الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

قد تكون هناك أسباب وجيهة لفصل فيسبوك وإنستجرام وواتساب، لكن ضبط الخطابات ليس من ضمن تلك الأسباب.

بقلم: إيفلين دويك

 

في الثلث الأول من مايو (أيار) الجاري، ومن خلال مقالة رأي بليغة وتأملية في صحيفة "نيويورك تايمز"، ضمّ المؤسس المشارك لـ"شركة فيسبوك" كريس هيوز صوته إلى مجموعة الآراء المتصاعدة والتي تدعو إلى تفكيك الشبكة الاجتماعية.

يتركز معظم الجدل عموماً، فيما يتعلق باتخاذ إجراءات ضد "شركة فيسبوك" لمكافحة الاحتكار، على جمع البيانات والممارسات الخاصة بالخصوصية والآثار المترتبة على الابتكار، لكن هيوز يؤكد القوة الانفرادية التي يتمتع بها مارك زوكربيرج على خطاب أكثر من ملياري شخص، ويصفها بأنها "الجانب الأكثر إشكالية في نفوذ فيسبوك". بعد وصفه للقوة الهائلة التي لدى "شركة فيسبوك"، وزوكربيرج خاصة، فيما يتعلق بـ"تتبع وتنظيم وحتى فرض الرقابة" على المحادثات التي تجري في نطاق العالم، يدعو هيوز الحكومة إلى استخدام أدواتها الخاصة بمكافحة الاحتكار لتفكيك المنصة بحيث يمكن للمنافسة والمساءلة القائمة على السوق من أداء أعمالها، والتأكيد بوضوح أنّ الناس سيختارون نموذجاً أصح من الخطاب إذا كان لديهم فقط الخيار على منصة أخرى.

قد نتخذ كمجتمع قراراً بأنّ غياب المنافسة واقتحام الخصوصية قد يجعل تفكيك شركات التكنولوجيا الكبرى أمراً يستحق هذا العناء، لكن من المستبعد أنّ يحل هذا النهج القضايا المتعلقة بالخطابات، ففي بعض الحالات، قد يجعل ذلك الأمر أسوأ. ويبدو أنّ هيوز يقع فريسة لما يُعرف باسم "أثر مصباح الشارع"، وهو النزعة إلى البحث عن إجابات حيث يسهل البحث عنها، وقد سُمي هذا الأثر على هذا النحو بحسب طرفة قديمة حول رجل مخمور يبحث عن مفاتيحه تحت ضوء الشارع ليس لأنه فقدها هناك ولكن لأنّ ذلك هو المكان الذي يوجد فيه الضوء. في هذه الأوقات من حدوث نتائج عكسية فيما يتعلق بشركات التكنولوجيا، من السهل أن نشعر بأننا نتعثر في الظلام في مواجهة الارتفاع غير المسبوق للقوة الخاصة بمجموعة صغيرة من عمالقة شركات التكنولوجيا الكبرى خلال الكثير من النقاشات العامة. لكن علينا أن نكون محددين فيما يتعلق بالمشكلات التي نواجهها قبل أن نكون واثقين من إمكانية حلها (أو على الأقل الحد منها) من خلال جعل الشركات نفسها أصغر.

لنأخذ ما ذكره هيوز بأنه: "على عكس حال الكهرباء، فإنه لا حجة جيدة لدينا تؤكد أننا نستفيد من وجود شركة واحدة مهيمنة مختصة بمجال التواصل الاجتماعي". هل هذا صحيح؟ فمن خلال التواجد هنا في "جامعة هارفارد"، من السهل الشعور بأنّ العالم صغير وأنني لست بحاجة إلى "موقع فيسبوك" للبقاء على اتصال به، وبعد كل شيء، أنا محظوظة لأنني أتمكن من الوصول إلى الكثير من خلاله. لكن هذا ليس هو الحال في كل مكان أو بالنسبة إلى الجميع، (لقد اختلف الشعور بالتأكيد عندما كنت أعيش في أستراليا، البلد الذي أطلق عليه رئيس وزراء سابق اسم "الجزء الأبعد من العالم"). إنّ قدرة الأشخاص الذين يعيشون في الأماكن الأبعد أو ذوي الاهتمامات المتخصصة على إيجاد أشخاص لديهم أشياء مشتركة جعلت من الأسهل عليهم الاجتماع في مكان واحد. ويجب ألا يكون تفكيك المنصات اختزالاً لإدخال المنافسة على أمل أن تصبح بعض المنصات "الأفضل" ذلك المكان؛ إذا كان "الكِبر" هو مصدر قلقك الحقيقي. إذاً السؤال الذي يُطرح هنا، ما هو الأمر الذي يقلقنا حقاً؟

إذا كنا نشعر بالقلق بشأن روسيا أو القوى الأجنبية الأخرى التي تستخدم "موقع فيسبوك" وغيره من منصات التواصل الاجتماعي للتأثير على الانتخابات، كما ذكرت السناتور الأميركية والمرشحة الرئاسية إليزابيث وارين عند تقديم حجتها لضرورة الانفصال بموجب قانون مكافحة الاحتكار الأميركي، فإننا نحتاج أيضاً إلى الإقرار بأنّ غالباً ما تكون حملات التأثير هذه معقدة وتمتد عملياتها عبر المنصات التي تتطلب تدابير للتصدي بموارد كافية ومتخصصة ومنسقة. ومن الجدير بالذكر أنه لم يقدّم أي شخص حجة مقنعة للطريقة المناسبة حيث يمكن المضي قدماً في هذه الجهود من خلال تفكيك المنصة وإحداث المنافسة.

إذا كنا نشعر بالقلق بشأن ما يُعرف بغرف صدى المنصات الاجتماعية، حيث تتسبب وسائل التواصل الاجتماعي في جعل الناس يختارون بأنفسهم  مجتمعات متجانسة ولا يتعرضون إلى وجهات نظر مختلفة، فإنّ هيوز على حق في شعوره بالخوف من أنّ "المزيد من المنافسة في الشبكات الاجتماعية قد تؤدي إلى إصدار فيسبوك محافظ وآخر ليبرالي". وليس من الواضح بالنسبة إليّ أنّ العالم الأفضل هو ذلك الذي تكون وسائل التواصل الاجتماعي فيه منحازة، أو حتى مفصولة حسب العمر أو حسب الإقليم.

إذا كنا نشعر بالقلق بشأن خشونة الخطاب العام الذي يأتي من اقتصاد جذب الانتباه (Attention Economy) "للمشاركة المثلى"، فإنّ المنافسة المتزايدة في ذلك الاقتصاد قد يصب الزيت على النار.

إذا كنا نشعر بالقلق بشأن انتشار المعلومات المضللة أو خطاب الكراهية، ونأمل أن يقدم التدقيق في الحقائق أو الخطاب المضاد التدابير التصحيحية، فمن المفيد أن يكون لديك نطاق عام موحد لنشر هذه التدابير. إنّ الوتيرة الثابتة وتكاليف توخي الاعتدال في المحتوى تعني أنّ المنصات الحالية ذات الموارد الجيدة تفشل في التصرف بسرعة كافية لوقف المعلومات المضللة والحد من الكراهية. هل نحن على يقين من أنّ عدداً من المنصات الأصغر، وربما المجزئة على أساس استغلال القوميات الصغيرة ستؤدي عملاً أفضل؟

إذا كنا نشعر بالقلق، ويجب أن نكون كذلك بكل تأكيد، بشأن فشل "شركة فيسبوك" الذي لا يمكن تبريره أبداً في الاستجابة بسرعة أو على نحو مناسب بشأن استخدام منصتها لنشر خطاب الكراهية خلال الإبادة الجماعية المستمرة في ميانمار، فليس من الواضح أنّ وجود منصة محلية أو أصغر ستعمل أفضل بالضرورة. ضع في اعتبارك أنّ الكثير من المنشورات التحريضية نشرها أفراد من جيش ميانمار عمداً، والذي يتمتع بنفوذ كبير في المنطقة.

الأمر الذي يقودني إلى الشعور بالقلق من نوع آخر، هو الحاجة إلى المنصات للاعتراض على المطالب الاستبدادية (أو حتى مطالب الحكومة الديمقراطية) لفرض الرقابة على الكلام. وثقتي في المنصات التي تفعل ذلك اليوم ليست قوية، وأنا أشعر بقلق عميق حول ما يعنيه هذا بالنسبة إلى الشعوب المضطهدة. لكن على عكس هيوز، فأنا لا أثق بأنّ المنافسة والمساءلة القائمة على السوق ستحلان الأمر. لم يكن الربح غير القائم على البعد الأخلاقي مدافعاً قوياً عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وكما أشار ديفيد كاي، الممثل الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، فإنّ هيوز لا يخبرنا كيف قد يؤدي تفكيك "شركة فيسبوك" إلى إيجاد حلول للمسائل المتعلقة بالرقابة على الكلام عالمياً.

باختصار، هنالك الكثير مما يدعو إلى القلق. فأنا أشعر بالقلق! ولا يتعلق الأمر بأنه لا ينبغي تفكيك فيسبوك. لكن لا يمكننا إجراء هذا النقاش على نحو مناسب إذا لم نبدأ بالاعتراف بوجود مخاطر معقدة هنا تحتاج إلى تسوية. وقد يكون فصل انستجرام وواتساب عن فيسبوك استجابة سياسية جيدة للمشكلات الأخرى، لكن ذلك أيضاً لن يكون الحل لأكثر المشكلات استعصاء حول كيفية التخفيف من حدة الخطاب على أي منصة منفردة.

هذا ما يجعلني أكثر توافقاً بتوصية هيوز الأخرى، وهي الحاجة إلى رقابة حكومية وديمقراطية أكبر على ممارسات توخي الاعتدال على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي. ويدعو هيوز إلى إنشاء وكالة حكومية "لوضع خطوط توجيهية للخطاب المقبول على وسائل التواصل الاجتماعي". أنا شخصياً لست على يقين من أنني سأذهب في التفكير إلى هذا الحد، لكنني أشعر بالقلق، مثله، إزاء الطريقة الانفرادية وغير الخاضعة للمساءلة والمخصصة التي يستطيع مارك زوكربيرج من خلالها إملاء قوانين الخطاب على الكثير من الأشخاص. وإذا كنت شخصياً لا أؤمن بالمساءلة القائمة على السوق، فأنا أكثر تفاؤلاً بشأن المساءلة والرقابة الديمقراطية والتنظيمية. وإذا تم الأمر على نحو صحيح، فقد يؤدي ذلك إلى الشفافية والاستقلالية في إجراء المهمة الصعبة المتمثلة في تحديد الخطاب المسموح به وغير المسموح به في هذه المساحات التي تسهّل الكثير من قول الكلام العام المهم، وتحديد الخوارزمية أو التعديلات الأخرى التي يتم إجراؤها حول كيفية نشر ذلك الخطاب. إنّ الشفافية والاستقلالية في هذه القرارات هما حالياً أمران تفتقر إليهما إلى حد كبير القرارات المتخدة في "شركة فيسبوك" (وفي وادي السيليكون بصورة أعم).

لكن هذا سيواجه مقاومة مختلفة من قبل أولئك الذين يفكرون في أنّ تدخل الحكومة في هذه القرارات سيكون تدخلاً "غير أميركي"، أكثر مما يواجهه هيوز بقوله بإنّ سلطة مارك زوكربيرج غير مسبوقة. لقد تشكّل مبدأ التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة الأميركية بعمق من جرّاء عدم الثقة في دوافع الحكومة في تنظيم الخطابات. وبصفتي مواطنة غير أميركية، فإنّ قلقي من الحكومة لا يتعمق كثيراً بحيث أُقصي نفسي عن أمل أن يحل السوق هذه المشكلات الملحة، ولكن الآخرين قد لا يقتنعون بهذه السهولة. ربما ذلك لا يهم، إذ يبدو أنّ الدول الأخرى مستعدة للدخول في الفراغ الذي خلّفه تراخي الولايات المتحدة. ولكن بصفة أميركا هي موطن الولاية القضائية للعديد من هذه الشركات، فإنها تتمتع بسلطة أكبر لإلزام إحداث التغييرات في سلوك الشركة وإنشاء آليات رقابة قابلة للتنفيذ. إذ لم تتمكن "لجنة دولية كبرى" مؤلفة من مشرعين من تسع دول في إقناع زوكربيرج بحضور جلسات استماع في المملكة المتحدة العام الماضي، لكن مجلس الشيوخ الأميركي نجح على الأقل في ذلك (حتى لو كان ما حدث لا يمكن وصفه فعلياً بالرقابة المجدية).

يعلن هيوز أنّ "مرحلة مساءلة فيسبوك وغيرها من أشكال الاحتكار قد تبدأ"، ويجعلني هذا من أكثر الأشخاص الآملين بأن يكون ذلك صحيحاً. لكن عندما يتعلق الأمر بالحاجة إلى تقييد النفوذ الذي تمتلكه المنصات على الخطابات، فأنا لست على قناعة بأنّ المساءلة القائمة على السوق هي الحل. وسأستمر شخصياً في البحث في الظلام لإيجاد حلول لهذه الأسئلة الصعبة حقاً، بدلاً من الانضمام إلى الأطراف التي تبحث قرب مصباح الشارع.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND