الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: إبريل جلايزر

 

انخرطت "شركة أبل" في نشاط تجاري جديد في أوائل هذا الشهر، وهو تصنيع أغطية حرارية لأجهزة أبل طُبع عليها شعارات "الرابطة الوطنية لكرة السلة" (NBA) التي واجهت مشكلة مع الحكومة الصينية بسبب موقف المدير العام لـ"فريق هيوستن روكتس" المؤيد لمظاهرات هونغ كونغ، في المقابل، أزالت الشركة من "متجر آب ستور" الخاص بها تطبيقاً يسمى "إتش كيه ماب لايف" (HKmap.live)، الذي كان يستخدمه المتظاهرون في هونج كونج لمعرفة مكان تواجد الشرطة وسط المظاهرات المؤيدة للديمقراطية ضد الحكومة الصينية التي اجتاحت المدينة منذ شهور. في الأيام القليلة الأولى التي توفر فيها "تطبيق إتش كيه ماب لايف"، أصبح تطبيق السفر الأكثر تحميلاً في هونغ كونغ وفقاً لـ"صحيفة نيويورك تايمز" لحين تصاعد شكاوى السلطات في المنطقة الإدارية الخاصة ووسائل الإعلام الرسمية الصينية. قالت الشركة إنها عادت ورفضت الموافقة المبدئية للتطبيق لأنه "ينتهك الإرشادات والقوانين المحلية"، حيث إنه "يُستخدم بطريقة تسبب الضرر مثل استهداف أفراد الشرطة والعنف والإيقاع بالأفراد والاعتداء على الممتلكات التي لا يوجد فيها رجال شرطة".

إليك طريقة عمل "تطبيق إتش كيه ماب لايف" فعلياً، فقد جمع التطبيق الخاص بالخرائط البيانات المتاحة من مصادر وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، ولم يُظهر مواقع محددة للشرطة الأفراد، وهناك فاصل زمني قبل أن تظهر البيانات على التطبيق، هذا وفقاً لما ذكره المدون والناشط ماسييج سيجلوفسكي، الذي كان في هونغ كونغ منذ شهور. وأدان تشارلز موك، وهو أحد المشرعين في هونغ كونغ، قرار "شركة آبل" مشيراً إلى أنّ التطبيق كان يستخدم من قبل السكان الذين يريدون تجنب الغاز المسيل للدموع، وأضاف إنّ بعض السكان يشاركون المعلومات المتعلقة بنشاط الشرطة لتجنب المضايقة. وقال موك في رسالة موجهة إلى الرئيس التنفيذي لـ"شركة أبل" تيم كوك، إنّ فيسبوك وتويتر وتطبيقات آي أو إس الأخرى المتاحة على "متجر آب ستور" في هونغ كونغ تسمح للمستخدمين بفعل الأمر نفسه، والمبرر الذي قدمته "شركة أبل" كان زائفاً وطُبق بصورة متفاوتة.

كانت ردود الفعل السلبية على قرار "شركة أبل" سريعة، وهو موقف نادراً ما تتعرض له علامة تجارية لا تواجه النقد عادة إلا عندما تكون أجهزتها الجديدة مملة للغاية. ولكن ما لم تكن "شركة أبل" قادرة على إثبات ادعاءاتها حول التطبيق الذي يُستخدم لتسهيل العنف، ولم يحدث هذا حتى الآن، يبدو أنّ هذا يمثل حالة من حالات الاستسلام للشركة أمام الحكومة الصينية التي تعتمد عليها اليوم اعتماداً كبيراً، خاصة بعد أيام من تعرض "الرابطة الوطنية لكرة السلة" للاتهام بفعل الأمر نفسه، لدى "شركة أبل" أعمال بمليارات الدولارات في الصين، وهي تصنع هواتفها هناك حالها حال الشركات الأخرى، ولا ترغب عموماً في إغضاب قادة البلد. لكن هذا الموقف صادر عن شركة ناضلت من أجل الحريات المدنية في أميركا، حيث اتخذت موقفاً لصالح خصوصية المستخدم، ذلك في مواجهة طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بإلغاء قفل جهاز آيفون الخاص بأحد منفذي هجوم سان بيرناردينو، وهو ما يناقض إجراءاتها المتخذة في هونغ كونغ.

هذه ليست المرة الأولى التي تخالف فيها "شركة أبل" القيم الديمقراطية لصالح الحكومة الصينية. ففي عام 2017، ساعدت الشركة على دعم الحكومة الصينية من خلال حذف أكثر من 60 تطبيقاً، ذلك لتوجيه ترشيح محتويات موارد الإنترنت في الصين. كما أزالت "شركة أبل" أيضاً تطبيق "صحيفة نيويورك تايمز" من الصين وتطبيق "موقع الكوارتز" الإخباري في أوائل هذا الشهر، وهو ما وصفه الرئيس التنفيذي لـ"شركة كوارتز" بـ"الرقابة الحكومية على الإنترنت". في أوائل هذا الشهر، أزالت "شركة جوجل" أيضاً لعبة من "متجر جوجل بلاي" بناء على طلب شرطة هونغ كونغ، حيث سمحت للاعبين بأداء دور المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية. وأخبرت الشركة "صحيفة وول ستريت جورنال" إنّ اللعبة انتهكت سياساتها فيما يتعلق باستغلال "الصراعات أو المآسي الجدية والمستمرة عن طريق لعبة".

قد يكون حذف التطبيق الذي يفضله المتظاهرون المؤيدون للديمقراطية هو تكلفة التعامل مع نظام استبدادي، لكنه يضع "شركة أبل" في موقف غير مريح، ليس فقط مع "الرابطة الوطنية لكرة السلة"، ولكن أيضاً مع شركات التكنولوجيا الأخرى في أميركا التي تسمح حالياً بوضع ابتكاراتها ضمن إطار مؤسف عند استخدامه من قبل عميل حكومي.

مثل جميع الوكالات الحكومية، تستخدم "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" جميع أنواع التقنيات لتتبع أعمالها، فهناك قواعد البيانات وأدوات البحث وتطبيقات الأجهزة المحمولة وخدمات الاستضافة ومواقع الويب والمزيد. لكن هذه الوكالة تعتبر بمثابة القوة المركزية وراء سياسات الهجرة لإدارة ترامب، والتي أسهمت بزيادة حالات ترحيل الأشخاص من الآباء والأمهات وغير المجرمين والأشخاص الآتين للمطالبة برؤية أقاربهم الذين يعبرون الحدود طالبين اللجوء، وساعدت أيضاً بفصل الآباء والأمهات عن أطفالهم، ووضع بعض من هؤلاء الأطفال داخل أقفاص. كل هذا يجري بلا شك بمساعدة النظم التكنولوجية التي تسمح بمراقبة الأشخاص وتتبعهم، ومقارنة البيانات وتحليلها.

من بين الكثير من الناس الذين أخافهم هذا هم الرؤساء التنفيذيون للشركات التكنولوجية، فقد عارض جيف بيزوس الرئيس التنفيذي لـ"شركة أمازون"، الذي هاجر والده من كوبا إلى الولايات المتحدة، جهاراً سياسات الهجرة التي تتبعها الإدارة، خاصة عندما دعمت الشركة الطعن القانوني لحظر سفر المسلمين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنّ لدى "شركة أمازون" العشرات من الموظفين الذين يأتون من البلدان المتأثرة بمثل تلك القوانين. كان الرئيس التنفيذي لـ "شركة مايكروسوفت" ساتيا ناديلا واضحاً كل الوضوح في رسالة أرسلها إلى الموظفين في العام الماضي، والتي افتتحت بالتالي: "أشعر بالفزع بشأن السياسة البغيضة المتمثلة في فصل الأطفال المهاجرين عن عائلاتهم على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة". وبالمثل، وصف الرئيس التنفيذي لـ"شركة آبل" تيم كوك سياسة فصل العائلات عند الحدود بأنها "غير إنسانية" ودعى إلى وقفها.

التعبير بالكلمات ليس إلا وجه واحد، ويتمثل الوجه الآخر بأن حافظت شركتا "أمازون" و"مايكروسوف"، إلى جانب شركات أخرى مثل كونكر وديل وبالانتير، على عقود مربحة مع "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" تحت ظل إدارة ترامب، حيث توفر خدمات قاعدة البيانات والاستضافة والبنية التحتية التي تقوي سياسات الهجرة الحالية. على سبيل المثال، وقعت "شركة مايكروسوفت" عقداً بقيمة 19.4 مليون دولار مع "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" في يونيو (حزيران) عام 2018 لمعالجة البيانات وتحليلات الذكاء الاصطناعي. وتستضيف خدمات "شركة أمازون" على شبكة الإنترنت قواعد بيانات ضخمة لوزارة الأمن الداخلي، التي تعد الوكالة جزءاً منها، والتي تُستخدم لتعقب المهاجرين. كما جددت "شركة بالانتير" شركة تحليل البيانات الممولة من قبل بيتر ثيل، أحد أبرز الداعمين للرئيس دونالد ترامب في "وادي السيليكون" عقداً مع الوكالة المذكورة بقيمة تصل إلى 49 مليون دولار (على الرغم من أنّ الشركة لا تتظاهر بأنها جزء من أي مقاومة). وتدعم الخدمات السحابية من "شركة أمازون" أيضاً منتجات "شركة بالانتير" الخاصة بـ"وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك"، التي صُممت للغرض المباشر المتمثل في مراقبة المهاجرين وإلقاء القبض عليهم.

العديد من هذه العقود أصبحت الآن معروفة على نطاق واسع بسبب العمال في الشركات الذين انتقدوا أصحاب عملهم علانية على أمل حثهم على التخلي عن العمل مع الوكالة. واستجابة لاحتجاجات الموظفين، أصدرت "شركة مايكروسوفت" بياناً تقول فيه إنّ الشركة لم تكن على دراية بكيفية استخدام منتجاتها وخدماتها لفصل الأطفال عن عائلاتهم، على الرغم من تفاخرها بدعم "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" وأنّ برمجياتها تسمح للوكالة "استخدام قدرات التعلم العميق لتسريع التعرف على الوجوه وتحديد هوية" المهاجرين، ذلك من خلال منشور على مدونتها قبل بضعة أشهر فقط. وأخبرت "شركة أمازون" الصحافة رداً على احتجاجات الموظفين بسبب العقود مع الوكالة التالي: "كما قلنا مرات عديدة، وما زلنا نؤمن بما قلناه بقوة، إنّ الشركات والمؤسسات الحكومية بحاجة إلى استخدام التقنيات الحالية والجديدة بطريقة مسؤولة وقانونية".

في أوائل هذا الشهر، وقع الموظفون العاملون في جت هاب "GitHub" (وهي خدمة استضافة تابعة لمايكروسوفت) الذين كانوا يجتمعون لعدة شهور مع المسؤولين التنفيذيين القائمين على منصة تطوير البرمجيات لإقناعهم بإلغاء عقدها مع "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك"، رسالة توبّخ المنصة التابعة لـ"شركة مايكروسوفت" على مواصلتها ترخيص إصدار من برمجياتها إلى الوكالة. وقال الرئيس التنفيذي نات فريدمان بأنه مثلما ترخص "شركة مايكروسوفت" برنامجها "مايكروسوفت وورد" لأي شخص دون مراقبة ما يفعله به، "نعتقد أنه سيكون من الخطأ بالنسبة إلى "جت هاب" الطلب من مطوري البرامج إخبارنا بما يفعلونه بأدواتنا". وعندما وعدت "جت هاب" بالتبرع بمبلغ 500 ألف دولار للمنظمات التي تدعم المهاجرين المستهدفين بموجب سياسات إدارة ترامب، ردّ الموظفون برسالة أخرى مفادها: "لا يوجد تبرع يمكن أن يعوض الضرر الذي تتسبب به وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك بمساعدتنا".

تعدّ السياسات الدفاعية التي تتبعها جميع هذه الشركات، بدءاً من عقود "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" وصولاً إلى إزالة "متجر آب ستور" من أبل في الصين، ذات غايات متقاربة، والتي تتلخص بأنهم يؤدّون أعمالهم فحسب ويتبعون قوانين البلدان التي يعملون فيها.

بالنظر إلى كل هذا، لم أستطع إلا أن أفكر في عمل "شركة آي بي إم" مع ألمانيا النازية، ليس لأنّ ما تفعله شركتا "أبل" و"مايكروسوفت" يُقارن بتسهيل علميات الإبادة الجماعية -بالطبع لا- لكن بسبب كيفية إبراز ما يفعلونه على أنه الاستخدامات الصحيحة للمنتجات المحايدة. من حوالي عام 1933 إلى عام 1945، قدمت "شركة آي بي إم" تقنية البطاقات المثقبة المخصصة بالإضافة إلى التدريب والخدمات التقنية والمعدات إلى الحكومة النازية، وعندما عبّر الأميركيون عن غضبهم من هذا العمل في عام 1940، أعاد رئيس الشركة توماس واتسون ميدالية منحها له أدولف هتلر. لكن "شركة آي بي إم" استمرت في توسيع نطاق عملها مع النازيين من خلال فرعها في هولندا في السنوات التالية. بعد الحرب العالمية الثانية، تمكنت الشركة من تأمين أجهزتها وأرباحها الضخمة من ألمانيا، وعلمت كيف يمكنها إيصال الرسالة الصحيحة إلى الجمهور مع الإبقاء على عقودها المربحة، وهي عقود لم تنتهك القوانين في البلد الذي كانت تعمل فيه.

تصف شركات التكنولوجيا نفسها بأنها تنتج أدوات محايدة، إذ قالت "شركة مايكروسوفت" بأنّ خدماتها المقدمة إلى "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" تستخدم لأشياء مثل البريد الإلكتروني. وتتبع "شركة آبل" إرشادات "متجر آب ستور" فحسب، كما تفعل مع أي تطبيق آخر. كما تقدم "شركة أمازون" خدمات استضافة مواقع الويب لوكالات الهجرة تماماً كما تفعل مع الفرق الرياضية، (قدمت أمازون حجة مماثلة في أوائل هذا الشهر حول عملها مع شركات الوقود الأحفوري). قد يبدو كل هذا منطقياً لأولئك الذين يزعمون أنّ عدم تقديم خدمات الويب إلى إحدى الوكالات الحكومية يفتح الأبواب أمام أمازون أو مايكروسوفت لعدم توفير استضافة الويب للنشطاء في مجال إصلاح قوانين الهجرة في المقابل، وقد يكون منطقياً لأولئك الذين يشيرون، كما الرئيس التنفيذي لـ"جت هاب"، إلى أنّ خدماتهم تشبه السلع التي يجري شراؤها من رفوف المتاجر ولا يمكنهم التحكم في من يستخدمها.

نعم، جميع الأسواق تتطلب مستوى من الخصوصية من أجل تأدية عملها، ولا يمكنك معرفة الميل السياسي لكل شخص تشتري منه سلعة بسيطة، كما يمكن للموردين اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانوا يريدون أو لا يريدون الكشف عن عملائهم، لكن عندما يعلمون أنّ العملاء يستخدمون منتاجاتهم لغايات تخالف مبادئهم، ليس عليهم أي التزام بالمضي قدماً في هذا العمل. يستخدم الناشطون والنقاد التقنيون أحياناً كلمة "متواطئة" عند الحديث عن الشركات التي تبدو وكأنها تتخذ الاتجاه المعاكس عندما تسبب اختراعاتهم ضرراً، لكن كلمة "متعاونة" قد تكون أكثر دقة. إنّ توفير قاعدة بيانات وخدمات الويب – حتى لو كانت مجرد البريد الإلكتروني – لنظام هجرة مجحف يساعد على تعزيز ممارسة الإجحاف، ومراقبة تطبيق يحظى بشعبية لدى المتظاهرين لأنّ الحكومة الصينية لا ترغب في ذلك قد تضر أولئك المتظاهرين. يمكن لهذه الشركات أن تفعل ما تريده بالبرمجيات التي تبيعها، لكن عليها التوقف عن التظاهر بأنّ ما تبيعه محايداً.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND