آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



راكان طرابزوني
راكان طرابزوني
خبير تسويق وعلاقات عامة سعودي. وهو مدير إدارة العلاقات ال..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

"تكمن المشكلة في ظنّك أنه لا يزال أمامك متسع من الوقت". لنتأمل معاً هذه العبارة الشهيرة لوهلة من الزمن. نؤجل نحن البشر اتخاذ الكثير من القرارات في حياتنا لأننا نعتقد أنه يوجد متسع من الوقت أمامنا، للقيام بما نعتبره شغفنا الحقيقي، أو أنه ما زال أمامنا وقت للقيام بتلك الرحلة مع العائلة، أو أن هناك فسحة من الزمن لإتمام ذلك المشروع الشخصي الذي نتوق لإكماله. نظن أيضاً أن في جعبتنا ما يكفي من الزمن لدخول تلك العلاقة التي لطالما كنا خائفين من الالتزام المصحوب معها، أو نظن أن هناك وقت كافٍ للسعي نحو تحقيق أحلامنا الحقيقية. وبدلاً من اتخاذنا لقرارات بشأن مثل هذه الأمور، نكتفي بتأجيلها على أمل أن يحين الوقت المناسب لفعلها. لكن هذا التأجيل، في حقيقته، ما هو إلا أسلوب للهرب من مواجهة احتمال الفشل، لذلك نعلّقها ونلقي اللوم على عاتق الزمان واللحظة المناسبة، ففي حال لم نتمكن من تحقيقها أو لم تحصل، نبرر لأنفسنا أنه لم يحن وقتها بعد، وهذا كل ما هنالك، حسب زعمنا طبعاً.

لكن دعني أخبرك هذه الحقيقة، التي لربما خمنتها، وهي أنه ليس هناك ما يسمى باللحظة المناسبة أو المثالية، وما من توقيت نموذجي لاتخاذ قرار تود تحقيقه. ذلك أن كل لحظة تمضي، تعدّ لحظة مناسبة بقدر ما تستطيع الاستفادة منها واستغلالها، إذاً احرص على اغتنام كل لحظة واسعَ حثيثاً نحو ما تريد، ليس لاحقاً بل الآن في هذه اللحظة لا ذلك الوقت المناسب الذي قد يأتي. نتجاهل نحن البشر في غالب الوقت حقيقةَ أننا مخلوقات فانية تضمحلّ قواها بمرور الزمن، وأن الحياة الوحيدة التي لدينا هي التي نعيشها الآن، فنحن لسنا في لعبة فيديو، لدينا حياة واحدة فقط لا فرصاً إضافية فيها، لا مجال لإعادتها، ولسنا في مسرح كي نعتبر النسخة الأولى من العرض مجرد بروفا، والأهم من ذلك أن كلمة "النهاية" فيها قد تظهر على شاشة حياتنا في أي لحظة. في هذا السياق، تحدث اليوتيوبر محمد نصار عن مفهوم مهم سماه "تأجيل الحياة" وذكّرنا بأنه لا ينبغي علينا إطلاقاً أن نؤجل العيش اليوم بحجة أننا سنحيا في غدٍ آخر مجهول تماماً لدينا. من ناحية أخرى، ولأن الحياة قصيرة، لا بد ألا نغفل عن حقيقة وقوع التزامات ومسؤوليات حياتية على عاتقنا، لذلك نحتاج إلى ترتيبها وفق الأولوية. من هنا ندرك ضرورة تشغيل برنامج إدارة مخاطر في خلفية سطح مكتب ذهنك (بافتراض أنه حاسوب) كل مرّة تود فيها إنجاز أمر ما في الحياة. لاحظ أنني قلت "إدارة المخاطر" لا "الخوف من الفشل" لذلك لا تخلط بينهما لأنهما ليسا مترادفين https://www.youtube.com/watch?v=iMKk7_usZqk

مع ذلك، لا ينبغي التهور فقبل كل شيء عليك أن تكون مدركاً تمام الإدراك لرسالتك في الحياة، وتعرف عن يقين أحلامك وأهدافك التي تود السعي لها وتحقيقها على هذه الأرض. لا تقلق بشأن سرعة تحقق تلك الأهداف أو مقدار التقدم المُحرز فيها ما دمت مستمراً في السعي، متحمساً في رحلتك ومتخذاً الأسباب والخطوات العملية التي تفضي بك لاتمامها. بهذا الصدد، سمعتُ منذ بضعة أشهر، حلقة من بودكاست يتحدث عن اكتشاف قدرات المرء ورسالته في الحياة، والحواجز التي ننشئها بشكل لا واع لمنع أنفسنا من السعي لتحقيق أهدافنا وتطلعاتنا، تحدث البودكاست عن مجموعة من التمارين أعدها بعناية ودراسة خبراء في المجال بإمكانها حقاً مساعدتك على اكتشاف رسالتك في الحياة. تتمثل الفكرة في *"صندوق أدوات اكتشاف الذات" تشتريه، وتمضي قدماً في اجتياز مراحل ذلك التمرين، الذي يستغرق إتمامه عشر ساعات من الزمن على الأقل.

عندما اشتريت ذلك الصندوق وشرعت في اجتياز المراحل، عرفت أشياء عن نفسي لم تخطر لي على بال، أو على الأقل أشياء لم أرها من زاوية نظر مختلفة من قبل أبداً. سيساعدك هذا الصندوق على اكتشاف مجموعة متنوعة من المشاعر والأحلام والأمنيات والأهداف والرغبات التي لطالما كانت في وجدانك، ولكنك، ولسبب من الأسباب، قمعتها أو دفنتها عميقاً داخل نفسك. سيزيح الصندوق الستار عن أشخاص يشكلون جزءاً من حياتك الآن، لكن مكانهم ليس معك أبداً، كما سيشير الصندوق إلى أشخاص آخرين ينبغي أن يكونوا معك الآن لكنهم ليسوا كذلك. من ناحية أخرى، سيقدم لك التمرين الخطوات العملية اللازمة لتحقق أحلامك الخاصة. أما الأهم من ذلك كله، على الأقل بالنسبة لي، فهو أن الصندوق سيخبرك بأن الحياة أحلى مع الرفقة، وأن جميع البشر، بحاجة إلى رفيق يسندهم. ذلك أن شريك الحياة يجعلك قادراً على تحمّل لحظات الضعف والهزيمة، ويجعل لحظات النصر والنجاح أكثر بهجةً وفرحاً.

وأختم المقال بنصحك ألا تتوقف أبداً عن السعي حثيثاً لتحقيق أحلامك، وألا تتخذ من المخاطر التي لا تخلو منها الحياة حجة للبقاء على ما أنت عليه، ولن يسعك إلا الندم لاحقاً على توانيك عن فعل أمور مهمة بالنسبة لك لكن أوانها فات. استثمر في الأشخاص الذين تحلو معهم الحياة، واستثمر أيضاً في الشغف الذي تحلم بتحقيقه يوماً ما، ولا تقل في نفسك "لكن الأمر قد لا يستحق" فمعرفة ذلك يقيناً غير ممكنة إلا مع التجربة. الممتع في الأمر أنه لا شعور مبهج يعلو على مشاعر الإنجاز المذهلة التي ستجتاح كيانك عندما تدرك أنك كنت محقاً باتخاذ تلك الخطوات حتى لو كانت مخاطرة قد تربح أو تخسر. فقد تفصح عن مشاعرك التي تكنها لأحد الأشخاص، ويتبين لك أنه لطالما حمل لك في وجدانه نفس الشعور، أو تبدأ مشروعاً لتدرك بعدها أنه هذا هو بالضبط غرضك من العيش وما تريد فعله طيلة حياتك. صحيح أن أسوأ الاحتمالات أن تسفر النتيجة عكس ما تريده، لكن لا بأس بهذا أيضاً، لأنه من الأيسر عليك -وصدقني في هذا- العيش مع "لقد فعلت لكن للأسف" من أن تعيش على "يا تُرى ماذا لو فعلت ذلك.

وكما صاغتها إرين هانسون بشكل جميل في إحدى قصائدها، معبرة عن ذلك في حوار مع يرقة جاهزة لتتحول إلى فراشة، لكنها تخشى جداً أن تفشل في ذلك التحول وتسقط، "انظر إلى نفسك، مع أن هناك حريّة باتساع السماء تنتظرك هناك، حيثُ يهبّ النسيم العليل، ومع ذلك تنكمش على نفسك وتتساءل ماذا لو فشلتُ، لكن يا حبيبي تأمل معي، ماذا لو حلّقتَ عالياً في الجو؟.

*الصندوق تعدّه شركة VISOUL، واسمه برنامج التطوير الشخصي.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND