آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

في الجوهر، الامتثال هو الشرعية. هو صفة المسموح به أو المطلوب أو المتوافق مع القوانين.

لقد أدى تطوُر الأنشطة والأعمال التجارية إلى ظهور وظيفة الامتثال، والتي غذتها في التاريخ الحديث للشركات الفضائح والغضب العام ومطالب الرقابة. بالمعنى الدقيق للكلمة، فشلت القوانين في التعامل مع سرعة وحجم الأعمال، بسبب إطارها التطبيقي العام وإجراءاتها المحددة، ما دفع إلى نمو هيئات محددة تعمل على إصدار التنظيمات، وتعمل هذه الهيئات بأصولٍ مختصرة وتستهدف قطاعات محددة.

نتيجة لذلك، تطور المشهد القانوني حيث تم إضافة التنظيمات والمعايير والمبادئ والقيم الى القوانين، فانتشرت لغة الامتثال في عالم الشركات.

حدثت تطورات أخرى بالتوازي مع نمو حجم التنظيمات، مما أثَر على كيفية امتثال الشركات، ودفع للمزيد من الحاجة إلى وظيفة الامتثال. إحدى هذه التطورات هو مصدر التنظيمات. تم إنشاء أو إعطاء الصلاحيات اللازمة للعديد من الهيئات الحكومية والدولية المتخصصة لإصدار التنظيمات، ما أدى إلى نمو متطرد بحجم التنظيمات.

تاريخياً، في القرن العشرين، بدأت الفضائح بالشركات ذات الطبيعة غير المالية في الحدوث، ما تسبب في إصدار القواعد الأولى والامتثال لها. وكانت هذه موضوعها تحسين الرقابة المالية وأساليب المحاسبة. مع مرور الوقت واعتماد العملة كأساس لجميع المعاملات، ونظراً لأن العملة يمكن تتبعها، ما قد تفتقر إليه الأنشطة غير النقدية، بدأت التنظيمات في التوجه نحو النظام المالي. أصبح الامتثال عبئاً وسبباً رئيسياً لتباطؤ تطوير الأعمال والمعاملات والربحية، خاصةً في المصارف والمؤسسات المالية.

وثمة تطور آخر ناجم عن تأثير القوة ووزن التجارة الدولية وهو تطبيق التنظيمات خارج نطاق صلاحياتها الأولية، والمثال على ذلك هو قانون الامتثال الضريبي للحسابات الخارجية (FATCA). وقد اكتسبت هذه التنظيمات، مع أساليب محددة لإنفاذ القانون، قوة جذب وتوسع نطاقها لتشمل أشخاصاً خارج الصلاحية الإقليمية.

حتى تلك اللحظة، كان يُنظر إلى الامتثال باعتباره عقبة أمام النمو.

ومع ذلك، في قطاعاتٍ وأسواقٍ أخرى، نما الامتثال ليصبح اللغة العالمية للتميُز المؤسساتي. كيف حدث ذلك؟

لنأخذ مثالاً على مصنع للشوكولاتة في فرنسا يرغب في تصنيع منتجاته بمنطقة المشرق. يبدأ المصنع بالبحث عن مصنّعين إقليميين لإقامة شراكة معهم ويعثر على ثلاثة محتملين: واحد في لبنان وواحد في قبرص والآخر في الأردن. تُبين النتائج أن هذه الشركات المصنعة الثلاث جميعها لديها القدرات الفنية لتصنيع منتجاتها، فينتقلوا إلى الخطوة التالية، وهي ضمان أن المشروع ممكن من الناحية المالية. بمجرد الانتهاء من ذلك، يصل المصنع الفرنسي إلى المرحلة التي يتم فيها اتخاذ قرار ليتم اختيار واحد فقط من بين المصنِّعين الثلاثة المؤهلين والذين هم على قدم المساواة تقنياً ومالياً. سيكون العامل الحاسم هو اللغة: أي من الشركات المصنعة الإقليمية هي الأقرب إلى المصنِع الفرنسي من حيث اللغة التي يتحدثون بها والقيم التي يعتمدونها والتنظيمات التي يمتثلون لها؟

نظراّ لأن هذه الاعتبارات ذات طبيعة سلوكية وثقافية، فإن الشركة الإقليمية التي تتبنى أقرب المعايير ستكون الأكثر طمأنة للشركة الفرنسية. يكمن التحدي في حقيقة أن مثل هذه التنظيمات والمعايير يجب أن تنفذ طوعاً نظراً لقلَة القواعد الإلزامية أو انعدامها في القطاعات غير المنظمة.

بمعنىً آخر، إذا كانت الشركة الفرنسية تمتثل لمعاييرٍ عالمية، ستشعر براحة أكبر في الشراكة مع الشركة الإقليمية التي اعتمدت بالفعل مثل هذه المعايير. بالمقارنة مع الشركة التي لم تعتمدها بعد، فإن الأمر سيستغرق ما لا يقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات حتى تُدخلها هذه الأخيرة إلى ثقافتها. وبالتالي، ستختار الشركة الفرنسية الشركة الإقليمية الممتثلة أصلاً. التأثير الإيجابي هو أن الشركة الفرنسية لن تكون مطمئنة مع نفسها فقط، ولكن تجاه مورِديها ومموِليها أيضاً.

على مستوى المواضيع، يرتكز الامتثال في هذه القطاعات على تطبيق التنظيمات والقيم والمبادئ المتعلقة بعمل الأطفال ومكافحة الفساد ومكافحة الرشوة والتجارة العادلة وحقوق الإنسان والجودة والتسويق والإعلان الصادقين وغيرها. فكلما تبنَت الشركات مثل هذه القواعد والقيم، زاد ارتياحها لاعتمادها لغة واحدة والتزامها بنفس القيم وبالتالي زاد اهتمامها بالعمل مع بعضها بعضاً. النتيجة النهائية هي شبكة متزايدة من الشركات المتعاونة التي تتحدث اللغة نفسها.

لقد تطور هذا الأمر إلى درجة تتضافر فيها الشركات العالمية والإقليمية والمحلية ذات طموحات النمو، بالإضافة إلى المنظمات الحكومية وغير الحكومية، لتعزيز هذه الثقافة من خلال المنتديات والمؤتمرات والتكريمات وغيرها من الأطر، ما يجعل الامتثال اللغة العالمية للتميُز المؤسساتي.

 

 

 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND