الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً

بقلم: جين هو

 

أن تكون مواطناً يعيش في عصرنا الحالي معناه أن ترى القليل من معلوماتك الشخصية يجري تسويقها لشركات الإعلان أو مشاركتها مع شركات أخرى. فمثلاً، تمنح "شركة فيسبوك" رسائلك إلى "شركة نيتفليكس" و"شركة سبوتيفاي"، بينما تدفع شركات الإعلان مقابل ميزة الظهور على حسابك في قسم آخر الأخبار على فيسبوك. وقد تعرضت منظمة مجلس الكلية "College Board" مؤخراً لانتقادات شديدة بسبب السماح للكليات بشراء قوائم طلاب الثانويات الذين يحصلون على درجات منخفضة، ثم رفضهم واستقدام أولئك الذين يساعدنونها على تعزيز صورة التفرد الخاصة بها. وحددت "شركة فاست كومباني" أكثر من 120 شركة وسيطة للبيانات متخصصة في بيع بياناتك الشخصية فقط.

بالإضافة إلى شركات البيانات هذه، هنالك أيضاً سوق رائج لتحليل أو بيع البيانات المتعلقة بسلوك المستهلك. وقد كتبت كشمير هيل، وهي صحفية تعمل لصالح "صحفية نيويورك تايمز"، مؤخراً تقريراً حول العديد من الشركات التي جمعت بيانات عن العملاء. تحذر شركة ريتيل إكويشن "Retail Equation"، على سبيل المثال، شركات البيع بالتجزئة إذا أظهر المستهلكون "سلوكيات إرجاع مفرطة"، حيث تتمكن الشركات بذلك من رفض المرتجعات، بينما تحاول شركة سيفت "Sift" التعرف على المحتالين لصالح شركات مثل سيت جيك "SeatGeek"، وهو موقع لبيع التذاكر. ويمكنك قراءة هذه الإفادة لـ"شركة سيت جيك" على موقع "شركة سيفت": "نرسل إلى شركة سيفت جميع البيانات التي نريدها، ونتلقى معلومات عملية لا نتمكن من الحصول عليها بمفردنا".

منذ نفاذ النظام الأوروبي العام لحماية البيانات في عام 2018، يتعين على الشركات العاملة في "الاتحاد الأوروبي" الكشف عن جمع البيانات ومشاركة المعلومات التي تجمعها مع عملائها من الشركات. ويهدف قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا، الذي سيسري مفعوله في عام 2020، إلى فعل الأمر نفسه في الولايات المتحدة، والعديد من هذه الشركات تقدم بالفعل بيانات العملاء لضمان امتثالها للقانون الجديد.

عندما طلبت هيل بياناتها من "شركة سيفت"، تلقت تقريراً مفصلاً من 400 صفحة يحتوي على "الرسائل كافة التي أرسلتها إلى المضيفين على موقع شركة إير بي إن بي، وبيانات سنين من أوامر التسليم على موقع شركة يلب، وسجل في كل مرة فتحت فيها تطبيق كوينبيس Coinbase  على جهاز الآيفون الخاص بها". أعلم أنّ ما سأقوله ينمّ عن سذاجة، لكنني كنت أظن دائماً أنّ رسائلي على "موقع إير بي إن بي" ستبقى خاصة. واتضح بعد كل هذا، أنّ "كل من إير بي إن بي" إلى جانب "كوينبيس" و"يلب" وشركات أخرى، شاركت هذه المعلومات مع "شركة سيفت" حتى يتمكنوا من تقييم مصداقية العميل وتحديد سلوكيات معينة مثل سوء المعاملة أو الاحتيال. تذكر هيل أربع شركات أخرى، وهي زيتا جلوبال "Zeta Global"، و"ريتيل إكويشن"، وريسك فيلد "Riskified"، وكستومر "Kustomer"، تقدم أيضاً مشاركة البيانات مع العملاء. لكنها تقول: "الشركات التي تصرح بأنها سوف تزودك ببياناتك، لا يعني أنها ستفعل ذلك بالفعل". واستلهاماً من قصة هيل، حاولت، شأني شأن الكثير غيري، الحصول على بياناتي الخاصة. لقد علمت من تلك المحاولة أنّ العملية بطيئة وتتطلب أحياناً مشاركة المزيد من البيانات مع الشركة، وعلمت أيضاً أنّ هذه الشركات تبدو غير مهيأة للاستجابة إلى أعداد كبيرة من الطلبات المقدمة من العملاء.

تواصلت مع جميع الشركات الخمس مرتين، واتبعت أولاً تعليمات الشركات التي طلبت مزيداً من البيانات. بعد ذلك، أرسلت رسالة إلكترونية إلى وسائط الإعلام أو إدارات الاتصال الخاصة بهم، وسألت عما إذا كانوا قد شهدوا ازدياداً في الطلبات كنتيجة لتقرير "صحيفة التايمز"، وكيف يلبون هذه الطلبات. أردت أن أعلم على وجه الخصوص كيف سيتحققون من هويتي وكيف يتعقبونني بالضبط، هل يجري ذلك من خلال عنوان بريدي الإلكتروني؟ أو عنواني الفعلي؟ أو رقم هاتفي؟

انتظرت مدة 72 ساعة لاستلام الردود من الشركات، لكن لم تُقدم إليّ أي بيانات كاستجابة لطلبي. وكانت "شركة ريسك فيلد"، التي "تحدد العملاء القانونيين" وفقاً لموقعها على شبكة الإنترنت، هي الأقل تجاوباً. إذ إنها لم تستجب إلى طلبي في الحصول على البيانات، ولا حتى من خلال رد إلكتروني قائلة إنها استلمته، ولا بعد أن طلبت توضيح ذلك.

استجابت "شركة ريتيل إكويشن" إليّ عبر البريد الإلكتروني خلال يوم واحد، حيث طلبت مني الاتصال على الرقم 1-800 وذكرت إنه ينبغي عليّ أن أكون مستعدة لتقديم رقم رخصة القيادة الخاصة بي أو رقم هويتي". بداية، أنا لا أحبذ على الإطلاق إعطاء أي شركة معلومات تخصني لا تمتلكها بالفعل، وقد طرح هذا الطلب أيضاً أسئلة حول كيفية تحقق الشركة من هويات العملاء من خلال أرقام رخص القيادة، هل لدى الشركة حق الوصول إلى قواعد البيانات الحكومية للتحقق من أرقام الهويات الصالحة؟ وماذا عن المواطنين غير المسجلين الذين يعيشون في سبع وثلاثين ولاية والذين لا يُسمح لهم بالحصول على هوية حكومية، ألا يستطيعون طلب معلوماتهم؟ لم تستجب الشركة إلى طلبي للإجابة عن هذه الأسئلة.

تطلب "شركة زيتا جلوبال"، التي تحتفظ بقاعدة بيانات للملفات الشخصية لأكثر من 350 مليون شخص، معلومات إضافية قبل تقديم التقرير. تقول ميجان روز، وهي نائبة رئيس الاتصالات في الشركة: "نطلب من مقدم الطلب تقديم هوية رسمية ضمن نظام ونتراست " OneTrust" الخاص بنا، ذلك كتدبير أمني لمنع الحسابات المزيفة من الحصول على البيانات الشخصية. ثم يجري التحقق من الهوية يدوياً ويحذف تلقائياً بعد 90 يوماً من إغلاق الطلب". مجدداً، كنت مترددة في تقديم أي بيانات لهذه الشركات، وخاصة صورة عن هويتي، لكن ما شجعني هو أنّ لدى الشركة خطة واضحة لتأكيد هويتي وحذف هذه المعلومات في النهاية.

طلبت مني "شركة كستومر"، التي تقول إنّ لديها "منصة توفر رؤية غير مسبوقة لتجارب العميل السابقة وآرائه الحالية"، ملء نموذج باسمي الكامل وبلدي وبريدي الإلكتروني، وعما إذا كنت أبحث عن البيانات التي جمعتها الشركة نفسها عني أو تلك التي جمعتها إحدى الشركات المتعاملة معها. اعتراني الفضول للحصول على الاثنين، لكن اختيار "تلك الخاصة بالشركات المتعاملة" يتطلب منك إدراج عميل معين، وأظن أنّ معظم عملاء ذلك العميل لا يملكون تصوراً عن الأمر برمته، وأخشى شخصياً أنّ هذه ثغرة يمكن أن تستغلها الشركة لتجنب تسليم جميع بياناتها إلى العملاء. راسلتني الشركة بعد ذلك بيومين عبر البريد الإلكتروني قائلة إنه لا توجد بيانات عني، لكنني كنت متأكدة من أنني أنشأت حساباً خاصاً بي وأجريت عمليات شراء من بعض الشركات المعروفة في "كستومر"، مثل "شركة رنت ذا رنووي" Rent the Runway وشركة "جلوسير" Glossier. إلا أنه قد يصح أنني استخدمت عنوان بريد إلكتروني مختلف عن ذلك الذي قدمته إلى "شركة كستومر".

استجابة إلى طلبي للتوضيح، أصدرت "شركة كستومر" تصريحاً لم يتناول تماماً سؤالي حول كيفية استيفائها لطلبات بيانات العميل. لذلك طرحت السؤال مرة أخرى، وأخبرتني الشركة المتخصصة في التواصل والتي تتعامل مع طلبات وسائط الإعلام الخاصة بـ"شركة كستومر" أنها تعالج البيانات فقط، لذلك يجب توجيه الطلبات المتعلقة بالخصوصية إلى وحدات التحكم في البيانات، حيث تجمع الشركات البيانات الخاصة بنا، لكن مجدداً، لم تجب الشركة عن سؤالي حول كيفية مطابقة الشركة للطلبات مع بيانات العميل. وبناء على النتائج التي توصلت إليها، أظن أنها تستخدم عناوين البريد الإلكتروني، ما يجعلني أشعر بالفضول حول مدى جدوى تحليل بيانات "شركة كستومر" بالنسبة إلى الشركات الأخرى. هل يمكنني التخلص من الملف الشخصي سيء السمعة بصفتي عميلة بمجرد تبديل عنوان البريد الإلكتروني؟

من المحتمل أن تكون هذه العوائق ناتجة جزئياً عن عدد الطلبات الكبير، إذ أخبرتني روز بأنهم شهدوا زيادة في عدد الطلبات المقدمة منذ نشر تقرير "صحيفة التايمز". ويقول برادلي فلين، وهو مسؤول في قسم خصوصية البيانات في "شركة سيفت"، إنّ الشركة "شهدت زيادة كبيرة في عدد طلبات الحصول على البيانات خلال الـ24 ساعة اللاحقة لذلك التقرير" وبعد ذلك بيومين، أرسلت الشركة رسالة إلكترونية إلى العملاء الذين طلبوا البيانات لتوضيح سبب التأخير، قائلين إنّ الشركة تعمل على التحقق من هوية العملاء وسوف تنجز طلبات مواطني الاتحاد الأوروبي في غضون 90 يوماً، بحسب ما ينص عليه النظام الأوروبي العام لحماية البيانات، لكن جميع الطلبات الأخرى سوف تستغرق وقتاً أطول، حيث "يجب أن نعطي الأولوية لتلك الطلبات التي تتطلب منا استجابة في الوقت المحدد قانوناً". لم تقدم الشركة معلومات حول معنى "الزيادة الكبيرة" التي طرأت، لكن استناداً إلى رسالتها الإلكترونية المرسلة إلى مقدمي الطلبات، فيبدو أنها تلقت طلبات أكثر مما يمكنها التعامل معه في الوقت المحدد.

حتى لو تمكنت من الحصول على بياناتي الخاصة لدى هذه الشركات، فمن غير الواضح ما الذي يمكنني فعله بتلك المعلومات غير معرفة مدى انتهاك خصوصيتي. تقول كريستين ووكر، أستاذة في مجال التسويق في جامعة كاليفورنيا، نورثريدج: "يمكن للعملاء اليوم معرفة حجم المعلومات التي تمتلكها هذه الشركات، لكن ليس لهذا علاقة بالخصوصية". يخلط الناس عادة بين تسليم هذا النوع من البيانات بحرية وبين الشفافية، ولكن وفقاً لما قالته ووكر فإنّ هذا الأمر يعتبر أقل ما يمكن تقديمه، وقد أتى متأخراً جداً. وتقول: "تُستخدم الشفافية بطريقة تضلل العملاء، إذ لا تتمثل الشفافية في منح جميع المعلومات في وقت واحد، إنما تنطوي على أن يفهم الناس ما يقدمه المنتج أو الخدمة". حتى مع وصول العملاء إلى سياسات الخصوصية "الشفافة"، يقع على عاتق العملاء تحليل المصطلحات القانونية التي غالباً ما تكون مربكة، وحتى عند تحليل تلك المصطلحات، توضح ووكر إنّ: "هذا لا يتعلق بقدرتي على اختيار ما إذا كنت أستطيع التحكم بالبيانات الخاصة بي أم لا". يسمح قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا للعملاء بطلب حذف بياناتهم، ولكن مجرد العثور عليها تعتبر مهمة ضخمة بالنسبة إلى أي عميل.

طلب تلك البيانات، فضلاً عن طلب حذفها، هو عملية مرهقة، ولا يبدو أنّ أياً من هذه الشركات لديها نظام مبسط للسماح بمعالجة سريعة لهذه الطلبات. في هذه المرحلة، من الواضح أنّ خيارات طلب البيانات لدى الشركات هو أمر ثانوي، إذ يجري التعامل معه بغية الامتثال القانوني بدلاً من تصميمها بطريقة تتماشى مع توقع أنّ العملاء قد يستخدمونها بالفعل. لا شك أنّ الاستجابة إلى طلبات الحصول على البيانات على نطاق واسع ليس بالأمر السهل، ولكن إذا كانت الشركات المختصة بجمع البيانات يمكنها تقديم تلك التفاصيل بسرعة إلى عملائها من الشركات الأخرى، فيبدو أنّ التعتيم متعمد، إذ يُطلب من العملاء العاديين الاتصال بالرقم 1-800 المصمم لتقديم الشكاوى وليس لطلبات الحصول على البيانات، ولم أنسى أنه ينبغي عليّ الانتظار لبضع دقائق وتزويدهم برقم الهوية الخاصة بي.

تقول ووكر إنّ أملنا الوحيد في كبح هذه الشركات في هذه المرحلة هو تنظيمها، لكن تلك الشركات تجمع البيانات بوتيرة تتجاوز بكثير سرعة صدور التشريعات التي تتسم بالبطء. وتقول: "إذا نظرت إلى النظام الأوروبي العام لحماية البيانات وقانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا، فإنّ كلاهما يحاولان السيطرة على ما تفعله الشركات، لكنهما يعملان بينما تسير الشركات بسرعة، بحيث لا يمكن لتلك التشريعات مواكبتها". في أي وقت تجري فيه عمليات شراء عبر الإنترنت، أو تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، أو تطبيقات توصيل الأطعمة، أو حتى مجرد تصفح الويب، اعلم فقط أنك تضيف إلى سجلك الدائم.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND