الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً

بقلم:  دانيال أوبرهاوس

توافد عشرات الآلاف من الأشخاص في كل صيف على مدار الأعوام الخمسة والعشرين الماضية إلى برشلونة، إسبانيا، لمشاهدة مهرجان سونار "Sónar"، وهو مهرجان يستمر لثلاثة أيام يُعنى بالموسيقى الإلكترونية والفن والتصميم. إنه أشبه بحدث يجمع بين مؤتمر تيد "TED talk" ومهرجان الرجل المحترق "Burning Man" ومهرجان كوتشيلا فالي للموسيقى والفنون "Coachella"، وقد تطور المهرجان من تجربة صغيرة إلى حدث وصفته "صحيفة نيويورك تايمز" في عام 2017 بأنه "مؤسسة أوروبية". إنه يمثل أيضاً أقرب شيء حاولنا من خلاله التواصل مع خارج كوكب الأرض.

للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لـ"مهرجان سونار" في 2018، عقد المهرجان شراكة مع معهد كاتالونيا لدراسات الفضاء "Catalonia Institute for Space Studies" ومؤسسة ميتي إنترناشونال "METI International" غير الربحية لإرسال سلسلة من الرسائل بين النجوم إلى نجم لويتن "Luyten’s star"، وهو من الأقزام الحمراء ويبعد حوالي 12 سنة ضوئية من الأرض. على الرغم من أنّ الأقزام الحمراء هي أكثر الأجسام النجمية شيوعاً في مجرتنا، إلا أنّ "نجم لويتن" يعدّ استثنائياً لاستضافته كوكب جي جاي 237 بي"GJ237b"، وهو أقرب كوكب يمكن أن يكون صالحاً للحياة خارج نظامنا الشمسي. لا أحد يعلم على وجه اليقين ما إذا كان "كوكب جي جاي 237 بي" مأهولاً، سواء من قبل كائنات ذكية أم غير ذلك، ولكن إذا تواصلت المخلوقات الفضائية مع كوكب الأرض، فإنّ "مهرجان سونار" سوف يكون قد حقق شيئاً عظيماً.

على مدار عدة ليالٍ في أواخر عام 2017 وأوائل عام 2018، أرسلت شبكة رادار موجودة في مدينة ترومسو، النرويج، رسالة مخصصة من "مهرجان سونار" نحو "كوكب جي جاي 237 بي". ومثل أي مراسلات جيدة، بدأت الرسالة بإلقاء التحية، وفي هذه الحالة، فإنّ أول 33 عدداً أولياً تكرروا في اثنين من ترددات الراديو المتناوبة، وكانو بمثابة بديلاً لـ"مرحباً". وتبع ذلك درس تعليمي موجز، حيث يأمل مصممو الرسالة أن ذلك سوف يعلّم الكائنات الفضائية استخلاص الموسيقى المكتوبة من قبل الموسيقيين المنضمين إلى "مهرجان سونار" والمدمجة في الرسالة.

يبلغ طول كل أغنية في رسائل المهرجان بضع ثوانٍ فقط، وقد يتم تسميتها بالموسيقى بالمعنى الأضيق للكلمة. تم إنشاء أحد المسارات من خلال تغذية الخوارزمية بالموسيقى والسماح لها بإعادة مزج الدرجات الموسيقية كما تجدها مناسبة، ما تنج عن ذلك صوت يشبه المؤثرات الصوتية لأفلام الرعب. ويستخدم آخر الأعداد الذرية لعدد من جزيئات الأكسجين والسليكون وعناصر أخرى كترددات للنغمات الصافية. لا تسهّل هذه الترتيبات الاستماع إلى الموسيقى، إذ إنّ الهدف لا يتمثل في ذلك، بل يستخدم الفنانون الموسيقى كوسيلة لنقل المعلومات، سواء عن ذوقنا الفني أو تقنياتنا أو علم وظائف الأعضاء البشرية، أي جميع المواضيع التي من المفترض أن تكون موضع اهتمام متلقي خارج كوكب الأرض.

من نواحٍ عديدة، فإنّ رسائل "مهرجان سونار" ستكون على قاعدة جيدة، حيث تم توجيه رسائل عدة قبل ذلك. على متن أول مركبة فضائية من صنع الإنسان تصل إلى الفضاء بين النجوم، وهي المركبة الفضائية فوياجر 1″Voyager 1″، أُرسل تسجيل صوتي على اسطوانة مطلية بالذهب يتضمن الموسيقى الشعبية المكسيكية، وموسيقى الروك آند رول الأولى، وأغنية زفاف بيروفية، وغيرها. وفي عام 2001، تضمنت رسالة مرسلة من رادار إيفباتوريا "Evpatoria radar" في أوكرانيا موسيقى لبيتهوفن وفيفالدي وجيرشوين، مؤداة على آلة الثيرمن. ثم بعد بضع سنوات، أرسلت "وكالة ناسا" أغنية لـ"فرقة البيتلز" إلى نجم يبعد 400 سنة ضوئية.

لكن رسائل "مهرجان سونار" فريدة نظراً لأنها بمثابة عملية الاتصال الوحيدة بين النجوم التي تستخدم الأغاني المؤلفة من قبل الموسيقيين للتواصل خصيصاً مع الكائنات الفضائية. إنّ الرسائل التي تتضمن محتوى من المعلومات الجوهرية يضعها بقوة ضمن تقليد مراسلة المخلوقات الذكية خارج كوكب الأرض، أو ميتي"METI"، وهو مصطلح صاغه عالم الفلك ومهندس الراديو الروسي ألكسندر زايتسيف للتمييز بين الممارسة وأساليب التواصل الأخرى بين النجوم. يركز البحث على الذكاء الخارجي، أو سيتي "SETI"، على الاستماع لإشارات الكائنات الفضائية بدلاً من إرسالها، أما سيتي النشط"active SETI" فينطوي على إنشاء إشارات تفتقر إلى المعلومات، ولكنها تشير إلى الكائنات الذكية الفضائية إلى أننا موجودون.

تاريخياً، ذهب التواصل بين النجوم باتجاه الشكليات، أو الأنظمة التي يتم فيها التعامل مع العناصر وفقاً لقواعد دقيقة. (فإنّ لعبة مثل لعبة الشطرنج تعتبر ذات طابع شكلي للغاية، في حين أنّ اللغة الطبيعية تعدّ أقل شكلية). على سبيل المثال، تطورت "لغة الكوزميكا "lingua cosmica" (بمعنى اللغة الكونية) في عام 1960، وهي أول لغة اصطناعية للتواصل بين النجوم، ومستندة على مزيج من المنطق والرياضيات وتركيب اللغة الطبيعية. (استخدمت عمليات التواصل الكونية في عامي 1999 و2003 لغة رمزية مخصصة تعتمد على "لغة الكوزميكا". في الآونة الأخيرة، اقترح عالم الكمبيوتر الهولندي ألكسندر أولونجرن جيلاً ثانياً من "لغة الكوزميكا" المستمدة من حسابات اللامدا "lambda calculus"، وهو نظام شكلي منطقي للغاية.

تقدّم هذه الأنظمة ذاتها للتحليل المباشر، إذ تنطوي الفكرة على أنّ المخلوقات الفضائية يمكنها استخلاص قواعد النظام من دون فهم معنى الرموز نفسها. يُنظر أحياناً إلى الموسيقى على أنها عكس ذلك، أي غير قابلة للوصف، وشيء لا يُفهم كثيراً كما قد يُشعر بها. ولكن كما قد يخبرك أي موسيقي، هناك أيضاً منطق عميق ومتأصل في الموسيقى، أي هناك مسافات متساوية بين الدرجات الموسيقية على السلم الموسيقي، ويمكن دمج تلك الدرجات بطرق معينة تسمى النغمات المتوافقة، ويمكن التعبير عن الإيقاع بنسب رقمية تسمى وزن الإيقاع، وما إلى ذلك. الموسيقى هي مزيج من المنطق والعاطفة، من "اليين واليانغ" للتجربة الإنسانية.

في هذا الصدد، تعدّ الموسيقى وسيلة مثلى للتواصل بين النجوم، ولكن يجب أن تكون مناسبة لنقلها عبر مليارات الأميال من الفضاء الخالي. عندما نسمع الموسيقى على الأرض، تسجل الأذنان ضغط الهواء المحيط، لكن لا يوجد هواء في الفضاء، أي أنّ الكائنات الفضائية لا تتمكن من سماع رسالة موسيقية مباشرة. ينبغي أولاً تشفير الموسيقى في موجة الراديو إما بتنسيق تناظري أو رقمي. (استخدم كلا التنسيقين لإرسال الموسيقى عبر الفضاء بين النجوم). تشير الشكليات الموروثة للموسيقى إلى أنّ المخلوقات الفضائية التي تفتقر إلى القدرة على الاستماع يمكن أن تحلل بشكل فاعل عناصر مختلفة من الموسيقى، بالإضافة إلى إيقاعها ودرجتها وما إلى ذلك، من خلال دراسة الطريقة التي شُفرت فيها هذه العناصر في موجات الراديو.

اقترح كل من دوغلاس فاكوتش، مؤسس "مؤسسة ميتي" ومدير مشروع المراسلة في "مهرجان سونار"، والملحن أندرو كايزر، وأولونجرن، طرقاً فريدة لترميز المفاهيم الموسيقية في المراسلات بين النجوم. على سبيل المثال، اقترح فاكوتش طريقة لاستخدام الأيقونات الصغيرة لتعليم المفاهيم الموسيقية للكائنات الفضائية. (على عكس الرموز، التي لا تشبه الشيء الذي تمثله، فإنّ الأيقونات تشبه تماماً الشيء الذي تمثله). لذلك، لتعليم مفهوم الإيقاع، يمكن للمراسلات بين النجوم أن يكون إيقاعها متوازناً. ما الذي يمكن أن تتعلمه الكائنات الفضائية من تحليلها للعناصر الشكلية للموسيقى المشفرة في رسالة بين النجوم؟ وفقاً لفاكوتش، يمكن للرسائل الموسيقية تعليم الكائنات الفضائية قليلاً عن علم وظائف الأعضاء البشرية. على سبيل المثال، يمكن استخدام الدرجات الموسيقية المختلفة على السلم الموسيقي لتحديد مدى حساسيتنا للاختلافات بين الدرجات الموسيقية.

بالإضافة إلى الجوانب العملية لاستخدام الموسيقى كأساس للمراسلات بين النجوم، يجدر أيضاً التفكير في دورها في التجربة الإنسانية. توجد أنواع من الموسيقى في كل ثقافة تقريباً على الأرض. وعلى عكس اللغة، يمكن لأي شخص، يمكنه على الأقل سماع و/أو إدراك الإيقاع، "فهم" الموسيقى، حتى لو كان لا يستطيع العزف على آلة موسيقية أو ترجمة الدرجات الموسيقية على الآلات. إذا كان هدف "مؤسسة ميتي" هو نقل معلومات حول الأرض وسكانها، فإّن إهمال تضمين الموسيقى سيكون بمثابة إغفال لا يستهان به.

يعدّ انتشار الموسيقى على الأرض أمراً جيداً، ولكن عندما يتعلق الأمر بإرسال الرسائل بين النجوم، فإنها تمثل مشكلة. إذاً، كيف يمكننا اختيار الأغاني التي نريد إرسالها إلى المخلوقات الفضائية؟ في الماضي، كان المحتوى الموسيقي للرسائل بين النجوم متحيز للغاية تجاه الموسيقى الكلاسيكية الغربية، التي بالكاد تعكس تنوع الأساليب الموسيقية الموجودة على كوكبنا. ينشأ هذا التحيز من عدم وجود تنوع في اللجان الصغيرة للأفراد المسؤولين عن اختيار الموسيقى لإرسالها بين النجوم. حاول جون لومبرج، الذي ساعد في تصميم أسطوانة فوياجر الذهبية "Voyager golden records" (التي أرسلت إلى الفضاء وتحمل معلومات عن الإنسان)، إعداد رسالة أكثر تنوعاً لمهمة نيو هورايزونز "New Horizons"، والتي كانت لتصبح الرسالة التالية التي تدخل الفضاء بين النجوم، ولكنها لم تُرسل في المركبة الفضائية.

أي عملية اختيار تتناول الموسيقى الموجودة مسبقاً فقط، فلا بد أنها تعاني من التحيزات الثقافية. من المستحيل إنشاء ببساطة مجموعة موسيقية تمثل كل مجموعة ثقافية على الأرض أو كل نوع من أنواع الموسيقى. هذا يشير إلى أنّ تأليف الموسيقى المقصود منها نقل المعلومات بين النجوم هو المسار الواعد لإحراز تقدم باعتبار أنّ ذلك سيخلق بفاعلية نوعاً جديداً تماماً من الموسيقى. لن يقتصر الأمر على تجنب التحيز في الاختيار، ولكنه يفتح أمامنا إمكانية تأليف موسيقى تحمل أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الإنسان. يعدّ هذا خروجاً جذرياً عن وظيفة الموسيقى النموذجية لربط البشر مع بعضهم، وسيتم تأليف الموسيقى الجديدة المرسلة إلى خارج كوكب الأرض لربط جنسين مختلفين تماماً عبر مساحات شاسعة من الزمان والمكان.

كانت العناصر الموسيقية لرسائل "مهرجان سونار" عام 2018 بمثابة خطوة أولية في اتجاه الموسيقى المخصصة لخارج كوكب الأرض، لكنها لن تكون الأخيرة. أعلنت مؤسسة سيتي "SETI" في وقت سابق من هذا العام عن "مشروع إرثلينج" (Earthling) الخاص بها، والذي يستعين بمصادر الموسيقى الأصلية من جميع أنحاء العالم. ستشكل هذه النماذج أساساً لتركيبة موسيقية مكونة من سبعة أجزاء تسمى "إرثلينج" والتي سيتم تأديتها في موقع مصفوفة تلسكوب ألين"Allen Telescope Array" في شمال كاليفورنيا، وهي مصفوفة التلسكوبات الوحيدة في الولايات المتحدة المكرسة للبحث عن المخلوقات الذكية خارج كوكب الأرض. يهدف "مشروع إرثلينج" إلى تأليف تركيبة موسيقية مشتركة تمثل الإنسانية بصورة واضحة، التي نأمل أن تتجنب التحيز الذي أصاب سابقاً الرسائل الموسيقية المرسلة بين النجوم. على الرغم من عدم وجود خطة لبث هذه الموسيقة في الكون، إلا أنّ المشروع يمكن أن يعلمنا الكثير حول كيفية تأليف الموسيقى مع التركيز على التواصل بين النجوم.

عندما شرع كارل سيجان في تصميم "أسطوانة فوياجر الذهبية"، فهم أنّ أول رسالة إنسانية بين النجوم لم يكن مرجحاً أن يتم استلامها من قبل كائنات ذكية خارج كوكب الأرض. ومع ذلك، فقد أدرك أنّ "إطلاق هذه الرسالة في المحيط الكوني يعني شيئاً يبعث على الأمل في الحياة على هذا الكوكب". وينطبق الأمر نفسه على جميع الرسائل الموسيقية التي سوف تُرسل بين النجوم في المستقبل، حتى لو لم تسمع الكائنات خارج كوكب الأرض ألحاننا.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND