الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: ستيفان هاريسون

 

ضمن سلسلة من التغطيات الإعلامية حول ظهور الرموز التعبيرية في قضايا المحاكم، كُتبت مقالة على "موقع القناة الإعلامية فوكس نيوز" بعنوان: هل يمكن أن يدخل أحدهم السجن بسبب استخدامه للرموز التعبيرية؟" وكتب "موقع ذا فيرج": "الرموز التعبيرية تظهر في القضايا المطروحة أمام المحاكم بكثرة، بينما المحاكم غير مستعدة". وفي الوقت نفسه، قالت "شبكة سي إن إن" محذّرة: "المحاكم تعاني في تعاملها مع معاني الرموز التعبيرية بصفتها أدلة".

ارتفع عدد الحالات المبلغ عنها في الولايات المتحدة والتي تتضمن رموزاً أو وجوهاً تعبيرية بصفتها أدلة بأكثر من 50% خلال العام الماضي، ومن 33 حالة في 2017 إلى 53 حالة خلال 2018، هذا وفقاً لإريك جولدمان، وهو أستاذ في القانون بمدينة سانتا كلارا الأميركية. عندما بدأ جولدمان إحصاء الحالات المُبلغ عنها والتي تضمنت رموزاً تعبيرية، وجد حالة واحدة في 2004، بينما تجاوز العدد المئة حالة في 2019.

أصبح مفهوماً أن الرموز التعبيرية قد غزت قاعات المحاكم لدينا، إذ تضيف الرموز التعبيرية وتلك التي سبقتها (الوجوه التعبيرية) أسلوباً وشخصية للنص، وقد أثبتت وظيفتها هذه من خلال شعبيتها الكبيرة. يستخدم 92% من مستخدمي الإنترنت الرموز التعبيرية، وأدرجت فيما لا يقل عن 2.3 تريليون رسالة من رسائل الهاتف المحمول، وذلك سنوياً منذ 2016. بطبيعة الحال، فإنّ بعضاً من تلك المراسلات ستظهر في النزاعات القانونية.

لكن هل ينبغي أن نرتاب بشأن الرموز التعبيرية في قاعات المحاكم كما تشير معظم التغطيات الصحفية؟ مثلما حال وسائل الإعلام التي لا تعلم تماماً كيف ينبغي تناول الرموز التعبيرية في قاعة المحكمة، فإنّ المحاكم نفسها ما تزال في طور اكتشاف ذلك. ما الذي تنقله الرموز التعبيرية، وهل يتوافق المقصد مع التفسير؟ هل الرموز التعبيرية هي عبارة عن كلام، وهل يعني ذلك أنها محمية؟ مع ظهور الرموز التعبيرية في جميع أنواع القضايا، فإنها تثير هذه الأسئلة الجوهرية حول اللغة والتواصل، فضلاً عن أهمية محو الأمية فيما يخص مسائل الإنترنت بالمحاكم العليا.

القضايا الجنائية

تُعتبر الرموز التعبيرية غالباً لطيفة وممتعة واعتباطية، لكن الحالات التي تقترن فيها الرموز التعبيرية بالتهديدات والعنف ليست كذلك، وللأسف، هناك العديد منها. حكمت محكمة في فرنسا على رجل يبلغ من العمر 22 عاماً بالسجن لمدة ثلاثة أشهر بسبب إرساله رمزاً تعبيرياً كناية عن مسدس إلى صديقته السابقة، والذي اعتبرته المحكمة أنه "تهديد حقيقي". كما نجح المدعون العامون في قضية القتل التي حدثت في ولاية ماساتشوستس الأميركية في الادعاء بإنّ استخدام المدعى عليه الرمز التعبيري، وهو وجه بإشارة x على العينين، إلى جانب لقب الضحية، أشار إلى أنّ القتل حدث عن سابق إصرار ولم يكن الأمر موتاً طبيعياً كما قال المدعى عليه.

من المسائل الشائعة في القضايا الجنائية هي ما إذا كان ينبغي قبول الأدلة للنظر فيها من قبل المحكمة. والمبدأ التوجيهي للقضاة هو أنّ الأدلة مقبولة فقط إذا كانت ذات صلة، وهذا يعني أنها تُقبل إذا كانت تثبت أو تدحض عنصراً من عناصر القضية، مثل عنصر المقصد الإجرامي. إذا أرسل إليك شخص ما الرموز التعبيرية التالية في هذا التسلسل 👊   👈  🚑، فقد يجري تفسير هذه الرموز التعبيرية على أنها تعبير عن مقصد إجرامي لمهاجمتك وإدخالك إلى المستشفى. (لكي لا تظن أنّ هذا المثال غير دقيق، فقد كانت تلك هي الرسالة بعينها التي أرسلها رجلان خضعا للاحتجاز بتهمة المطاردة في ولاية كارولينا الجنوبية).

تُطرح قضية الدافع في القضايا الجنائية باستمرار، سواء أكانت تنطوي على رموز تعبيرية أم لا، لكن هنالك شائبة واحدة لحالات الرموز التعبيرية التي تجعلها مختلفة بعض الشيء، إذ كيف تظهر الرموز التعبيرية على منصة يمكنها أن تغير المعنى الكامل للرسالة. خذ مثالاً السيناريو الافتراضي حيث يكتب المستخدم رسالة  👊   👉  🚑، التي تفترض أنّ سيارة الإسعاف سوف تأتي لمساعدة شخص ما بسبب يده المصابة. لكن في هذه الحالة المتخيلة، من المحتمل أن يقلب هاتف المستلم الإصبع، بحيث يشير إلى سيارة الإسعاف. وكما في حالة ولاية كارولينا الجنوبية، يتم تلقي الرسالة بهذا الشكل على أنها تهديد إجرامي. السبب الكامن وراء إمكانية عكس الرموز التعبيرية نظرياً هو أنه يُسمح لمنصات مثل "أبل" و"جوجل" و"مايكروسوفت" بإظهار رموز تعبيرية مختلفة بخصائصها الفردية. علاوة على ذلك، لا يمكن للترميز الموحد (Unicode) إجبار المنصات على عرض الرموز التعبيرية بالطريقة نفسها. لذلك، يرى المرسل والمستلم رسائل مختلفة من دون إدراك التباين.

في حال طُرح سوء الفهم الافتراضي هذا إلى المحاكمة، فلا ينبغي للمحكمة النظر فقط في الرسالة النصية كما وردت، ولكن ينبغي أيضاً حصولها على دليل فيما يخص هذا التباين بين المنصات. ولكن كما يكتب جولدمان، تتطلب مواقف مثل هذه إجراء بحث لتحديد شكل الرموز التعبيرية على الأجهزة خلال الفترة الزمنية المعينة. بعبارة أخرى، ينبغي إطلاع كل من القضاة والمحامين على كيفية تأثير البيئة التكنولوجية في تفسير الرموز التعبيرية.

قضية التحرش

في الوقت الحالي، أصبح استخدام الباذنجان والخوخ وقطرات العرق رموزاً شائعة تنطوي على إيحاءات، على الأقل في الثقافات الغربية. يكتب إيلي ميستال في "موقع فوق القانون" (Above the Law): "إذا أرسل مديرك في العمل رسالة نصية تتضمن "الباذنجان" و"الخوخ"، فقد يظن القاضي "السيئ" أنّ ذلك المدير يشير إلى وصفة طعام ما، بينما تعلم أنت ما الذي يحدث بالفعل".

ذكرت "صحيفة وول ستريت جورنال": أصبح الرمز التعبيري "قلم الشفاه الأحمر" مسألة مهمة في قضية ادعاء بالتحرش في كاليفورنيا، حيث أفادت التقارير أنّ رجلاً في منتصف العمر أرسل نصوصاً موحية إلى موظفة محتملة. وزُعم أن المرأة تجاوبت مع أحد النصوص بعلامة قبلة مطبوعة بأحمر الشفاه، ما أثار مسألة ما إذا كانت القُبلة تشير إلى أنها رحبت بالأمر، وهذه مسألة جوهرية عندما تُحال قضية التحرش إلى المحاكمة.

في بعض الحالات، قرر القضاة حذف الرموز التعبيرية من الأدلة تماماً وقراءة نص الرسالة فقط أمام هيئة المحلفين. لكن ما يقوله جولدمان هو أنّ هذا النهج خاطئ، إذ يمكن أن يتغير المعنى الكامل للرسالة النصية إذا تبعت الجملة "وجه يغمز" على سبيل المثال. يمنع حذف الرموز التعبيرية هيئة المحلفين من اتخاذ قرارات مدروسة جيداً حول المعاني التي تنطوي عليها هذه الرسائل المزعومة في السياق.

التشهير

يمكن اعتبار قرار المحكمة البريطانية لعام 2013 فيما يخص قضية "ماك ألباين" و"بيركو" يوماً ما بمثابة القضية الأساسية في المملكة المتحدة حول ما إذا كانت الرموز التعبيرية يمكن أن تؤدي إلى تحمل مسؤولية التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي. لأوضح أولاً ما معنى التشهير للذين ليس لديهم اطلاع على المصطلحات القانونية، التشهير هو الإدلاء بتصريح كاذب يضر بسمعة شخص ما، وإذا كان التصريح مكتوباً وجرى نشره، فسوف يُسمى التشهير بـ"القدح والذم"، أما إذا كان التصريح شفوياً، فسوف يُسمى التشهير بـ"القذف الشفوي".

طالت قضية التشهير التي أقدمت عليها الشخصية السياسية الشهيرة سالي بيركو، السياسي البارز اللورد أليستير ماك ألباين. ففي 2012، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أنّ أحد المعتدين في قضية الاعتداء على الأطفال التي حصلت مؤخراً كان "سياسياً محافظاً بارزاً في فترة رئاسة ثاتشر". ولم تذكر هيئة الإذاعة البريطانية صراحة اسم ماك ألباين، لكن الكثير من الأشخاص نشروا عنه على وسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالعامل الخفي الذي تسبب في أن يصبح اسمه "ترند" في "فيسبوك" و"تويتر". ونشرت "بيركو"، التي يتابعها أكثر من 56 ألف شخص، على إثر ذلك التغريدة التالية: "لماذا أصبح اسم اللورد ماك ألباين ترند؟ *وجه بريء*".

لم تكن عبارة "*وجه بريء*" رمزاً تعبيرياً حقيقياً، لكن المحكمة وجدت أنه من المحتمل أن يفسر مستخدمو "تويتر" العبارة على أنها وجه أو رمز تعبيري. في نهاية المطاف، قضت المحكمة بأنّ عبارة "*وجه بريء*" كانت تنطوي على "رياء وتهكم" وأسهمت في التشهير، وأصدرت المحكمة حكمها ضد "بيركو"، ما أدى إلى اعترافها بالخطأ ودفع غرامة وصلت إلى أكثر من 20 ألف دولار.

على الرغم من أنّ إنجلترا والولايات المتحدة لديهما معايير قانونية مختلفة فيما يخص قضايا التشهير، إلا أنّ طالب القانون نيكول بيليتييه قال إن المحاكم الأميركية يمكنها أخذ قرار بأن الرموز التعبيرية تؤدي إلى تحمّل مسؤولية التشهير إذا رأت أنّ تلك الرموز تشير إلى آثار مترتبة على الحقيقة. بعبارة أخرى، فإنّ حالات التشهير التي تنطوي على رموز تعبيرية تشبه إلى حد بعيد نظيراتها من الإشارات الأخرى في حال أخذنا بالاعتبار كيفية تفسير الجمهور للتصريح.

العقود

من المحتمل أن تؤدي القضايا التي تنطوي على عقود ورموز تعبيرية، والتي تُطرح بالمحاكم في المستقبل، ذلك فيما يخص الأنظمة القانونية المستندة إلى القانون العام، إلى الاعتماد على المبدأ القانوني القديم "من أجل صياغة العقود، ينبغي أن يكون هناك اتفاق متبادل"، أي إذا أبدى طرفان متفاوضان موافقتهما بالإشارة بالإصبع فقط بعد مناقشة الشروط، فمن المحتمل أن يكونان قد توصلا إلى اتفاق (على الأقل في الولايات المتحدة).

مجدداً، تُعتبر الرموز التعبيرية الأخرى أكثر غموضاً، خاصة عبر الثقافات، ولكن أيضاً داخل الثقافة نفسها. وجدت إحدى الدراسات أنّ الناس يختلفون بنسبة 25% تقريباً من الوقت حول ما إذا كانت الرموز التعبيرية لها دلالة إيجابية أو سلبية. يعد الغموض خطيراً في النقاشات التعاقدية، ولهذا السبب ذكّرت نقابة المحامين في كارولينا الجنوبية بوضوح أعضاءها في مارس (آذار) بأنّ الرموز التعبيرية "يجب ألا تستخدم في الكتابة القانونية الرسمية أو في أي مراسلات تجارية".

التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة وحرية التعبير

أقرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة أنّ "الكلام" بموجب "التعديل الأول للدستور الأميركي" لا يقتصر على الكلمة المنطوقة أو المكتوبة. وأظهرت حالات سابقة أنّ وضع شارة سوداء على الساعد للاحتجاج على حرب فيتنام أو حرق العلم الأميركي محمي بموجب "التعديل الأول للدستور". لكن القضية الأساسية الكبرى حول الحماية الدستورية للخطاب الذي ينطوي على الرموز التعبيرية لم تحدث بعد.

يبدو أنّ المحكمة العليا اقتربت من النظر في قضية إلونيس ضد الولايات المتحدة، وانطوت هذه القضية على منشورات على "موقع فيسبوك" لأنتوني دوجلاس إلونيس، مكتوبة تحت الاسم المستعار "تون دوجي"، حيث نشر كلمات لموسيقى الراب ابتدعها بنفسه وتحتوي على ألفاظ عنيفة وصور مأخوذة لزوجته وزملائه في العمل. ادعى إلونيس أنّ رسائله كانت محض خيال ومحمية بموجب "التعديل الأول للدستور". وقال إنّ استخدامه للوجه التعبيري مع اللسان خارج الفم ":-P" يشير إلى أنّ كلماته كانت مزاحاً ولا تنطوي على تهديدات خطيرة.

نقضت المحكمة العليا القضية بناء على توجيهات هيئة المحلفين الخاطئة، لكنها للأسف رفضت الإقرار في مسألة "التعديل الأول للدستور" أو الوجه التعبيري ذاته، ما أدى إلى شعور أستاذتي القانون إليزابيث كيرلي ومارلين مكماهون بخيبة أمل، وكتبتا: "التفّت المحكمة بذلك على الفرصة للإقرار بقيمة أدلة الرموز التعبيرية كخطاب رقمي".

كتب روسكو باوند، وهو أحد علماء القانون الأميركيين الأكثر استشهاداً بآرائه في أوائل القرن العشرين قائلاً: "ينبغي أن يكون القانون ثابتاً، لكن يجب أن يكون مرناً بالوقت نفسه". قد تكون الصور التوضيحية الرقمية في قضايا المحاكم جديدة بالنسبة إلى بعض القضاة، ولكنها تبقى مفهومة ويمكن تقييمها من خلال المبادئ القانونية الموجودة مسبقاً، ذلك ابتداء من المقاصد الإجرامية وليس انتهاء بالكلام الذي لا ينطوي على قيمة عالية. ومن المؤكد أنّ الرموز التعبيرية لا تعطل النظام القانوني بأكمله كما أشارت إليه بعض التغطيات الإعلامية.

من وجهة نظر باوند، ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه المحاكم عند النظر في قضايا الرموز التعبيرية هو ليس عدم الثبات، بل الترسيخ. تنطوي الرموز التعبيرية على ميزة عظيمة، أي أنها مثل لغة الجسد أو نبرة الصوت، ويمكن للصور التوضيحية إضفاء الطابع الإنساني على النص. وهذا هو السبب وراء أنّ حكم القضاة القدامى بأنه ينبغي حظر الرموز التعبيرية من سجل الأدلة أو رفض اعتبارها جزءاً من القضية، هو حكم غير موفق، إذ إنّ تجاهل الأنماط الجديدة للكلام الرقمي لا ينطوي على فشل في مواكبة العصر فحسب، لكنه ينم أيضاً عن عدم الرغبة في مراجعة الحقائق فيما يتعلق بالسياق الإنساني.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND