آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

إن الدور الكلاسيكي لمجالس إدارة الشركات هو التوجيه. يشمل هذا الدور وضع استراتيجية الشركة وإنشاء إطار وممارسات حوكمة من شأنها أن تمكِن من تحقيق الاستراتيجية. وقد سال الحبر بما فيه الكفاية في هذا الموضوع.

ثم أتى عامل خارجي عن الشركات وأثَر عليها وعلى طريقة القيام بالأعمال التجارية ودفع باتجاه تطور دور مجالس الإدارة: هذا العامل هو الأقلمة (Regionalization).

ماذا يعني ذلك وكيف يؤثر على دور المجالس؟

خلال القرن العشرين، كان التوجه نحو العولمة. وقد تيسر ذلك من خلال تطور أساليب التواصل: التجارة البحرية والنقل الجوي والإنترنت. على سبيل المثال، أتاح الإنترنت وصول شركة في الولايات المتحدة إلى أسواق الهند، مع حصولها على كافة المعلومات اللازمة وفي الوقت الآني، والعكس بالعكس. فحدث توسع للشركات مع جيل من عمليات الاستحواذ وذلك في الربع الأخير من القرن العشرين.

مع هذا التوسع، أصبحت الشركات الوطنية ذات الإمكانات والظروف المؤاتية، عالمية، حيث تطرح منتجاتها وخدماتها الأصيلة في الأسواق الجديدة.

بموازاة تطور التجارة والصناعة في هذا الاتجاه، وبشكل عام بموازاة التوجه العام الذي غذّى هذا الاتجاه، نمت معه جذور انعكاس التوجه، التي كانت تتمثل بانتشار معايير وممارسات العمل. اكتسبت الشركات المحلية والإقليمية المعايير هذه وأصبحت متساوية في المعرفة مع نظيراتها العالمية، مع وجود قيمة مضافة ألا وهي قربها إلى أسواقها، من حيث الثقافة وفهم احتياجات مناطقها بشكل أفضل، كونها في الأصل منبثقة من هذه المناطق.

مع مطلع القرن الحادي والعشرين، عادت التوجهات والأذواق إلى المستويات المحلية والإقليمية، مع المعايير والجودة التي كانت قد اكتسبتها الشركات الإقليمية. وقد سمح ذلك لهذه الشركات بالتطور لتصبح رائدة في أسواق تواجدها، ومكَنها ذلك من فرض ريادتها على الشركات العالمية في مناطقها.

لكي تحافظ الشركات العالمية على إنتاجيتها وتزدهر في القرن الحادي والعشرين، عليها التأقلم مع الديناميكية المستجدَة: عليها أن تتحول إلى شريك للشركات الإقليمية في حال رغبت في الدخول والبقاء في الأسواق الإقليمية، مع منتجات وخدمات مناسبة للمنطقة.

في موازاة ذلك، اتبعت الجغرافيا نفس التوجه: من الاحتكارات في التجارة وفردية الدول، إلى ظهور المناطق الجيوسياسية والتجارية التي تتشارك في الكثير من حيث القوانين والتنظيمات. بعد الحرب العالمية الثانية، تقبَلت العديد من الدول واقع أن الاستمرارية والازدهار قد لا يكونا مضمونين في شكل الدول فردية، ولكن ضمن مجموعة من الدول. من هنا أتى تشكيل دول لاتحادات وتجمعات في ما بينها والتي لديها الثقافات والهويات المتشابهة والجغرافيا المتقاربة، ولأغراض ذات طابع اقتصادي: رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية "نافتا"، و"الاتحاد الأوروبي" و"مجلس التعاون الخليجي"، من بين آخرين.

من خلال هذا العرض حول التحول في مكونات السلطة المتعلقة بالسياسة والتجارة، نصل إلى الاستنتاج التالي: التوجه للمستقبل المنظور يكمن في الشركات الإقليمية الراسخة في المناطق ذات الأسواق والتنظيمات المماثلة.

بالعودة إلى مجالس الإدارات، فقد أبدوا دائماً سلطتهم على المنظمة التي يديرونها. ولكن مع هذا التطور، سوف يظهر لها دور طبيعي: المناصرة "Advocacy". سيتعين على أعضاء مجالس إدارة الشركات الرائدة الذين يتمتعون بالخبرات وشبكات العلاقات الواسعة أن تتولى تدريجياً دور تعزيز مصالح التجارة والصناعة مع الهيئات التنظيمية الإقليمية بما يفيد المنطقة والأعمال التجارية وازدهار المجتمعات التي تعيش فيها.

مزيداً في التوجهات، يأتي هذا التطور بالتوازي مع الاستدامة وهو مبدأ أساسي يتم اعتماده بشكل متزايد من قبل الشركات.

بكل ما سبق، نصل إلى ثلاثة مكونات: الأعمال والمنطقة والمجتمعات، وإلى هدفين: الاستدامة والازدهار. جميعها مترابطة، وفي صميمها تقع العلاقة بين مجالس الإدارة والهيئات التنظمية. تتجلى صورة الترابط كالتالي: في منطقة معينة، من شأن عمل المناصرة من قبل أعضاء مجالس إدارة ذات خبرات وعلاقات، أو مجموعات من أعضاء المجالس هذه، مع الهيئات التنظيمية، أن يؤدي إلى رفع مستوى القوانين لتشجيع وتيسير ممارسة الأعمال، خاصة فيما يتعلق بسهولة التجارة وتعزيز الصناعة. هذا من شأنه أن يفيد الشركات الكبرى أولاً. ثم، وبمجرد أن تزيد هذه الشركات من القيمة لمساهميها وأعمالها، سيؤثر ذلك على المجتمعات التي تعيش في هذه المناطق وبالتالي على ازدهار المنطقة ككل. والعمل المتواصل على تحديث وتطوير القوانين والتنظيمات لملاقاة متطلبات العصر من شأنه أن يضمن بقاء المنطقة لاعباً في التجارة والصناعة الدولية، مما يجعلها مستدامة.

 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND