الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: كلووي هادافاس

عندما أعلنت "شركة جوجل" الشهر الماضي أنها ستدعم حماية الخصوصية عبر الإنترنت من خلال إلغاء ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة نهائياً، تساوت تقريباً ردات الفعل المباشرة بين الثناء والتشكيك والسخرية. ولا عجب من ظهور تلك الأصوات المتنافرة بالنظر إلى المصالح المتضاربة لأكبر ثلاثة أصحاب مصلحة معنيين، وهم مستخدمو الإنترنت والمعلنون وجوجل نفسها.

ووفقاً لمنشور كتبه مدير الهندسة جاستن شوه على مدونة تابعة لـ"متصفح كروم"، فإنّ المتصفح المذكور سوف يتخلص تدريجياً من جميع ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة على المتصفح بحلول عام 2022. وحتى ذلك الحين، تنوي "شركة جوجل" جعل ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة أكثر أماناً، وستواصل البحث (من مصدر جماهيري على ما يبدو) عن بدائل أقل انتشاراً للمعلنين بحيث يمكن أن يكون لدى الجميع "شبكة آمنة مدعومة بالإعلانات" كما يقول شوه.

إنّ ملفات تعريف الارتباط هي عبارة عن أجزاء من البيانات يمكن أن تتركها المواقع الإلكترونية على متصفح المستخدم. وتعمل ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة، التي تضعها نطاقات أخرى غير الموقع الإلكتروني الذي تستخدمه حالياً، كأداة تتبّع لصالح المعلنين. على سبيل المثال، إذا كنت تتصفح موقع تسوق يترك ملف تعريف ارتباط من شركة إعلانات، فيمكن لاحقاً التقاط ملف تعريف الارتباط هذا مرة أخرى، ما يتيح لشركة الإعلانات معرفة الحذاء الرياضي الذي كنت تبحث عنه سابقاً. بمرور الوقت، تستخدم شركات الإعلانات ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة لإنشاء ملف تعريف مليء بالمواقع التي تزورها، والأمور التي تهمك، وغير ذلك. في فبراير (شباط)، سيكون "متصفح كروم" قد بدأ بالفعل في الحد من التتبع غير الآمن كجزء من مبادرة برايفاسي ساندبوكس "Privacy Sandbox" التي أعلنت عنها "شركة جوجل" في أغسطس (آب) الماضي. تعدّ هذه الخطوة الأخيرة مهمة لأنها تحدد جدولاً زمنياً لاتخاذ إجراءات صارمة في النهاية فيما يخص ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة، والتي يقول شوه إنها ستعزز الخصوصية.

ربما لا تكون دوافع "شركة جوجل" جيدة كما يدعي شوه، إذ لا يواجه "متصفح كروم"، الذي يمتلك 66% تقريباً من حصة السوق العالمي، لضغوط من المتصفحات المنافسة فحسب، فقد حظر كل من "متصفح سفاري" و"متصفح فايرفوكس" بالفعل ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة في عامي 2017 و2019 على التوالي، إلا أنه يواجه ضغوطاً أيضاً من خلال صدور قوانين خصوصية البيانات. أخبرني غايا بيرنستين، وهو أستاذ في القانون في جامعة سيتون هول "Seton Hall" ومدير معهد حماية الخصوصية "Institute for Privacy Protection"، إنّ التغييرات التي تطرأ على المشهد القانوني، مثل "النظام الأوروبي العام لحماية البيانات" و"قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا" المطبق حديثاً، تجبر شركات مثل جوجل على إظهار نفسها على أنها قائدة في مجال الخصوصية. وفقاً لبيرنستين، ربما يكون مقصد "شركة جوجل" من هذه الخطوة هو القول بإنها هي التي تنظم نفسها ولا داعي للتدخل.

قال بيرنستين: "يبدو الأمر رائع ظاهرياً، لكن أعتقد أنّ المشكلة تكمن في أننا لا نملك معلومات كافية بالفعل عما يفعلونه".

أما بالنسبة إلى ما يعنيه هذا لمستخدم الإنترنت العادي، ومثل العديد من الأمور التي تتعلق بالخصوصية على الإنترنت، فإنّ تأثير ذلك ليس واضحاً، بل ربما لن تلاحظ التغيير حقاً. قال أندرو فرانك، وهو محلل في "شركة جارتنر "Gartner": "أرى أنّ الأمر برمته غامض من وجهة نظر المستهلك"، وأضاف أنّ المستهلكين بدؤوا يولون اهتماماً أكبر بالأمان عبر الإنترنت بمعناه الأوسع، لكن التغييرات فيما يتعلق بجمع البيانات من خلال ملفات تعريف الارتباط قد تكون واضحة فقط فيما يخص تلك الإعلانات التي تعمل على تتبّع بحثك (أو ربما غيرها أيضاً).

من ناحية أخرى، فإنّ المعلنين يسعون جاهدين لمواكبة ذلك. يرى فرانك أنّ سياسة "متصفح كروم" الجديدة "من المحتمل أن تكون مزعزعة للغاية" بالنسبة إلى تقنيات الإعلان، نظراً إلى أنّ هذا القطاع اعتمد منذ فترة طويلة على ملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة. سوف يتأثر تجار التجزئة الذين تتمثل استراتيجيتهم الرئيسة في إعادة استهداف المستهلكين عبر المواقع الإلكترونية أكثر من العلامات التجارية التي تهدف ببساطة إلى بث رسائلها إلى جمهور أكبر. وفقاً لما قاله فرانك، فإنّ البديل المثالي لملفات تعريف الارتباط للأطراف الثالثة لكل من المستهلكين والمعلنين سوف يسمح بالتتبّع من خلال الاستعانة بأقل ما يمكن من معلومات هوية الفرد لأغراض التسويق، ولكن ليس بواسطة ذلك النوع من المعلومات التي تحدد الأشخاص كأفراد بأسمائهم وعناوينهم وما إلى ذلك. دون هذه البدائل، يخشى الكثيرون أنّ يجد المعلنون وسائل أخرى للحصول على البيانات الشخصية.

لا يبدو أنّ "شركة جوجل"، التي لديها مخزون هائل من البيانات الشخصية الموجودة مسبقاً، وغيرها من الوسائل للحصول على المزيد، أمامها الكثير لتخسره. قد يكمن أحد أكبر المخاوف حول إعلان "شركة جوجل" في تداعيات هذه الخطوة على مكافحة الاحتكار، لكن وفقاً لبيرنستين، فنحن لا نعلم ما إذا كان هذا "سيساعد شركة جوجل فعلياً على ترسيخ مكانتها الاحتكارية"، لأننا لا نعلم حتى الآن البدائل التي ستتوصل إليها. وبالمثل، فإنّ فرانك غير مقتنع بحتمية أنّ جوجل ستكون من المستفيدين الكبار من هذا التغيير.

في الوقت الحالي، وبينما يناقش مؤيدو الخصوصية والمعلنون على حد سواء هذا الموضوع بشراسة، ويصدرون أحكامهم بشأن اقتراحات "شركة جوجل"، كل ما يمكننا فعله كمستخدين هو الانتظار والبحث عن حذاء رياضي جديد!.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND