي في مجلس الإدارة أفضل في تحقيق التوازن بين المصالح التي يصعب التوفيق بينها، كما يحدث عندما تتعارض مصالح المساهمين والموظفين في بعض الأحيان. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مطالبة مجموعة فرعية من أعضاء مجلس الإدارة البشر بالتطلع إلى الموظفين بينما يُبقي الآخرون تركيزهم على المساهمين، أو من خلال إجراء توليف دقيق لذكاء اصطناعي واحد ضمن مجلس الإدارة يتوجه نحو تحقيق أهداف نهائية. إذا تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يمكن فيها للذكاء الاصطناعي ضمن مجلس الإدارة توضيح طريقة توصّله إلى استنتاجاته، ثم يتم برمجة ذلك الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال للنظر في مصالح كل من المساهمين وأصحاب المصلحة بأسلوب أكثر شفافية من أسلوب عضو بشري في مجلس الإدارة.

حتى تاريخه، يبدو أنّ "شركة ديب نولدج" هي الشركة الوحيدة التي اتخذت هذه الخطوة. ومن الجدير بالذكر أنه، حتى الآن، قد يكون تمثيل الذكاء الاصطناعي ضمن مجلس الإدارة غير قانوني بموجب قانون الشركات الأميركي، الذي يتطلب أن يكون أعضاء مجلس الإدارة "أشخاصاً عاديين". لكن فكرة تعيين ذكاء اصطناعي ضمن مجلس إدارة الشركات ليس أمراً بعيد المنال بقدر ما يبدو. في دراسة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2015، والتي شمل استطلاعها أكثر من 800 مسؤول تنفيذي في مجال تكنولوجيا المعلومات، توقع 45% من المستجيبين أننا سنرى أول ذكاء اصطناعي ضمن مجلس إدارة تابع لإحدى الشركات بحلول عام 2025، وسيكون ذلك التطور الذي حدث بمثابة نقطة تحوّل نحو المزيد.

مع التقدم المناسب في هذه التكنولوجيا المتخصصة، فإنّ تحذير ماسك من أنّ الذكاء الاصطناعي قد يخلق "ديكتاتوراً خالداً الذي لا يمكننا الهروب منه" ربما يتحقق، وذلك عندما يتعلق الأمر على الأقل بمدى حرية الرؤساء التنفيذيين في إطلاق تغريدات متهورة أو تخطي أهداف الإنتاج دون أن يدق "شخص ما" ضمن مجلس الإدارة ناقوس الخطر.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND