الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: جيمس هودج وليلا بارازا

 

منذ ظهور "فيروس كورونا المستجد" 2019-nCoV الذي أطلقت عليه "منظمة الصحة العالمية" مؤخراً اسم "كوفيد-19" في مدينة ووهان الصينية ليلة رأس السنة الجديدة، وانتشاره سريعاً، تتصاعد المخاوف المحلية والدولية، وتخرج دعوات لإعلان حالة الطوارئ.

قد يعتقد المرء الآن أننا مستعدون عالمياً لهذا النوع من التهديدات نظراً لنجاحنا في السيطرة على فيروسات كورونا السابقة مثل "سارس" SARS و"المتلازمة التنفسية الشرق أوسطية" (MERS) منذ عام 2002. مع ذلك، وكما ذكر كل من كاثرين باولز وهيلاري مارستو وأنتوني فاوسي في "مجلة الجمعية الطبية الأميركية "Journal of the American Medical Association"، "إن ظهور مرض آخر من الأمراض البشرية الناجمة عن فيروس كورونا، يؤكد التحدي الدائم المتمثل في الأمراض المعدية الجديدة وأهمية الاستعداد الدائم".

إنه تحدٍ معاصر، الذي يبدو أن "منظمة الصحة العالمية" والسلطات الحكومية الصينية وقادة آخرون في الصين لم يفهموه على هذا النحو. إذ بعد الأخذ في الاعتبار جميع الأدلة المتاحة، صوتت لجنة الطوارئ التابعة لـ"منظمة الصحة العالمية" الشهر الماضي ضد إعلان حالة الطوارئ الدولية للصحة العامة "PHEIC". إن اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ هو أكثر من مجرد وضع سياسي، فقد جرى تحديث تفعيل وتطبيق اللوائح الصحية العالمية "International Health Regulations" لـ"إعلان حالة الطوارئ الدولية للصحة العامة" في عام 2007 استجابة للدروس المستفادة من انتشار فيروس سارس على وجه الخصوص.

توصلت لجنة "منظمة الصحة العالمية" إلى هذا القرار على الرغم "أنه من المتوقع أن تظهر المزيد من الحالات لتنتقل إلى أي بلد في العالم". ورهناً بإعادة النظر اللاحقة، يبدو أن قرارها غير موفق في مواجهة حالة تنتشر بسرعة وتنتقل من إنسان إلى آخر مع عدم وجود دواء أو علاج أو لقاح معروف، ومعدل وفيات اقترب من 4%.

ربما بغية تجنب حدوث كارثة عالمية أخرى بسبب سوء التعامل معها والتضليل الفاضح لحقائق انتشار فيروس سارس في عام 2002، عملت السلطات الصينية على تعزيز استجابتها بصورة كبيرة. ومع ذلك، فإن العديد من الإجراءات التي تقوم بها الآن تعد عدائية للغاية، إذ إنها تنتهك حقوق الإنسان، وتعد غير فاعلة في وقف انتشار الوباء الجديد.

أنشأ المسؤولون الصينيون "طوق وقائي" حول مدينة ووهان والعديد من المدن الأخرى التي حُددت باعتبارها بؤراً لاحتضان "فيورس كوفيد-19" وانتشاره، كما منعوا أكثر من 35 مليون شخص من مغادرة حدود ولاياتهم القضائية. ومع إلغاء آلاف الرحلات الجوية، يُمنع الأجانب من الدخول أيضاً.

أصبح الأشخاص المحاصرون في مدينة ووهان وأماكن أخرى عالقين هناك ومقيدين من ناحية القدرة على التحرك في مجتمعهم. وأولئك الذين تظهر عليهم علامات العدوى يُغرقون المستشفيات المحلية، ويجري التعامل مع حالاتهم وفحصهم. اضطر مئات الأفراد المصابين إلى المكوث في حجر صحي، وأصبح العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية مصابين عند محاولتهم لعلاج الحالات التي وصلت أعدادها لأرقام قياسية.

والأسوأ من ذلك هو أن وسائل الإعلام الصينية وغيرها من المصادر قللت من أهمية التهديد الذي يواجه الصحة العامة. وتجنبت البرامج الصينية التي ظهرت مؤخراً تصوير "فيورس كوفيد-19" على أنه خطر قائم على السكان. تساعد منصات وسائل التواصل الاجتماعي في الكشف عن المعلومات المضللة التي تقرها الحكومة، ولكنها تنشر أيضاً شائعات مزيفة حول الفيروس ومخاوف من الجهود الرامية للانتقام من التقصير في الإبلاغ عن الأعراض. اتخذ بعض المسؤولين الصينيين مقاربة قاسية لضمان الامتثال للصحة العامة، فقد كُتب في منشور ظهر مؤقتاً على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل "لجنة الحزب الشيوعي" أن أي شخص يخفي عن عمد الإصابة بالمرض في الصين "سوف يبقى العار ملازمه إلى الأبد".

تفرض دول أخرى قيوداً على سفر مواطنين صينيين إليها، فقد أغلقت كوريا الشمالية بالفعل حدودها أمام السياح الأجانب على الرغم من الموارد المربحة التي تدرها السياحة على اقتصادها المتعثر. وبما أن التاريخ يعيد نفسه، ستنظر بعض الدول قريباً في فكرة تقييد الرحلات الجوية من وإلى الصين على الرغم من إرشادات "منظمة الصحة العالمية".

تسهم الأمراض المعدية الجديدة مثل "فيورس كوفيد-19" في تخوف الناس لأسباب واضحة، الذي تفاقم بعد ذلك بسبب هذا النوع من الاستجابة العدائية المفرطة من قبل الحكومات. من الناحية المثالية، ينبغي أن تستند تدابير الصحة العامة إلى نتائج وبائية محددة وتدخلات مؤكدة مرتبطة مباشرة بالمخاطر الفعلية والتي يدعمها برنامج إبي داتا "epi data" وهو برنامج تستخدمه "منظمة الصحة العالمية" لجمع البيانات الوبائية والطبية والمتعلقة بالصحة العامة"، إذ من المسلم به أنه من الصعب تطبيق تدابير الصحة العامة عندما تكون البيانات المتاحة غير واضحة أو غير موثوق بها.

بناء على ما سبق، فإن الهيئات الصحية الدولية والحكومات الوطنية أو الإقليمية تعود إلى القرارات "الآمنة" في بعض الأحيان لتجنب الخلاف السياسي مثل قرار "منظمة الصحة العالمية" بعدم "إعلان حالة الطوارئ الدولية للصحة العامة"، أو تستخدم تدابير مقيدة للغاية للحد من التداعيات المضرة بالصحة العامة مثل الحجر الصحي على المدينة الصينية، أو فرض قيود على السفر. لكن الحقيقة تكمن في أنه لا يوجد منهج ينجح بالفعل.

ما ينجح هو التدخلات القانونية والأخلاقية القائمة على حماية حقوق الإنسان والتي تتطلب صلاحيات لحماية الصحة العامة، والمصممة لمواجهة مخاطر محددة، والتي تشجع الناس على الامتثال طوعاً حيثما أمكن لتحقيق الأهداف المشروعة والمشتركة.

خذ مثالاً تدخلات الصحة العامة لضمان السفر الآمن جواً. تمثل الرحلات الجوية العالمية مخاطر لانتشار الأمراض من دون أدنى شك. فقد وثّقت العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، حالات إصابة بـ"فيروس كورونا المستجد" التي تصل داخل حدودها من خلال السفر الجوي، ومن المؤكد أن هناك المزيد من الحالات سوف تطفو على السطح. إلا أن وقف السفر الجوي ليس خياراً من الناحية الاقتصادية، ولا هو مفيد من منظور الصحة العامة، فمعظم الركاب وأفراد الطاقم لا يمثلون أي خطر لنقل عدوى "فيروس كورونا المستجد".

بدلاً من تقييد أو حظر الرحلات الجوية من الصين كما فعلت بعض الدول (بما في ذلك الصين نفسها) في حالات تفشي المرض السابقة، تطبّق سلطات الصحة العامة الأميركية بعناية الجهود الرامية لإجراء الفحوصات غير المكثفة على المسافرين في رحلات جوية منتقاة لتقييم المخاطر الصحية بين الركاب أو أفراد الطاقم.

بدأت مؤسسة "مراكز مكافحة الأمراض واتقائها" (Centers for Disease Control and Prevention) الفيدرالية في إجراءات الفحوصات المحسنة لـ"فيروس كورونا المستجد" بداية في ثلاثة مطارات أميركية، وهي مطار "جون إف كينيدي الدولي" (JFK)، ومطار "لوس أنجلوس الدولي" (LAX) و"مطار سان فرانسيسكو الدولي" (SFO) في 17 يناير (كانون الثاني)، وتم تعيين مطارين إضافيين، وهما مطار "أوهير الدولي" (ORD)، ومطار "هارتسفيلد جاكسون" (ATL) بعد ذلك بوقت قصير. إن وسائل الفحوصات المحسنة توظف الرقابة لتتبع الحالات المحتملة داخل المطارات التي تستقبل الغالبية العظمى من الركاب القادمين من البلدان المتأثرة. ويجري طرح الأسئلة على هؤلاء المسافرين بداية، والتحقق من أن درجة حرارة أجسامهم طبيعية عند نقاط الدخول والخروج.

نادراً ما تكون هناك حاجة إلى المزيد من الإجراءات المتقدمة مثل الحجر الصحي والعزل بعد فحص المطار. في الواقع، لم تُكشف خلال إجراءات الفحص هذه إلا حالات قليلة جداً التي من الممكن أن تكون معدية. عندما أعلنت "منظمة الصحة العالمية" عن "إعلان حالة الطوارئ الدولية للصحة العامة" في 8 أغسطس (آب) 2014، بشأن فيروس إيبولا في غرب إفريقيا، أجرت البلدان التي انتشر فيها المرض بكثرة فحصاً للمسافرين إلى الخارج في المطارات الدولية. في مطار فريتاون الدولي "Freetown International Airport" في سيراليون، خضع 166,242 مسافراً لهذا الفحص بين سبتمبر (أيلول) 2014 وفبراير (شباط) 2016، وتم الاشتباه بأن يكون عشرة من الركاب لديهم أعراض المرض، مُنع خمسة منهم من السفر بسبب إصابتهم بالملاريا والتيفوئيد (في حالتين منفصلتين)، ولكنهما لم يُصابا بالإيبولا. بينما لم تُظهر تقنيات فحص الدخول المستخدمة في العديد من مطارات الولايات المتحدة خلال فترة تفشي المرض أي حالة مؤكدة على مدى 30 يوماً في عام 2014.

بينما يتم التشكيك في فاعلية عمليات الفحص المحدودة وغير المكثفة للأمراض المعدية مثل الإيبولا وفيروس كورونا المستجد، إلا أن قانونيتها وفائدتها لا ينطبق عليهما ذلك. ترى "منظمة الصحة العالمية" ومؤسسة "مراكز مكافحة الأمراض واتقائها" مثل هذا الفحص عنصراً أساسياً في الجهود المبذولة لتعزيز الاستجابة العالمية لزيادة الوعي العالمي، وتحديد المسافرين الذين تظهر عليهم الأعراض، وتتبع ورصد الحالات المحتملة، وغرس الثقة بين جميع الركاب في أن السفر جواً ما يزال آمناً.

إذاً، ما الذي نتعلمه من هذه النهج الجديدة؟ هناك حاجة إلى الاستجابة الفورية، ولكن ليس إذا كانت تنتهك حقوق الإنسان دون مبرر. كما هو الحال مع الأوبئة السابقة، فإن أفضل طريقة لحماية السكان هي مطابقة البيانات الدقيقة مع الأسس العلمية السليمة واحترام الحقوق الفردية.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND