الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً

بقلم: والتر جونسون وديانا بومان ولوسيل تورناس وأندرو ماينارد

يمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد الرياضيين على تخطي الحدود القائمة واختبار المادية منها، إذ تتحدى تلك التقنيات في بعض الأحيان المفاهيم الراسخة حول "الروح الرياضية" وما يعنيه التنافس على ساحة اللعب التي تتسم بالعدالة والإنصاف. شهدنا في العقد الماضي حدوث جدال حول عدالة كل ما هو متعلق بالرياضة ابتداء من ملابس السباحة الحديثة وليس انتهاء بـ"مساند الجري" (التي تعوض الساق المبتورة).

تعد تلك التقنيات ثانوية مقارنة مع تلك التي تتطور بسرعة مثل تقنية "كريسبر"، وهي تقنية للتعديل الجيني ترسم سمات الرياضيين المستقبليين. رغم حظر تعديل الجينات البشرية أثناء عملية انقسام الخلايا، إلا أنه في السنوات القليلة المقبلة قد يولد أطفال ممن عُدلت جيناتهم قبل الولادة من أجل منحهم ميزة تنافسية في وقت لاحق من حياتهم. بعض أولئك الأفراد قد يكونوا في سن يسمح لهم بالدخول في منافسات أولمبياد 2040، ومن الجدير بالذكر أنّ العديد من الرياضات تشترط أن يتراوح الحد الأدنى لأعمار المشاركين فيها ما بين 14 إلى 17 عاماً، بينما لا تشترط بعض الرياضات الآخرى، مثل السباحة، سناً معيناً. ستكون هذه الحالات مغايرة لتلك السائدة، لكنها سوف تظهر بالتأكيد، إلا أننا غير مستعدين للتعامل مع الرياضيين المعدلين جينياً، ولا مع النُهج التي قد يتخذها الأفراد أو البلدان في تحمل مخاطر مجهولة وغير محددة للوصول إلى تلك المرحلة.

من الناحية النظرية، قد يتيح تعديل الجينات إمكانية التحكم الدقيق في كيفية نمو جسم الإنسان والحد الأقصى المحتمل لشخص ما. إذ قد تزيد كتلة العضلات أو نسبة عضلات الجسم المخصصة لاندفاعات الطاقة، وهي ما تعد ميزة مهمة محتملة في العديد من الرياضات المعتمدة على وجود مسارات للتنافس أو السباحة أو الجمباز. بالنسبة إلى رياضات التحمل مثل ركوب الدراجات أو الجري لمسافات طويلة، فيمكن للرياضيين قطع مسافات أبعد وأطول قبل أن يصيبهم الإرهاق، ذلك في حال كانت جيناتهم تمكن الدم من حمل المزيد من الأوكسجين. ما تزال العديد من هذه الاحتمالات افتراضية وما يزال العلم غير مهيئ نسبياً، لكنها أمور تستحق التفكير فيها مبكراً.

تتطور تقنيات تعديل الجينات بوتيرة مذهلة، فمنذ ما يزيد على عام بقليل، وُلد توأمان معدلان وراثياً من خلال استخدام تقنية كريسبر في الصين. وكشف باحثون آخرون في أكتوبر (تشرين الأول) عن تقنية "التعديل الأساسي"، وهي تقنية جديدة أكثر دقة من سابقتها "كريسبر". على الرغم من الدعوات العالمية لتوخي الحيطة، فقد واصل العالم الروسي دينيس ريبريكوف وآخرون المضي قدماً في خططهم لمواصلة اختبار تعديل جينات البشر. يعد هذا المجال تنافسياً إلى حد ما (على الرغم من أنه ليس مجزياً كفاية بالدرجة ذاتها) مثل عالم الرياضة الدولية، التي لديها تاريخ من برامج عن تعاطي المنشطات التي ترعاها الدول. قد يعني هذا أنه يمكن كسر جميع الأرقام القياسية التي يمكن تصورها في أولمبياد 2040، أو بعد فترة وجيزة. لكن ما ذكرناه للتو يعد نصف المشكلة فقط، إذ لن تحطَم تلك الأرقام القياسية إلا إذا عملت التعديلات الجينية كما هو مخطط لها، فمجرد افتراض ما يمكن تحقيقه من خلال هذه التقنيات الجديدة غالباً ما يقود إلى استخدامها، وبالتالي إساءة استخدامها. إذا كان الناس، سواء كانوا من الآباء أو المسؤولين الحكوميين، يعتقدون أنّ تعديل الجينات يمكن أن يضيف أو يزيل سمات معينة بسهولة، فمن المحتمل أن ينتهي ذلك بمحاولات للارتقاء بالجيل القادم من الرياضيين عاجلاً وليس آجلاً.

يولي الرياضيون والدول القومية اهتماماً شديداً بعلم الوراثة والتكنولوجيا الحيوية في مجال الرياضة، فقد ذكرت "مجلة ساينتيفيك أميركان" (Scientific American) أنه قبل وقت قصير من موعد الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008، تلقى عالم معروف بإجرائه لأبحاث العلاج الجيني مكالمات عدة يومياً من رياضيين يسعون إلى الحصول على ميزة وراثية في المنافسة، على الرغم من أنّ هذه التقنية تعد غير مختبرة أساساً وربما غير آمنة. وأعلنت الصين في 2018 أنها سوف تستخدم تسلسل الجينوم الكامل للرياضيين كعامل عند النظر في أهليتهم للمشاركة ضمن فريق الألعاب الأولمبية الشتوية 2022. إنّ إمكانية ظهور أشكال احتيال مبنية على تعاطي المنشطات الجينية حثت "الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات" (World Anti-Doping Agency) على إدراج تلك المنشطات بصورة واضحة ضمن قائمتها لعام 2004، كما أنشأت برامج لمراقبة الرياضيين البالغين الذين يحاولون تعزيز قدراتهم بهذه الطرق ومعاقبتهم. لكن تدابير الوكالة ينطوي على اعتبار محدد للغاية، وهو اتخاذ الرياضي لهذا القرار بمفرده، أي من المحتمل ألا تنطبق على الرياضيين الذين أجري التعديل الجيني لهم قبل ولادتهم.

عندما يقترن ذلك مع الاهتمام المتزايد بعلم الوراثة في مجال الرياضة، وهو موضوع نطرحه في ورقة بحثية جديدة نُشرت في "مجلة أسترليان آند نيوزيلاند سبوتس لو جورنال" (Australian and New Zealand Sports Law Journal)، فمن المرجح أن تخلق ضجة وجاذبية تعديل الجينات بمراحلها الأولى إغراءات سياسية واقتصادية خطيرة لدى البلدان والآباء لبدء ظاهرة "تعاطي المنشطات الجينية". غالباً ما ترى البلدان أنّ الأداء في الأولمبياد يعد بمثابة الوكيل للقوة والنفوذ في المجتمع الدولي، الأمر الذي قد يقود أولئك الذين يسعون إلى رفع وضعهم السياسي والاقتصادي أو الحفاظ عليه إلى تطوير برامج تعاطي المنشطات الجينية سراً. وينطبق الأمر نفسه على الآباء، حتى لو كان على نطاق أصغر، ذلك من خلال الشروع في تكوين طفل ليصل إلى مستوى لاعب عالمي يجلب الشهرة، وربما الاستقرار المالي (على حسب نوع الرياضة)، بالإضافة إلى الشعور بالفخر على أقل تقدير. سيكون الأمر باهظ التكلفة في البداية، ولكن هناك أناس أثرياء جداً يرغبون في رؤية أطفالهم ينجحون في رياضات تنافسية. كانت المسابقات الرياضية الدولية لعدة عقود بمثابة مساحة يستخدم فيها الرياضيون وبلدانهم ومدربونهم العلوم والتكنولوجيا المتطورة بحثاً عن التقدم في المجموعة. إليك مثال على ذلك، فمنذ ما يقرب من 70 عاماً، كان بوسع رافعي الأثقال والمصارعين السوفييت الذين يستخدمون مكملات هرمون التستوستيرون الجديدة الحصول على ثماني ميداليات ذهبية أولمبية.

لكن ذلك يعد خطراً، وسيكون تعديل الجينات قبل بدء الحمل أكثر تعقيداً بكثير من تناول مكملات لتعزيز الهرمونات، إذ لا يتدفق الأداء الرياضي من جين واحد أو اثنين فقط، بل تعمل مئات الجينات أو أكثر في اتساق لخلق إمكانات رياضية. ويعتمد ما إذا كانت هذه الإمكانية تترجم إلى أداء على العديد من العوامل الأخرى، بما في ذلك البيئة والتدريب والتغذية والرغبة الشديدة في الفوز. لدى عدد من الجينات الفردية ارتباطات معروفة بخصائص رياضية مثل تحسين القدرة على التحمل وتقليل خطر الإصابة، لكن ما يزال أمام العلماء الكثير لمعرفته حول كيفية عمل هذه الجينات، وأي من الجينات الأخرى تتفاعل معها.

محدودية فهم الطريقة التي تؤثر بها التقنيات الجديدة لتحسين الأداء على الجسم لم يمنع الرياضيين أو البلدان من استخدامها في الماضي. في أواخر الثمانينيات، لجأ راكبو الدراجات على سبيل المثال إلى استخدام طرق جديدة لحقن الدم من أجل رفع قدرتهم على التحمل، واستمر ذلك حتى بعد صدور تقارير في أوائل التسعينيات بأنّ ما يصل إلى 20 رياضياً قد ماتوا بسبب المضاعفات. لقد ثبت أنّ ربط تعاطي المنشطات بموت راكبي الدراجات بصروة قطعية هو أمر معقد عند التفكير فيه، لكن المسألة ما زالت تُظهر كيف وظّف الرياضيون بعجلة تقنيات جديدة وغير مجربة من أجل اكتساب ميزة تنافسية دون معرفة ما إذا كان قد يتسبب ذلك في أضرار جسيمة على صحتهم.

لا يقتصر هذا النمط على الأفراد فقط، إذ يشير تاريخ طويل ومثير للجدل لبعض الدول، بما في ذلك ألمانيا الشرقية والصين وروسيا، المنخرطة في برامج تعاطي المنشطات التي ترعاها الدول إلى أنّ الحكومات قد تكون على استعداد لتحمل المخاطر فيما يخص صحة الرياضيين مثلما يفعل الأفراد أنفسهم. مثل تلك البرامج ليست شيئاً متعلقاً بالمضي فحسب، ويتضح ذلك من خلال قرار "الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات" في أوائل شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019 بحظر روسيا من التنافس على المستوى العالمي خلال السنوات الأربع القادمة. واتهمت بعض الدول، مثل الصين، بإرغام الرياضيين على تناول جرعات كبيرة من المنشطات على مدى فترات طويلة. تشير أحداث تاريخية إلى أنّ بعض البرامج الرياضية المدعومة من الحكومة، التي لا تعير اهتماماً لصحة الرياضيين أو موافقتهم، قد لا تلحظ سوى القليل من القضايا الأخلاقية المتعلقة بتعديل الجينات إذا وجدت إمكانات طفيفة فحسب لرفع مستوى أداء الرياضيين في المستقبل.

قد يعرض ذلك الرياضيين إلى مخاطر جسيمة، إذ على الرغم من إمكانية العثور على مساحات صحيحة للعلاج، فإنّ العديد من تقنيات "كريسبر" لتعديل الجينات مسؤولة عن إجراء تعديلات جينية بعيدة عن الهدف، وهي تغييرات غير مقصودة قد تؤدي إلى مرض أو خلل وظيفي عند البشر. في حين أنّ "التعديلات الأساسية" الجديدة قد تكون أكثر دقة، إلا أنّ الأخطاء ستظل تحدث، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث لتقييم فوائدها وأوجه قصورها. حتى في حال حدوث التعديلات الجينية المقصودة فقط، إلا أنها ما تزال تتسبب في تبعات صحية. على سبيل المثال، في حين أنّ التعديلات التي أُدخلت على التوأمين المولودين في الصين قد تقلل من مناعتهما تجاه بعض الأمراض المعدية، فقد اعتقدوا سابقاً أنها سوف تقلص دورة حياتهما أيضاً، إلا أنّ البيانات التي تدعم هذا الاستنتاج قد أصبحت موضع شك مؤخراً، ما يوضح تماماً مدى تعقيد هذه المسألة.

ليس واضحاً كيف ستكون استجابة المجتمع الرياضي الدولي تجاه كل هذا، أو كيف ينبغي له التعامل معه. ولا نعلم حتى كيف يمكن اكتشاف الرياضيين الذين عُدلت جيناتهم، وهو ما قد يؤدي إلى وضع لوائح تتطلب فحص الجينات بالكامل لدى الرياضيين. من شأن هذا إثارة قضايا شائكة على نحو خاص حول إمكانية وتوقيت استخدام تعديل الجينات لمنح متغير وراثي موجود بصورة طبيعية ولكنه مفيد، أي تحسين ميزة موجودة بالفعل لدى الرياضيين الذين يتعاطون المنشطات الجينية. هذا هو الحيز الذي من المحتمل أن تنشأ فيه تحديات اجتماعية وأخلاقية أكثر تعقيداً، ففي حال اكتشاف أنّ أولئك الرياضيين قد عُدلت جيناتهم قبل الولادة، فهل سيمنعون من الدخول في المسابقات لـ"إنصاف" الآخرين، أو أنهم سيمنعون من أجل الحد من ممارسة تعديل الجينات البشرية؟ أم هل سيُطلب منهم تناول الأدوية لكبح قدراتهم، وبالتالي، العودة إلى المستويات "الطبيعية"، كما حدث مع العداءة كاستر سيمينيا العام الماضي؟ وبما أنّ تعديل الجينات في مراحلها الأولى أصبح متاحاً بصورة متزايدة، فمن الجهة التي ستقرر ما هو "الطبيعي"؟

مع غياب السبل القانونية أو الأخلاقية الواضحة للمضي قدماً، فإنّ المجتمع غير مستعد للاحتمال الفعلي لتعاطي الرياضيين المنشطات الجينية. كخطوة أولى، ينبغي على وكالات مكافحة المنشطات مثل "الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات" دعوة فرق من الخبراء لوضع قواعد تنجح عبر مختلف الثقافات، ودمج أفضل العلوم المتاحة حول تعديل الجينات وتأثيراتها المحتملة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الهيئات مثل "منظمة الصحة العالمية" و"اليونسكو" بحاجة إلى تطوير مجموعة من المعايير والتوقعات الخاصة بتعديل الجينات في مراحلها الأولى، والإشارة ضمنها إلى الرياضيين. من دون هذا النقاش التشاوري ووضع المعايير، فإننا نواجه مجتمعين خطر التغاضي عن سوء استخدام التكنولوجيا الذي قد يؤدي إلى تدمير حياة الكثير من الناس، في حال لم يتم تطبيقها بمسؤولية.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND