آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



ناصر عبدالمهيمن عبدالعزيز
ناصر عبدالمهيمن عبدالعزيز
خبير اقتصادي. حاصل على ماجستير في المحاسبة عام 2008 من "ج..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

تتعدد مؤشرات الحكم على مدى جودة الحكومات، فمنها ما يرتبط بالقدرة على جذب الاستثمارات، ومنها ما هو مرتبط بالقدرة على تطبيق حزمة من برامج الإصلاح الهيكلي لضمان تحقيق إعادة هيكلة قطاعات الدولة وأنشطتها، كما قد يعتمد التقييم على جوانب أخرى، كالأوضاع الإقليمية، والظروف الاقتصادية والأزمات المحيطة، وبالرغم من أهمية تلك المؤشرات، إلا أنني أرى أن قدرة الحكومة على تطبيق سياسات مواجهة الفقر ناجحة وما يتبعها من تحسينات بالمستوى المعيشي للمواطنين كانت وستظل صاحبة السيادة بين مختلف مؤشرات تقييم جودة الحكومات وأدواتها، لقدرتها على توطيد العلاقة بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها، ومدى قدرتها على مراعاة اعتبارات العدالة وإعادة توزيع الثروة فيما تنتهجه الحكومات من سياسات اقتصادية واجتماعية.

هذا وقد حظيت كثير من آليات الحماية الاجتماعية باهتمام عدد من المؤسسات التنظيمية دولية كانت أو محلية نظراً لقدرتها على إحداث تغييرات ملموسة في الظروف المعيشية لأفراد المجتمع، باعتبارها مدخلاً لتدعيم القدرات البشرية والمسارات التنموية. وبالرغم من تعدد آليات الحماية الاجتماعية، إلا أنني أرى الواقع العملي قد أثبت أن الدعم السلعي للفقراء يعتبر أحد أهم آليات سياسات مواجهة الفقر لقدرته على توصيل الدعم إلى مستحقيه بشكل مباشر، ويمكن تعريف الدعم السلعي على أنه توفير السلع بأسعار تقل عن تكلفة إنتاج هذه السلع، وقد تنبع أهمية الدعم السلعي من ارتباطه الشديد بطائفة كبيرة من الشعب -خاصة بالبلدان الفقيرة- ومن هنا صار الدعم السلعي أحد أهم منغصات الحكومات.

ورغم تعرض آلية الدعم السلعي لكثير من مخاطر الفساد والغش والتلاعب، إلا أن كثيراً من الحكومات لا يمكنها إجراء تعديلات قوية على ما توفره من دعم سلعي لمواطنيها، ففي دراسات أعدها مختصون من خبراء "صندوق النقد الدولي" بينت أن الحكومات التي تُقدم على فطام شعبها عن الدعم الذي استمر عقوداً طويلة، يجب أن تحظى بتأييد شعبي جارف لتجنب الاحتجاجات التي قد تتحول إلى ثورة جياع، خاصة وأن الطائفة متلقية الدعم السلعي كثيراً ما يكون لديها عدم الرضا، لشعورها بأن هناك ما هو أفضل مما تحصل عليه، ولذا فملف الدعم السلعي يعتبر من الملفات الشائكة والتي يجب الاهتمام بها ودراستها بعناية كافية قبل اتخاذ أي قرار بها، لضمان تحسينها، وتقليل ما يواجهها من مخاطر، فالحد من الفقر ودعم الفقراء ظل وسيظل "هاجس الحكومات"، ففي كثير من الحالات لا يضع المسؤولون نصب أعينهم سوى ملف الفقراء وما يحويه من مشكلات لمواجهتها، ولذا استهدف هذا المقال بيان مدى قوة العلاقة بين أوضاع هذه الطبقة محدودي الدخل (الفقراء) من ناحية، وبين ما يشهده المجتمع من تطورات اقتصادية، وذك بالتطبيق على المجتمع المصري.

وكما هو معروف أن خط الفقر هو أقل ما يحتاجه الفرد/ الأسرة من الدخل ليكون بالإمكان توفير مستوى معيشي ملائم، ولذا فهو مؤشر للدخل المناسب، والذي تُحدده وتراجعه كل دولة بشكل مستمر، ويتم تصنيف من ينخفض دخله عن هذا الخط على أنه من الطبقة الفقيرة رسمياً، ويحتاج لتوفير رعاية مناسبة، وطبعاً يختلف حجم وطبيعة الرعاية التي يحظى بها الفقراء من بلد لآخر اختلافاً كبيراً، ووفقاً لتقدير "البنك الدولي" فخط الفقر يتمثل في دخل يومي لا يقل عن 1.9 دولار. ومن هنا يظهر مصطلح الفقر المضجع absolute poverty وهو يتمثّل في العجز عن توفير تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية من مأكل وملبس ورعاية صحية وكذلك مسكن.

وبحسب بيان لـ"الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء"، فإن نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفعت إلى 32.5%، وفقاً لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2017- 2018. وكانت نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بلغت 27.8%، وبحسب بحث الدخل والإنفاق لعام 2015. وخط الفقر الكلي يشير إلى الحد الأدنى من الدخل الذي لا يمكن للفرد تلبية احتياجاته الأساسية إذا لم يحصل عليه، ويختلف تقديره من منطقة لأخرى داخل مصر، نتيجة لاختلاف تكلفة معيشة كل منطقة.

ولقد حدد الجهاز خط الفقر في مصر عند مستوى 8,827 جنيهاً في السنة، وهو ما يعادل حوالي 735.5 جنيه شهرياً، وفقاً لنتائج بحث الدخل والإنفاق لعام 2017-2018، وذلك مقابل 5787.9 جنيه سنوياً، أو نحو 482 جنيهاً شهرياً، في البحث السابق لعام 2015. وبحسب ما أعلنه الجهاز فإن خط الفقر المدقع للفرد في مصر في بحث الدخل والإنفاق لعام 2017-2018 بلغ 5,890 جنيهاً في السنة، أي ما يعادل نحو 491 جنيهاً شهرياً.

يتبين من هذا الرسم التوضيحي أن نحو ثلث الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر، كما أنه وفقاً لهذه البيانات، فهناك استمرار في ارتفاع نسبة المصريين الموجودين تحت خط الفقر، فبعد أن كانت هذه النسبة 21.6% في 2008، ارتفعت لنحو 25.2% خلال 2010، ثم استمرت في الزيادة لنحو 26.3% خلال 2012، وتمادت في الارتفاع لتصل لنحو 27.8% خلال عام 2015، حتى بلغت نحو 32.5% من إجمالي عدد السكان.

بعد أن تم بيان ما شهده حجم الفقراء في مصر من تطورات خلال عشر سنوات (2008: 2017) سنتناول فيما يلي تحليلاً لما شهده اقتصاد مصر من تطورات، وذلك من خلال تحليل تطور معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر. حيث يعد الناتج المحلي الإجمالي أحد أهم مؤشرات بيان تطور الأوضاع الاقتصادية في أي بلد، ويمكن تعريفه بأنه قيمة السلع والخدمات المتاحة في أي بلد، وفي مصر شهد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي تغيّرات ملحوظة خلال السنوات من  08/2009 وحتى 17/2018، حيث شهد 12/2013 تراجعاً في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بتكاليف عوامل الإنتاج والأسعار الجارية ليسجل 12.4% مقارنة بمعدل نمو بلغ نحو 30.8% في العام السابق، واستمر الوضع على هذا النحو ليشهد 15/2016 تحقيق مصر لأدنى المستويات خلال الفترة محل التحليل، حيث بلغ معدل النمو نحو 8.1%.

واستناداً إلى ما تقدم، يمكنني التأكيد أن هناك علاقة قوية بين ما يشهده الاقتصاد من تغيرات من ناحية، وبين سياسات الحد من الفقر من ناحية أخرى، فقد تبين أن أعداد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر لم يكن في منأى عما شهدته معدلات تطور الأداء الاقتصادي من اهتزازات، وعليه تجدر الإشارة إلى أن ما يشهده الاقتصاد من أزمات لا بد وأن يكون لها مردود فيما تنتهجه الحكومات من سياسات لمواجهة الفقر والحد من عدد الفقراء من مواطنيها، فالتوترات الاقتصادية وتراجع معدلات النمو الاقتصادي تستدعي اتخاذ قرارات قد تكون ذات آثار سلبية على طوائف المجتمع الأكثر احتياجاً (الفقراء).

ختاماً نود التشديد على أن وجود حملة إعلامية مدروسة جيداً وحوار تشاوري أمر حاسم لنجاح ما هو مستهدف من تغييرات في برامج الحماية الاجتماعية، فعلى الحكومات أن تناضل بقوة من أجل تعديل بعض الإعانات، وعلى الحكومات أن تتوقع رد فعل عنيف، يمكن التغلب عليه بالحملات الإعلامية العامة، وتشاور شعبي واسع، والتوسع في تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم برامج التدريب لتنمية الخبرات المهنية، مع الاستمرار في توفير الدعم للطبقات الأكثر فقراً سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل، بما يضمن القدرة على مواجهة أي مخاطر اقتصادية أو اجتماعية، وكذلك الاستمرار في تحليل وإعادة صياغة السياسات العامة للدولة في عدة محاور رئيسية، وذلك في ظل تعديل أساليب إدارة الموازنات الحكومية والإنفاق العام.

 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND