آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

لتكون الكتابة بأفضل حالاتها تقتضي العزلة



الاقتصادي – خاص:

 

بقبضة الملاكم كان يتمسك الكاتب الأميركي إرنست همنغواي بجمله الواضحة والقصيرة في أسلوبه الروائي عندما يمجد التجارب الإنسانية، وبعين الصياد رأى إمكانية الإنسان على الصبر والمواجهة وكسب التحديات، وبقلم الصحفي تمكن من إيجاز أفكاره ومنحها روحاً واقعية، مستنداً إلى خبرته بتغطية الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الإسبانية.

الروائي الصحفي، والملاكم والصياد، حصد "جائزة بوليتزر" عن روايته "الشيخ والبحر"، التي أيضاً كانت سبباً لنيله "جائزة نوبل"، حيث أظهرت إتقانه فن السرد وقدرته على التأثير بأسلوب الرواية المعاصرة، لا سيما باستخدام تكنيك "الفلاش باك"، للربط بين تحديات يعيشها بطله المتخيل العجوز "سنتياغو".

وعام 1954، غاب إرنست عن حفل توزيع "نوبل" لاستلام جائزته وحضر خطابه، الذي أوكل مهمة قراءته لسفير الولايات المتحدة الأميركية في السويد آنذاك جون سي، وجاء فيه:

لا يمكن لكاتب على دراية تامة بالكتاب العظماء، أخذ "جائزة نوبل" دونما إبداء فائض من التواضع، ولا حاجة لسرد أسماء هؤلاء الكتاب بهذا الخطاب، فلكل منا قائمته الخاصة والتي بناها وفق معرفته ووعيه وضميره.

ويصعب علي أن أطلب من سفير بلدي قراءة خطاب نفثت فيه مكنون قلبي وكل ما يجول فيه، وربما لا يُدرك ما يكتبه أحدنا بشكل تام مباشرة من قبل الآخرين، وقد يمسك الحظ بيده ويحالفه، ليأتي منتجه النهائي واضحاً وجلياً، هذه التفاصيل بالإضافة إلى الكيمياء الخاصة بكل كاتب، إما ستساعده ليستمر أو ستطويه في النسيان.

والكتابة لتكون بأفضل حالاتها تقتضي العزلة، وبعض المنظمات التي تعنى بالكتَاب تنسف أهمية الوحدة في الإبداع والتأليف، وتجهد لتخفف من شعور الكاتب بالوحدة، وتدخله في نطاق المكانة الاجتماعية والقيمة بين الناس، لكنها لا تمنح بهذه الحالة وسائل لدعم وتنمية الكتابات والمؤلفات، فقط تخلص المؤلف من وحدته فحسب، لكن بالمقابل ستجعل أعماله على محك التقهقر والتردي. والكاتب يقدم وينتج عندما يكون لوحده، وإذا كان جيداً، عليه أن يواجه الشعور بالأبدية والعدم كل يوم.

وبالنسبة للكاتب الحقيقي، ينبغي أن يتنفس في كل كتاب  بداية جديدة له ومن خلاله، يحقق شيئاً لا يمكن بلوغه من جديد ويجب أن يسعى لإنجاز ما لم يفعله أحد على الإطلاق أو حاول الآخرون فعله وفشلوا، وببعض الأحيان ومع الكثير من الحظ سوف ينجح.

وكم ستكون كتابة الأدب بغاية البساطة، لو كان الأمر يتوقف فقط على إعادة صياغة الأعمال الأدبية السابقة بطريقة جديدة، وفي الماضي حظي العالم بكتاب عظماء على مستوىً رفيع، إذ كان يتحتم عليهم اجتياز حدود طاقاتهم ومقدرتهم، ممسكين زمام الشجاعة وقوة الاندفاع في طريقهم الصعب. وأوجز حديثي عن الكتاب بالقول: عليهم كتابة كل ما يريدون قوله، لا أن يتحدثوا عنه فقط.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND