الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: جابرييل ريجوي

 

يمكن للراغبين بإنجاب الأطفال على سبيل المثال استخدام تطبيقات تساعدهم في تخزين بياناتهم الخاصة، ويجري تذكيرهم بالمواعيد المهمة، بدلاً من إرهاق أنفسهم بمحاولة تذكّر تلك المواعيد (أو كتابتها في دفتر الملاحظات الذي قد يفقدونه أو ينسون استخدامه). كما يمكن لتلك التطبيقات تتبع معلومات شخصية أخرى حول أجسادنا ونشاطاتنا، بما في ذلك الوزن والمزاج إلى جانب أمور أخرى. إنه شيء رائع بالفعل.

يبقى الأمر رائعاً طالما لم يحصل صاحب العمل الذي تعمل معه على نسخة من تلك البيانات مقابل الدفع لقائها. ففي أبريل (نيسان)، ذكرت "صحيفة واشنطن بوست" أنّ "تطبيق أوفيا" (Ovia)، وهو تطبيق تستخدمه النساء الحوامل لتتبع حالة الجنين، يسمح لأصحاب العمل بتزويد التطبيق بحسابات للموظفين كجزء من برامج الصحة الخاصة والوصول إلى كامل بيانات الموظفين المقدمة. كما يمكن لأصحاب العمل استخدام تلك المعلومات لاتخاذ قرارات بشأن التوظيف أو الترقية أو دفع التعويضات، الأمر الذي يعدّ انتهاكاً للقانون الفيدرالي، لكن هذا لا يعني عدم حصوله. قد يكون الأمر خطيراً على نحو خاص بالنسبة إلى القليل من النساء في مكان العمل، حيث توفر البيانات التي "تحجب الهوية" حماية محدودة من التمييز المحتمل.

إنّ "تطبيق أوفيا" هو مثال على سعي أصحاب العمل للحصول على مزيد من المعلومات حول موظفيهم، ويتوقعون من أولئك الموظفين أيضاً مساعدتهم من خلال المراقبة الذاتية. رغم هذا، إذا كنت ترغب في متابعة المداولات الدائرة حول الخصوصية في واشنطن العاصمة، فإنك ستسمع القليل في هذا الخصوص. إذ يغفل النقاش الدائر في الولايات المتحدة حول إقرار قوانين الخصوصية عامل حماية الموظف من انتهاك خصوصيته في مكان العمل، ويتمحور حول "خصوصية المستهلك" فقط، لكن هذا التمييز يخلق ازدواجية باطلة مع أشكال حماية مختلفة للمستهلك وللموظف.

مراقبة الموظفين ومكان العمل ليست ظاهرة حديثة، فمثل حال الأقليات العرقية والمهاجرين والأقليات الدينية، فإنّ الفقراء والعاملين مراقَبون منذ أمد طويل على نحو جائر من قبل أصحاب عملهم والحكومة. أرسل هنري فورد على سبيل المثال محققين إلى منازل عمال مصنعه لطرح الأسئلة عليهم وفحص منازلهم لتقييم وضعهم الأخلاقي. فانطلاقاً من شعوره بالقلق إثر ارتفاع معدل دوران الموظفين، أراد فورد التحقق من أنّ العاملين لديه يتوافقون مع توقعاته التي يضعها على الصعيدين الاجتماعي والأخلاقي. وتسللت "وكالة المباحث بنكرتون" إلى مجتمعات العمال الذين يعملون في مجال التعدين وإلى النقابات، بناء على توجيهات أصحاب رأي فض النقابات، وكانت النتيجة أن جمع المحققون معلومات لتعطيل العمل المنظم وحل النقابات.

من تسعينيات القرن السادس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، راقب المشرعون الإنجليز الفقراء الذين تلقوا مساعدات مالية، وحسب "قانون الفقراء" الذي أصدروه، تطلّب من الفقراء المعدمين العمل مقابل الحصول على المزايا. كما حملت السياسات بين طياتها آليات للسيطرة الاجتماعية، فيمكن للمسؤولين استخدام ذريعة التغيب عن حضور القدّاسات الكنيسة والتصرف على نحو غير محبب لخفض الدعم أو حجبه. ووفقاً للمؤرخ ستيف هيندل، فقدت إحدى النساء الإعانة التي تتقاضاها بعد رفضها الزواج من الرجل الذي اعتدى عليها. كما استند تطبيق قانون الفقراء أيضاً على الجيران للإبلاغ عن بعضهم الآخر.

لكن في تلك الأوقات، كانت عمليات المراقبة تواجه بعض القيود، فلا يمكن للمحقق سوى تتبع عدد محدود من العمال في وقت واحد، وكانت العملية مكلفة وتستهلك الكثير من الموارد.

مع مرور الوقت، أصبحت المراقبة أكثر تطوراً وتنطوي على تفاصيل أكثر ومنتشرة على نطاق أوسع. لقد انتقل أصحاب العمل من الاستعانة بالمخبرين البشر إلى مسح رسائل البريد الإلكتروني للموظفين أو مراقبتهم عبر "موقع ريديت". في يوليو (تموز)، فُصل أحد موظفي "شركة وول مارت" لنشره معلومات سرية حول أحد برامج وول مارت الجديدة على رابط فرعي يستخدمه موظفو وول ماررت الآخرون. ردّ الأعضاء بنشر "الميمات" المؤيدة لنقابات العمال (إذ تُعرف شركة وول مارت بأنها مناهضة لتلك النقابات).

لكن المراقبة امتدت إلى أبعد من التجسس على الاتصالات، وكذلك، بدلاً من سؤال كبير العمال حول إنتاجية أحد الموظفين، يمكن لصاحب العمل سحب هذه المعلومات من أحد التطبيقات، وهو شكل جديد من المراقبة التي أصبحت ممكنة مع الخوارزميات. على عكس الطرق السابقة للمراقبة، تطلب الخوارزميات من العمال مراقبة أنفسهم وتقديم تقارير عنهم، ويخزن ذلك المدير الاصطناعي (الخوارزمية) مدخلات العامل ويديرها ويجمع المعلومات باستمرار. إنه يعرف موقعك ومقدار العمل الذي أنجزته بالتفاصيل الدقيقة، فتحمّل الفنادق مثلاً تطبيقات لمدبرات الغرف لتتبع سير العمل. يعرف التطبيق في أي غرفة تتواجد مدبرة الغرف، ذلك لأنّ المدبرة نفسها تعطيه علماً بمكانها، وتخبره عن المدة التي استغرقتها في تنظيف الغرفة. كما تتابع الخوارزميات أوامر الشراء التي أنجزها عمال المستودعات، والكيلومترات التي قطعها سائقو الشركات التي تعمل في مجال خدمات النقل. وغالباً ما يتعذر على الموظفين تعطيل تلك التطبيقات دون التعرض لعقوبات، وفي بعض الحالات، مثل العمل في مجال النقل وتوصيل الطعام، سيكون من المستحيل حرفياً العمل من دون التطبيق.

يفقد العمال الحماية كلما اشتدت المراقبة وتوسعت، ويمكن أن يعطي التفاوض الجماعي للعمال فرصة للوقوف في وجه تلك المراقبة، لكن قلة منهم لديه هذه الفرصة. في ذروة موجة العضوية النقابية، انضم واحد من كل ثلاثة أميركيين إلى النقابة، أما اليوم، فأصبح شخص واحد فقط من أصل عشرة أشخاص ينضمون إليها. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ العمال الأكثر تأثراً بالخوارزميات مشتتون ويواجهون صعوبات من نوع خاص في تنظيم العمل الجماعي. في شهر مايو (أيار) على سبيل المثال، نظم سائقو شركتي "أوبر" و"ليفت" إضراباً للاحتجاج على طرح أسهم "شركة أوبر" للاكتتاب العام. بيد أنه ومن دون مكان مركزي للتواصل، لم يعلم بعض السائقين بالاحتجاج إلا أثناء الإضراب أو بعد انتهائه.

يحتاج العمال إلى الحماية من توسّع نطاق المراقبة والسيطرة. لكن إذا لم تؤت مداولات "الكونجرس" الحالية بأي نتائج، فإنّ المواطن الأميركي العادي لربما يحظى قريباً بحماية من عمالقة التكنولوجيا وشركات الاتصالات أكثر مما قد تقدمه له الشركة التي يعمل فيها. يتأثر سلباً كل من المستهلكين والعمال نتيجة الاستخدامات غير المصرح بها أو المؤذية لبيانات تحديد الموقع الجغرافي، إلا أنه يجري تناول قضايا المستهلك فقط مع تجاهل تلك الخاصة بالعمال. بعد أن ذكر "موقع فايس" أنّ صائدي الجوائز كانوا يشترون معلومات تحديد الموقع الجغرافي للمستهلكين من شركات الهواتف المحمولة (وقد زُعم أنّ اثنين منهم انخرطا في جريمة قتل ثلاثية مطلع هذا العام)، دعا مفوّض "هيئة الاتصالات الفيدرالية" جيفري ستاركس وسناتور ولاية أوريغون رون وايدن إلى اتخاذ إجراءات أو تغيير في السياسات لوقف عمليات بيع هذه البيانات. على الرغم من ذلك، يمكن لأصحاب العمل الوصول مباشرة إلى بيانات الموقع الجغرافي لموظفيهم من خلال تطبيقات الأجهزة المحمولة، وليس هنالك أي إجراء قيد البحث في "الكونجرس" الأميركي إلى الآن. ينبغي أن يتمتع العمال بالخصوصية على بياناتهم كما المستهلكون، وإلا فإنهم سوف يُحشرون دائماً في مكان بحيث يجري مراقبتهم.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND