آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



طلال ملك
طلال ملك
رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة "Alpha1Corp" منذ عا..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

غالباً ما يُقدم مختصّو البصريات، مثل اختصاصي تركيب النظارات وتصحيح الإبصار، على إجراء فحوصات للعين لتحديد مدى وضوح الرؤية، فإذا كانت نسبة الرؤية لدى الفرد 20/20، فهذا يعني أنه يستطيع رؤية الأجسام على بعد 20 قدماً (6 أمتار) بشكلها الطبيعي على تلك المسافة، أما إذا كانت نسبة الرؤية لديه 20/10، فهذا يعني أنه يرى الأجسام على بعد 10 أقدام (3 أمتار) بشكلها الطبيعي، وبالتالي تتحسن قدرته على الرؤية.

وهكذا إذا عدنا بالذاكرة إلى أحداث العِقد الماضي وما قبله، فقد تتوافر لنا القدرة على استشراف أحداث العقد التالي في عشرينيات الألفية الجديدة.

مقابل كل إنجاز ضخم استطاعت البشرية تحقيقه في بداية كل عقد من القرن الحادي والعشرين، واجهت أيضاً تحديات هائلة في أوقات لاحقة. ففي الوقت الذي أطلقت فيه الأمم المتحدة الأهداف الإنمائية للألفية في سبتمبر (أيلول) 2000، شهد العالم في نفس الشهر من العام التالي الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر تلتها الحرب الأميركية في أفغانستان، التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

وفي 4 يناير (كانون الثاني) 2010 شهدت دبي افتتاح "برج خليفة"، أطول مبنى من صنع الإنسان في العالم، بينما توفي بائع تونسي متجول حرقاً في اليوم نفسه من عام 2011 بعد أن أضرم في نفسه النار ليُشعل فتيل الثورات العربية. وعلى هذا النحو، كثيراً ما تطل الأحداث السياسية المدمرة برأسها من جديد، مثل استفتاء بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي والانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016، ليس هذا فحسب، بل وبعنف أكبر، وبالتالي فهذه الأحداث تتطلب إعداداً استباقياً.

ونظراً لازدياد وتيرة تكامل الاقتصاد العالمي في عشرينيات الألفية الجديدة، فسيؤدي الاقتصاد الرقمي إلى تعزيز سبل الوصول إلى المنتجات وكفاءتها وحجم الاقتصاد على مستوى العالم، لكنه يواجه خطر زيادة الانفصال عن الاقتصاد الحقيقي. وفي هذا الشأن، بلغ الدين العالمي في عام 2019 رقماً قياسياً بقيمة 250 تريليون دولار، وفق تقديرات "معهد التمويل الدولي". وبمقارنة إجمالي الناتج العالمي البالغ أكثر من 86 تريليون دولار، فإن نسبة إجمالي الناتج العالمي للكوكب إلى الدين تبلغ 300%، دون احتساب الانتشار العالمي للعملات المشفرة.

انتهت فترة العشرينيات الهادرة في الغرب بانهيار بورصة "وول ستريت" الكارثي في أكتوبر من عام 1929، وبهذا أصبحت الضرورة الراهنة لتقليص حجم الدين العالمي، وبالتالي الحد من أثره على الأفراد في العالم الحقيقي ضرورة مُلحة. ولا تنفصل الأزمة المالية العالمية في وول ستريت عن الاحتجاجات التي اندلعت في مصر إثر الارتفاع الحاد في أسعار السلع الغذائية  في الفترة بين عامي 2007 و2008. وباتت هذه الضرورة أكثر إلحاحاً مع تجاوز عدد سكان العالم 8 مليارات نسمة بحلول منتصف عشرينيات الألفية الجديدة وفق التقديرات الإحصائية، واحتمالية تفوّق الهند على الصين كأكبر بلد مأهول بالسكان على وجه الأرض بحلول عام 2022.

على النقيض من ذلك، شهدت الولايات المتحدة حتى يوليو (تموز) 2019 أطول فترات التوسع الاقتصادي في تاريخها، وبالتالي قد يُخيل للبعض أن عشرينيات الألفية الجديدة ستشهد ازدهاراً اقتصادياً على غرار عشرينيات القرن العشرين. يعتمد هذا التصور على التضافر بين التطورات التكنولوجية الهائلة، التي تتيح التواصل فائق السرعة ووسائل النقل المتطورة، بالتوازي مع تيسير سبل التجارة العالمية وتكوين الثروة وريادة الأعمال كقوة محركة للاقتصاد العالمي.

ريثما تنتهي الحرب التجارية المتصاعدة، قد تخرج الصين كأكبر اقتصاد في العالم في عشرينيات الألفية الجديدة، مع مساهمة دول البريك ومجموعة الإحدى عشرة في النمو العالمي. يجب إذن التفكير في هذه القدرات الإنمائية جنباً إلى جنب مع إعادة التوزيع العادل لهذه الثروة، بما في ذلك مبادرات، مثل مبادرة الدخل الأساسي العالمي.

رغم الطفرة التكنولوجية الهائلة في عشرينيات الألفية الجديدة، فلنا في التاريخ عبرة، وأي عبرة، حتى التاريخ القديم. فعند عودته من الهند وبلاد فارس، أمر الإسكندر الأكبر يوم 6 يونيو (حزيران) لعام 232 قبل الميلاد، الأميرال نيارخوس، بتجهيز رحلة بحرية لاستكشاف بلاد العرب السعيدة، ويُقصد بها المنطقة المطلة على البحر الأحمر بشبه الجزيرة العربية، فما كان من نيارخوس إلا أن تجهز واستعد للإبحار، لكن المرض عاجل الإسكندر في ذلك الأسبوع، وتوفي 13 يونيو (حزيران) عام 323 قبل الميلاد.

وفي يوم 1 ديسمبر (كانون الأول) لعام 2019، تولت المملكة العربية السعودية رئاسة "مجموعة العشرين"، التي تمثل 90% من إجمالي الناتج العالمي، والمملكة هي العضو العربي الوحيد في مجموعة العشرين، وبلد الحرمين الشريفين، حيث أكثر أماكن الإسلام قداسة، والدولة الرائدة في قطاع الطاقة على مستوى العالم والذي تقدر قيمته بحوالي 6 تريليونات دولار، وهكذا يمثل انعقاد قمة قادة "مجموعة العشرين" 21 و22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، في الرياض بالصحراء العربية، المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يلتقي فيها أقوى قادة وزعماء العالم في شبه الجزيرة العربية، هذا الإنجاز الذي تاق إليه حتى الإسكندر الأكبر، ولكنه عجز عن تحقيقه.

في عشرينيات الألفية الجديدة، ستتوجه أنظار العالم من جديد إلى الفضاء، لتعيد إلى الأذهان ذكرى رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونج، وهو يهبط على سطح القمر منذ نصف قرن من الزمان، فمن المقرر أن تهبط أول امرأة، وثاني رجل على سطح القمر بحلول عام 2024، ضمن برنامج "أرتيمس" Artemis)) للفضاء بقيادة وكالة "ناسا"، بل وسيهبطان على القطب الجنوبي لسطح القمر، الذي لا تزال تضاريسه مجهولة حتى الآن. ومن المرتقب تنفيذ عدة مهمات بعد ذلك ضمن البرنامج كدراسة استيطان الإنسان لسطح القمر بحلول عام 2028. ويعتبر رواد الأعمال المليارديرات من المهتمين بالمشاريع الفضائية، مثل: إيلون ماسك، مؤسس شركة سبيس إكس "Space X"، وجيف بيزوس من شركة بلو أوريغين "Blue Origin"، وريتشارد برانسون من شركة فيرجن غالاكتيك "Virgin Galactic"، ويوري ميلنر من برنامج بريك ثرو ستارشوت "Breakthrough Starshot"، من أولئك الذين يتطلعون إلى تنظيم رحلات، كرحلة "أد أسترا" إلى النجوم وما بعدها، مع تنفيذ مشاريع لسياحة الفضاء في إطار المساعي الجادة لغزو المريخ.

وبمقدور نمو سياحة الفضاء أن يسهم بدوره في تمكين عولمة "أثر النظرة الشاملة"، وأثر النظرة الشاملة مفهوم صاغه المؤلف فرانك وايت في عام 1987، وهو تحول إدراكي في الوعي أشار إليه بعض رواد الفضاء في أثناء مشاهدة الأرض من الفضاء الخارجي، حيث تتلاشى الحدود بين الدول، وتغدو النزاعات غير منطقية، وتصبح الحاجة إلى حماية الكوكب وسكانه مسألة بديهية، وعلى قدر كبير من الأهمية في الوقت ذاته.

وعلى الغرار ذاته، تحتفل الأمم المتحدة في عام 2020 بمرور 75 عاماً على تأسيسها، كما تحتفل بمرور عقد من الزمان على الأهداف العالمية، التي ترمي إلى إنهاء الفقر المدقع، وتمكين الإنسان من الحصول على حقوقه الأساسية وإنقاذ الكوكب من تأثير تغير المناخ بحلول عام 2030.

وبالتالي، تعتبر الفترة الحالية الوقت الأنسب خلال هذا العِقد للاستفادة من "أثر النظرة الشاملة".

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND