آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



أمير فرحة
أمير فرحة
رائد أعمال لبناني. الشريك المؤسس والشريك الإداري في "شركة بي..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

أمير فرحة

شهدت المنطقة الأسبوع الماضي حدثاً مدوياً، أكبر عملية استحواذ في تاريخ المنطقة ولحظة فارقة في منظومتها ومستقبلها. كنت قد كتبت هذا المنشور قبل إبرام الصفقة، كطريقة لمشاركة أفكاري حول أثر "كريم " على اقتصاداتنا الإقليمية. وها هم اليوم يحققون إنجازاً نادر المثال يستحق أن يفخر به الجميع. لقد وضعوا منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا رسمياً على الخريطة وكانوا سبباً فيما نعتقد أنه سيكون نقلة نوعية هائلة في المنطقة.

يونيجمل كريم

يطلق مسمى اليونيكورن على الشركة التي تبلغ قيمتها مليار دولار فأكثر، وقد شاع استخدام هذا الاسم في الآونة الأخيرة بين العاملين في قطاع التكنولوجيا حتى بات تعريفاً عاماً. واليوم تحمل "شركة كريم" وصف اليونيكورن، وإن كانت قد تجاوزته بمراحل. فوصف اليونيكورن لا يفي المعنى الحقيقي لما أنجزته الشركة حتى الآن. لقد وجد مؤسسوها الشبان الثلاثة الطموحين والشغوفين بالعمل، مدثر شيخة وكارل ماغنس والدكتور عبدالله الياس، أنفسهم يبنون ما أصبح الآن شركة مختلفة اختلافاً جذرياً عما شرعوا في عمله في البداية.

كنا أحد المستثمرين الذين رفضوا الجولة التمويلية الأولى لتأسيس "كريم"، بحجة الاختلاف على القيمة، بدلاً من دراسة قدرات المؤسسين وأهدافهم بصورة أكثر عمقاً. كان هذا خطأنا وتعلمنا من الكثير، فأقدمنا على تصحيح المسار في الجولة التمويلية أ. ونحن اليوم مستثمرون في "كريم"، نؤمن بما يريد مؤسسو الشركة تحقيقه للشركة ذاتها ومنظومة العمل واقتصادات بلداننا النامية. لقد أمضينا السنوات السبع الماضية في بذل كل جهد ممكن لتشجيع ريادة الأعمال والابتكار من خلال الاستثمار في الشركات الناشئة خلال المراحل الأولى، على أمل أن يتخذ منك الآخرون قدوة يحذون حذوها، وصنع ثروة وخلق فرص عمل، إلى جانب رفع مستوى المعرفة والمهارات في منطقتنا. نحن نبذل قصارى جهدنا لإضافة قيمة وتسريع نمو شركاتنا ومنظومة العمل ككل، لكننا لسنا المسؤولين الذين يديرون هذه الشركات. فرواد التغيير الحقيقيون هم أولئك الذين يضحون بمصدر رزقهم وصحتهم وسعادتهم والبعد عن الأسرة لسنوات في سبيل بناء شيء مميز حقاً. وتجسد "كريم" أصدق مثال على ذلك التعريف، فهي منارة ريادة الأعمال في المنطقة بأسرها، أول من يتجاوز الحدود والقارات، وأول من يقدم حافزاً حقيقياً منظومة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط.

أردت استخدام هذا المنشور لتسليط الضوء على التغييرات الجذرية التي أحدثتها "كريم" في نتائج رواد الأعمال المستقبليين وأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة والاقتصاديات والمنظومة ككل، لتُسّجَلُ بأحرُف من نور في كتب تاريخ التقنيات التكنولوجية بالشرق الأوسط لفترة طويلة من الزمن.

تخريج رواد أعمال جدد لديهم مهارات فريدة

يعد إعادة تدوير الموهبة أحد أهم العناصر الأساسية لأي من منظومات الشركات الناشئة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، فالسر الحقيقي في الأشخاص الذين عايشوا تجربة توسع شركة ناشئة في الشرق الأوسط لتدخل نادي الشركات المقومة بمليار دولار. إنهم موظفو التسويق والمهندسون ومندوبو المبيعات الذين يفهمون التكتيكات اللازمة لبناء شركة عملاقة، وكبار داعمي المعرفة التي يجب اكتسابها في أي منظومة عمل. هذه الموهبة نادرة والأشخاص الذين عايشوا هذه التجربة ينتهجون خطاً فكرياً مختلفاً تماماً اليوم، فهم أكثر طموحاً، ويعرفون المقومات اللازمة لتحقيق النجاح ولا يهابون الإقدام على معالجة المشاكل المعقدة. وقد دعمنا بالفعل شركتين تم تأسيسهما أو المشاركة في تأسيسهما من قبل موظفين سابقين لدى "كريم"، وهما شركة بلكويز (Bulkwhiz) وسويفل، ونتوقع أن يتنامى هذا الاتجاه مع زيادة عدد خريجي مدرسة "كريم" والانضمام إلى شركات جديدة أو تأسيسها بأنفسهم. وإذا أمعنت في هذا الأمر، فستجد أن موظفي "كريم" يقارب عددهم 4,000 موظف، يتمتع كل منهم بمهارات مفيدة لأي شركة ناشئة في المستقبل. ويمكن اعتبارهم إلى حد ما "مافيا باي بال" الشرق الأوسط، وأهم العناصر المحفزة لنمونا. والشركات التي يقدم هؤلاء الخريجين على إنشائها أو المشاركة في إنشائها ستخرّج حتماً عدداً من أبنائها الذين ينطلقون وينشؤون شركات جديدة، مسلحين بالمعرفة حول كيفية التوسع حتى تصير شركاتهم الناشئة شركات عملاقة، وزيادة فرص النجاح لكل من المستثمرين والموظفين في المستقبل. هذه هي الطريقة التي تسير بها الدورة لأي منظومة سليمة (سكايب في ستوكهولم، وباي بال في الولايات المتحدة، وفيسبوك في الولايات المتحدة، و"جو جيك" (Gojek) في جنوب شرق آسيا، إلخ، كلها أمثلة على ذلك).

التغلب على العقبات التنظيمية

قبل "كريم"، لم تكن الجهات التنظيمية في كل بلدان الشرق الأوسط تأخذ شركات التكنولوجيا الإقليمية على محمل الجد، فلم يكونوا يتعاونون مع الشركات الناشئة، وحاولوا بذل قصارى جهدهم لتقديم الخدمات المعتادة، ليدركوا الآن أن الأمر ليس بهذه السهولة. لقد غيرت الجهات التنظيمية اليوم رأيها إلى حدٍ بعيد، وقبلت بوجود الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، ويرجع ذلك بالأساس إلى ضغوط "كريم" المستمرة مع حكومات الدول كافة. فعندما تُحدِث شركةٌ مثل هذا الأثر الهائل على هذا النطاق في كل اقتصاد، سواء من خلال خلق فرص العمل ونمو الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب الاستثمار، يتعين على الحكومات أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار. واليوم، سواء كنت شركة متخصصة في التكنولوجيا المالية أو الرعاية الصحية أو النقل والمواصلات، ستجد الهيئات التنظيمية أكثر تعاوناً وحماساً لمستقبل التكنولوجيا في أسواقها. لقد تم التخلص من العراقيل التي كانت موجودة من قبل، وطرأ تغير هائل على عقلية هؤلاء المسؤولين الحكوميين وباتوا أكثر ميلاً لإبداء روح التشجيع والتعاون، مما يجعل من السهل على رواد الأعمال في المستقبل معالجة المشاكل الكبيرة المتعلقة بتعاون الحكومات.

نماذج مشرِّفة

يعد مدثر وماغنس وعبدالله قدوة يحتذي بها مؤسسو الشركات الناشئة في المستقبل، فهم خير مثال على إمكانية تحقيق النجاح على نطاق واسع، وقهر الصعاب في منطقة تحفل بالصعوبات. هؤلاء الشبان الثلاثة الاستثنائيين قد بنوا شركة من النماذج المشرِّفة. لقد اكتسبت القيادة العليا في "كريم" ذخيرة كبيرة من الخبرة وحققت إنجازات هائلة تتطلع إليها الكثير من الشركات الناشئة اليوم في مراحلها المبكرة، بحثاً عن الإلهام والنصيحة والتوجيه. بالإضافة إلى ذلك، كان هؤلاء المؤسسون مستثمرين تأسيسيين غزيري الإنتاج وسيواصلون العمل كمستثمرين تأسيسيين في المستقبل. هذه مساهمة كبيرة في منظومتنا، كنا نفتقدها قبل بضع سنوات.

جذب المستثمرين الإقليميين والدوليين

لطالما خاطبنا المستثمرين الإقليميين، والمؤسسات الدولية المتخصصة في استثمار رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة، ومؤسسي شركات التكنولوجيا العالمية لسنين عدة، محاولين أن نبيعهم فرصة الشرق الأوسط، وإقناعهم بضخ الاستثمارات، وعلى مدار العامين الماضيين، أحدثت "كريم" تغييراً هائلاً في تلك المحادثات من إبداء القليل من الاهتمام، إلى محادثات استباقية وفضولية. فمنذ أن حصلت الشركة على لقب "يونيكورن"، أخذ الجميع ينظرون إلى المنطقة بعين الاهتمام. وبعد أن ضخت قوى عالمية، مثل جنرال أتلانتك وأمازون وأكسل إنديا (Accel India) وغيرها، استثماراتها في المنطقة، نتوقع أن ينمو هذا التوجه في السنوات والعقود المقبلة، فنجد رواد أعمال جدد يحذون حذو "كريم".

استقطاب المواهب العالمية

يعد استقطاب المواهب أمراً حيوياً لنجاح منظومة الشركات الناشئة وتزدهر. وعلى مدار العقد الماضي، كان يتوافر بالشرق الأوسط مجموعة محدودة للغاية من المواهب الإقليمية فيما يتعلق ببناء شركات تكنولوجية قابلة للتطوير. لم يكن لدى معظم المطورين والمهندسين في المنطقة خبرة في بناء فرق كبيرة أو فهم التكتيكات اللازمة للتوسع. كان من الصعب استقطاب شخصيات دولية ذات مؤهلات رفيعة المستوى. لم يكن هناك ما يكفي من النماذج التي يحتذى بها، ولا الشركات التي حققت توسعات كافية للبرهنة على الفرص المتاحة في المنطقة، ما جعل الوافدين الموهوبين يولون وجههم صوب الشرق الأوسط. ومع توسع "كريم" وصولاً إلى حجمها الحالي، وجمع رؤوس أموال ضخمة من مستثمرين دوليين، بالإضافة إلى أن وجود مقرها في دبي (مدينة مريحة وعصرية ويمكن الوصول إليها بسهولة وتتيح أسلوب حياة فاره وتتوافر بها بنية تحتية قوية)، اقتنع الناس بتحمل خطر الانتقال إلى المنطقة. وهذا ما حدث فعلاً. وبات المهندسون والمطورون وموظفو المبيعات والمتخصصين في التخطيط الاستراتيجي والإداري والمالي، الذين عملوا في شركات التكنولوجيا الدولية، مثل "فيسبوك" و"إير بي إن بي" (Airbnb) و"لينكدإن" و"أمازون" وغيرها، يعملون الآن ضمن المنظومة وينقلون معارفهم وخبراتهم إلى زملائهم الأقل منهم خبرة الذين سيعملون حتماً على نقل نفس المعرفة إلى أقرانهم، وهكذا. لقد نمت دورة نقل المعرفة بشكل كبير وسوف تتضاعف في المستقبل.

تدوير رأس المال -المستثمرون التأسيسيون وأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة- وتحقيق العوائد على أصول رأس المال الاستثماري المغامر

لكي تنجح صناديق رأس المال الاستثماري المغامر، يتعين عليها إعادة الأموال إلى مستثمريها (الشركاء المحدودين). تأتي هذه العائدات من الخروج من الاستثمارات في الشركات الناشئة وهي ضرورية لاستمرار أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة في جمع المزيد من الأموال ودعم نمو المنظومة الخاصة بكل منهم. وتعتبر التخارج من العمليات الأهمية، والتي يمكن أن تأتي في شكل بيع أسهم لمستثمرين جدد أو استحواذ جهة أخرى عليها. وكانت "كريم" مدعومة بمجموعة من المستثمرين التأسيسيين وأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة الإقليميين الذين استطاعوا، بفضل نمو الشركة، بيع بعض أسهمهم. حققت هذه العملية عوائد معتبرة للكثيرين منهم، وضاعفت رؤوس أموالهم، واليوم يعيد الكثير منهم الاستثمار في الشركات الناشئة الجديدة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، جمع العديد من الموظفين في "كريم" ثروة جيدة، والتي قد يستخدمونها للاستثمار في شركات جديدة أو إنشائها بأنفسهم. هذه الدورة ضرورية في عملية التمويل في المراحل المبكرة، لذا برهنت "كريم" على مقدرتها على تحقيق عوائد لكل من الموظفين والمستثمرين التأسيسيين وأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة (وبالتالي الشركاء المحدودين في هؤلاء المستثمرين)، والتي غيرت الفكرة السائدة عن الاستثمار في المنطقة، مع توفير إعادة تدوير المزيد من رؤوس الأموال وضخها في المزيد من الشركات الناشئة على أمل بناء الجيل القادم من "اليونيكورن" في المستقبل.

بناء قصة شرق أوسطية – بناء علامة الشرق الأوسط في مجال التقنية

يمثل بناء العلامة التجارية تحدياً كبيراً. ولدينا علامات تجارية استثنائية مثل "طيران الإمارات" وحي جميرا التي حازت شهرة عالمية على مدار عقود. كما قامت "كريم" ببناء علامة تجارية شرق أوسطية عابرة للقارات والحدود الديموغرافية في فترة زمنية قصيرة. كل سوق في المنطقة لديه حساسياته الخاصة والاختلافات الثقافية، وبالتالي فإن بناء علامة تجارية موحدة أمرٌ صعب. وقد برهنت لنا "كريم"، نحن رواد الأعمال الإقليميون وأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية المغامرة على المستوى الدولي وشركات التكنولوجيا، أنه يمكن القيام بذلك. يمكن أن تكون العلامة التجارية ميزة تنافسية كبيرة على نطاق واسع، وكانت العلامة التجارية "كريم" ميزة قوية لأنها تنافس "شركة أوبر" في السوق. لقد رسمت "كريم" معالم الطريق للآخرين ليسيروا على دربها في المنطقة، وأثبتت أنه يمكن اجتيازه بنجاح كبير.

إحداث تغيير جذري في البنية التحتية لدفع النقود في مختلف دول المنطقة

يعتبر "الدفع عند الاستلام" الطريقة الرئيسة للدفع في معظم دول المنطقة وشكل عائقاً كبيراً أمام توسع الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط. وقد عانت "كريم" في بداياتها للتعامل مع إدارة النقد في العديد من أسواقها، لكنها تمكنت من حل تلك المشكلات بالمثابرة وإثبات أن الشركة تستطيع التعامل مع مبالغ نقدية بملايين الدولارات على نطاق واسع. واليوم، تتطلع الشركة إلى تقديم حل جذري لدفع النقود للشركات، بالاستفادة من شبكة سائقيها وتحويلهم إلى أجهزة صراف آلي تتعامل مع المدفوعات النقدية والتحصيل، وبربط الشركات بشبكة الدفع تلك للوصول إلى العملاء في نفس الأسواق التي تتواجد فيها "كريم". يعتبر هذا حلاً جذرياً لطريقة الدفع عند الاستلام ورغم أنه لم يتم تطبيقه بعد، إلا أنني أعتقد أن إطلاق هذه الميزة سيتيح الفرصة أمام معظم الشركات الناشئة في المنطقة للتوسع بشكل أسرع وسيكون له أثر كبر على النمو الشامل لتشجيع التقنيات التكنولوجية والشركات الناشئة في الشرق الأوسط.

كان لكل ما سبق أثر إيجابي هائل على منطقتنا. لم يكن بوسع أحد سير الأمور بالطريقة التي سارت بها، والتحول إلى حافز كبير للتغيير. ويرجع الفضل في كثير من ذلك إلى مرونة المؤسسين وطموحهم وحسن قيادتهم وفريقهم المذهل من موظفي "كريم". عندما شرع مدثر وماغنس على تأسيس هذه الشركة منذ سنوات، لم تكن توقعاتهما تقترب مما أنجزاه حتى الآن. وهذا خير شاهد على فضولهم وطموحهم وجهدهم وتفانيهم. وستكون الحكومات والحكام ورواد الأعمال والمستثمرين مدينين لهم بالشكر لعقود مقبلة. لن أنسى أبدًا الوقت الذي استثمرنا فيه في "كريم"، وسننظر دائماً إلى هؤلاء المؤسسين بوصفهم رواد التغيير الحقيقيين لمصير منطقتنا وأجيال المستقبل.

في النهاية، وبغض النظر عن المساهمين، سيواصل المؤسسون متابعة مهمتهم المتمثلة في بناء منصة إقليمية تمكن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا من التوسع بكفاءة في هذه المنطقة الجغرافية – وفيما يعتبر مثالاً على مثابرتهم، فعلى الرغم من تحقيق ثروة طائلة لأنفسهم، إلا أنهم سيستمرون في اللعبة إلى نهايتها وبما يعود بالنفع على منطقتنا.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND