الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: تايلور مالانت

خلال الاحتفال الضخم بيوم الاستقلال الأميركي في الرابع من يوليو (تموز)، قال الرئيس دونالد ترامب بفخر إن الولايات المتحدة سوف تغرز قريباً العلم الأميركي على سطح كوكب المريخ. وبينما يستمر إيلون ماسك في وضع خططه الخاصة للصعود إلى المريخ، تتطلع "وكالة ناسا" إلى إرسال رواد فضاء إلى الكوكب الأحمر خلال العقد الرابع من هذا القرن. دعنا نستبق الأحداث ونقول إنّ البشر وصلوا فعلاً إلى المريخ واستطونوا عليه، كيف سوف ننظم حياتنا هناك؟ وكيف سوف نخلق مجتمعاً؟

أمضى روبرت زوبرن، رئيس ومؤسس "منظمة مجتمع المريخ" (Mars Society) التي تدعو إلى استكتشاف الفضاء، العقود القليلة الماضية في العمل للإجابة عن هذه الأسئلة. منذ عام 1998، قدمت منظمته غير الربحية الدعم للبحوث ولكل جهة مهتمة بالمريخ سواء تلك الاستكشافات التي تمولها الدول أو البعثات الخاصة. تحدثت إلى زوبرن، مؤلف كتاب "دعوة إلى استكشاف الفضاء: كيف يمهد التطور في الرحلات الفضائية الطريق لمستقبل من الإمكانات غير المحدودة" (The Case for Space: How the Revolution in Spaceflight Opens Up a Future of Limitless Possibility)، حول التحديات العديدة التي تواجهنا في مراحل بناء مستوطنات المريخ المحتملة. إليكم نص المقابلة التي تم تحريرها وتركيز الأفكار فيها.

كيف تتصور بدء عملية استيطان المريخ، وما الذي سوف تبدو عليه المستوطنات الأولى؟

روبرت زوبرن: أرى أنها سوف تبدأ من خلال عمليات الاستكشاف، ثم سوف يتم بناء قاعدة دائمة على المريخ من أجل دعم تلك العمليات. أياً كانت الجهة الراعية لتلك القاعدة، سواء كانت الولايات المتحدة أو اتحاد دولي للحكومات أو جهات خاصة، سوف يكون من مصلحتها إلى حد بعيد أن يبقى الناس لفترات إضافية على سطح المريخ لأنّ أضخم النفقات تتمثل في نقل الناس ذهاباً وإياباً. إذا كلف إرسال شخص إلى المريخ والعودة به 100 مليون دولار، وهذا على أقل تقدير، فسيكون تقديم خمسة ملايين دولار لذلك الشخص من أجل البقاء هناك عامين إضافيين أمراً لا يحتاج إلى الكثير من التفكير. لذلك، أظن أنّ الناس سوف يبقون لسنوات إضافية على سطح المريخ، تماماً مثل حال أولئك الأشخاص الذين يقضون أوقاتاً أطول خلال رحلاتهم إلى القارة القطبية الجنوبية. سوف تنشأ العلاقات وينجب الناس أطفالاً بعد ذلك، وسوف يبدأ الاستقرار الفعلي وبناء قاعدة على المريخ.

بمجرد بناء تلك القاعدة، والتي ربما سوف تدعمها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون واليابانيون، سوف يبدؤون بتطوير جميع التقنيات اللازمة لخلق الموارد على كوكب المريخ، وسوف يصبح الانتقال بين الكواكب أقل تكلفة. في تلك المرحلة، يصبح من الممكن للبلدان الأخرى وكذلك الجهات الخاصة تقوم بإنشاء قواعدها على المريخ. وسواء كنا نتحدث عن مستوطنات ريادية، التي تحصّل إيراداتها بعيداً عن الابتكارات التي يستحدثها العاملون من أجل مواجهة التحديات على سطح المريخ، أو حتى الجهات الخاصة، سوف يكون هناك دائماً أشخاص لديهم أفكار جديدة حول طرق عيش البشر سوياً.

هل الشعور بالقلق مبرر إزاء حدوث صراعات محتملة بين تلك المستوطنات؟

أستبعد حدوث ذلك، لأنّ مساحة المريخ مساوية لجميع قارات كوكب الأرض، سوف يكون هناك متسع للجميع ولا يوجد سبب يجعل الناس تتصارع. وأعتقد أننا سوف نشهد الكثير مما نسميه "تجارب تعاون نبيلة بين البشر" إذا صحّ التعبير، أي ظهور أشخاص لديهم أفكار جديدة حول كيفية تنظيم المجتمع. بعض من تلك الأفكار سوف تكون جيدة وقابلة للتطبيق وبعضها الآخر لن يكون كذلك، وبالنظر إلى تلك الأفكار الجيدة فإنها سوف تنجح ويتبناها الناس، وسوف تزدهر تلك المستطونات وتجذب المهاجرين وتتوسع.

من ناحية أخرى، سوف تُخلق أفكار غير مجدية ولن تسهم في تقدم تجربة حياة أفضل للناس كما أنها لن تكون عملية من الناحية الاقتصادية، وبالتالي سوف تفشل تلك المستوطنات وتختفي. أما أولئك الذين سوف يقدمون أفكاراً أفضل فإنّ مستوطناتهم لن تزدهر فحسب، بل سوف يكونون بمثابة نماذج يُحتذى بهم لبقية البشر.

يسألني الناس حول "كيف سوف يكون شكل الحكومة على سطح كوكب المريخ؟" لا أعلم في الحقيقة لكنني أعتقد أنه سوف يكون هناك الكثير من الأفكار المختلفة والمجربة.

كيف سوف يكون شكل العمل على كوكب المريخ؟

سوف يدفع النقص في العمالة مستوطنات المريخ ليس فقط إلى استخدام الآلات الموفرة للعمالة، ولكن سوف يدفعها أيضاً إلى اللجوء للسبل التي توسّع نطاق العمل من حيث الحجم والتنوع، ويشمل ذلك الاستعانة بالروبوتات والذكاء الاصطناعي على سبيل المثال. وبالطبع، فإنّ حقيقة وجود مساحة محدودة للزراعة تعني أنّ الناس سوف يكونون مدفوعين للابتكار في التكنولوجيا الحيوية، وسوف يكون لديهم القليل من الصبر حيال الأفكار التي تُفضي إلى السيناريو التالي: "ماذا لو انتشرت الطماطم القاتلة؟" لماذا لا نخضعها للدراسة لمدة 40 عاماً قبل جعل الناس يتناولونها؟" أعتقد أنّ ثقافة المريخ سوف تكون عملية وخلّاقة. وسوف يكون لتلك الابتكارات التي يخرج بها الناس على المريخ لمواجهة تحدياتهم قيمة على الأرض، وسوف يسجلون براءات اختراع لتلك التقنيات الجديدة على الأرض ويأخذون تصاريح  لاستخدامها، وهكذا سوف تحقق مستوطنات المريخ الإيرادات. إنّ أسهل ما يمكن نقله عبر المسافات البعيدة بين الكواكب هو المعلومات.

أيمكن أن تحاكي بعض مجتمعات المريخ الأنظمة والمؤسسات والقواعد وما شابه ذلك من الترتيبات الموجودة أصلاً على الأرض؟ وذلك توخياً للراحة

ربما بعضها، لكن الوضع سوف يكون مختلفاً هناك، وقد نقول لأنفسنا: "هل سنهدر حقاً كل ذلك الوقت وكل تلك الموهبة ونمنع أنفسنا من تسخير هذين العاملين في مقابل التعقيدات الروتينية بصورة أساسية؟" تملي الواقعية علينا الاستفادة الكاملة من الموهبة المتاحة، وأعتقد أنّ هذا سوف يكون سمة من سمات مجتمع المريخ ولا يمكنني تصوّر عكس ذلك.

متى سوف نرى المدارس ودور العبادة والمنظمات المجتمعية في طور الإنشاء؟

أظن أنه سوف يكون لدينا شكل من أشكال المدارس بمجرد البدء في إنجاب أطفال. يمكن أن تختلف تماماً عما لدينا الآن، وأعتقد أيضاً أنّ الناس سوف يتلقون الكثير من التعليم العملي. بالنسبة إلى دور العبادة، فإنّ الكثير من الطقوس التي نقوم بها هناك مرتبطة حقاً بتكوين الأسرة، وأعتقد  بالتالي بأنها سوف تصبح أكثر أهمية مع بدء الناس في تشكيل تلك الأسر.

ماذا عن الأماكن العامة والمساحات المفتوحة المخصصة لأغراض النقاش والحوار؟

في أي مكان على الأرض وفي جميع المجتمعات تقريباً، توجد اليوم حدائق ومساحات مفتوحة من نوع معين. وأظن أنّ مدن المريخ سوف تكون بالتأكيد مدن ملائمة للمشي (هناك توجه من قبل أهم المدن نحو التخلي عن وسائل النقل). سوف نخلق مجتمعاً هناك، وتجري "منظمة مجتمع المريخ" حالياً تلك المنافسة من خلال تصميم مستوطنات على المريخ تضم 1,000 شخص بوجود العديد من المراكز المختلفة مع الأخذ بعين الاعتبار التكنولوجيا والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجمالية.

هناك نقطة أخرى أود توضيحها وقد أشرت إليها في وقت سابق، ألا وهي أنّ هناك بعض الناس كتبوا حول المجتمعات خارج كوكب الأرض وكيف أنها ستكون مجتمعات مستبدة لأنه يمكن للحكومة منع الهواء عن الناس وبالتالي قتلهم، إلا أنني أعارض تلك الفكرة بشكل كامل. في العصور الوسطى، كان لديهم قول مأثور وهو: هواء المدينة يجعل الإنسان حراً، إذ كان يشعر الشخص في المدن بأنه أكثر حرية من البلدة. كلما أصبح المجتمع أكثر تعقيداً ازداد ترابطه وازدادت أهمية وجود النوايا الحسنة لدى كل مواطن، لأنّ من شأن شخص واحد تخريب مستوطنة من مستوطنات المريخ. ذلك ما كان يحصل في الماضي، فكلما تعزز عنصر التعقيد تطلّب وجود احترام أكبر من قبل المجتمعات المتقدمة لأفرادها، لأنّ الجميع ذو أهمية ويتعين على حكومة في مثل تلك الأماكن التعامل مع السكان بطريقة صحيحة.

في النهاية، سوف يتقدم المريخ أكثر من غيره إذا كان هناك عدد من المستوطنات التي تخلق ابتكاراتها الخاصة، وكل واحدة منها تختبر طرقاً جديدة لإنجاز المهمات. ويصب هذا في نهاية المطاف في مصلحة الجميع إذ سوف يكون المريخ مثالاً يحتذى به من قبل المجتمعات على الأرض.

يتحدث الناس حول المخاطر الحالية التي تواجه الإنسانية مثل الاكتظاظ السكاني أو الاحتباس الحراري أو استنفاد الموارد أو ارتطام الكويكبات. أظن أنها أفكار سيئة بالفعل، ومن حيث المبدأ هناك فكرة واحدة سيئة كانت سبب حدوث جميع كوارث القرن العشرين ألا وهي عدم وجود ما يكفي لجعل الناس يتكاتفون حوله. من خلال العمل سوياً، وأعني هنا العمل على نطاق واسع جداً وكجزء من مشروع شامل لفتح السبل أمام البشرية نحو الفضاء. ما يراه الناس هو أنه ليس صحيحاً أنّ هنالك الكثير لاستكشافه لأنّ الأرض أتت من السماء اللامتناهية. في الحقيقة، لهذا السبب أنا منخرط في هذه القضية، لأنّ الطريقة التي نتصور بها المستقبل هي ما تحدد الأحداث التي سوف تمر بها الإنسانية.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND