الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً

 

بقلم: جينيفر داسكال وميا شوانج لي

 

أثناء الحجر الصحي عليها بشقتها في مدينة ووهان الصينية لأيام متتالية، وجدت المرأة التي تطلق على نفسها اسم "الأخت ما" نفسها فجأة محظورة عن دخول حسابها على وي تشات "WeChat"، وهي منصة يستخدمها أكثر من مليار شخص في الصين. ومن دون هذا التطبيق، انقطعت المرأة عن التواصل مع الأصدقاء والعائلة، ولم تتمكن من طلب المستلزمات الأساسية، أو التواصل مع مدرسة أطفالها. وكتبت على موقع ويبو "Weibo"، وهو موقع صيني يشبه "تويتر"، رسالة قد حذفت الآن ولكن تم أرشفتها، قائلة فيها: "حياتي على وشك الانهيار". ذكر الآخرون الذين وجدوا أنفسهم في الموقف نفسه أنهم فقدوا جميع ملفاتهم الرقمية، وجهات الاتصال المهنية، والوصول إلى أموالهم الرقمية، واشتراكات وسائل الإعلام المدفوعة.

وهذا ما جرى معرفته وتوثيقه: تستخدم شركة تينسنت "Tencent"، المالكة لتطبيق وي تشات، كلمات مفتاحية، وتكشف عن أي استخدام لها، مثل "فيروس كورونا المستجد" بالتزامن مع مراكز الولايات المتحدة لمكافحة الأمراض والوقاية منها "U.S. Centers for Disease Control and Prevention" أو "انتشار الوباء" بالإضافة إلى شي جين بينج "Xi Jinping" رئيس جمهورية الصين، ذلك لكبت النقاشات غير المرغوب فيها حول "فيروس كورونا المستجد" على تطبيق وي تشات، التي قد تترافق مع آثار سلبية على الصحة والسلامة.

لكن الرقابة تمتد إلى ما هو أبعد من هذا الحظر لجميع الرسائل، كما توضح قصة "الأخت ما"، فقد أغلقت "شركة تينسنت" أيضاً حسابات وي تشات وعلقتها، لأولئك الذين ينتقدون تعامل الحكومة مع الفيروس، وليس في الصين فقط. يسلط إغلاق الحساب وتعليقه في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا الضوء على مدى امتداد أجهزة القمع الصينية المريعة وقوتها. بمجرد توقيف حساب وي تشات، غالباً ما يُمنع المستخدمون من التواصل مع الأصدقاء والأقارب الذين لا يزالون في الصين.

قد تبدو هذه المخاوف بعيدة عن الدول الغربية، لكن "موقع فيسبوك" يسعى إلى دمج واتساب وإنستجرام وفيسبوك في تطبيق واحد ضخم، ليجري ربطه في النهاية بـليبرا "Libra"، وهي العملية المشفرة التي طورتها "شركة فيسبوك"، والتي من المفترض أن يتم طرحها. وقد أشار مارك زوكربيرج إلى الشركة العملاقة الصينية "تينسنت" كنموذج له. في حين أن الهواجس المتعلقة بمكافحة الاحتكار ومنع المنافسة قد طُرحت على نطاق واسع، والتي قد تؤدي في النهاية إلى انهيار الخطة، هناك أيضاً أسباب تتعلق بحرية التعبير والرقابة، كما يوضح سلوك "شركة تينسنت".

من الواضح أن تطبيق الدردشة وي تشات هو في الواقع تطبيق ضخم، لأنه يدمج العديد من الخدمات والمنتجات بسلاسة. إنه الوسيلة التي يتواصل من خلالها الغالبية العظمى من المواطنين الصينيين مع الأصدقاء والعائلة. بالنسبة إلى البعض، هو تطبيق لجدولة المواعيد الطبية، إذ يستخدم لتحديد مواعيد الطبيب وإدارتها. وهو بمثابة محفظة، أي الوسيلة التي يشتري المستخدمون من خلالها مواد البقالة، ويصلون إلى حساباتهم المصرفية، ويدفعون مستحقات قروض الرهن العقاري، ويجرون أي معاملة مالية.

إن إغلاق حساب وي تشات في الواقع شكل رقمي من أشكال الحظر بالنسبة إلى العديد من المستخدمين الذين اختاروا بيئة عمل هذا التطبيق. ولا يقتصر الأمر على منع المستخدم من التواصل مع الأصدقاء والعائلة، ولكن بالنظر إلى أن تعاملات المجتمع أصبحت غير نقدية بصورة متزايدة، فإن ذلك يحرم فعلياً المستخدمين الذين ركزوا أموالهم في وي تشات ووليت "WeChat Wallet" من القدرة على العمل بصورة مستقلة.

بمجرد حرمانك من خدمات التطبيق، فإنه لا يتبقى أمامك الكثير من الأمور التي يمكنك فعلها. يمكن من الناحية التقنية الحصول على رقم هاتف جديد ثم فتح حساب جديد على وي تشات، لكن التطبيق سيكون قادراً على اكتشاف أنه المستخدم نفسه. يكمن الحل الوحيد في مطالبة "شركة تينسنت" باسترجاع الحساب، الشركة التي حظرت الحساب في المقام الأول، وربما بناء على طلب من الحكومة الصينية. على حد علمنا، لم تنجح أي من تلك المطالبات على الإطلاق. بالإضافة إلى أنه لا وجود لأي شركات منافسة مماثلة يمكن اللجوء إليها بدلاً من "شركة تينسنت".

في فبراير (شباط) الماضي، سادت فترة وجيزة بدا فيها أن حرية التعبير تزدهر، حيث أعرب العديد من الناس عن شعورهم باليأس بعد إعلان خبر وفاة الطبيب لي وينليانج، الذي تعمدوا إسكاته أثناء محاولته للتحذير من تستر الحكومة على "فيروس كورونا المستجد". لكن ذلك التراخي المؤقت لأجهزة الرقابة تبعته إجراءات صارمة. فأولئك الذين أثاروا المخاوف، بما في ذلك العديد من الذين حُجر عليهم صحياً في المنزل مثل "الأخت ما"، وجدوا حساباتهم على تطبيق وي تشات معلقة، وربما جرى حظرها بصورة دائمة، والعدد الدقيق لهذه الحالات غير واضح.

تحاول "شركة تينسنت" فرض قوتها في السوق للسيطرة على حرية التعبير بطرق أخرى. ففي خطوة جريئة منها، تسعى الشركة الآن إلى إملاء ما يمكن لوسائل الإعلام الإخبارية قوله حول ممارساتها التجارية الخاصة، وما لا يمكنها قوله. خذ على سبيل المثال الموقف الذي يواجه موقع 36 كيه آر ميديا "36Kr Media"، وهو المصدر الذي يعدّ الأكثر قراءة للأخبار التقنية في الصين. إذ أبلغ الموقع عن سعي "شركة تينسنت" لحظر الروابط التابعة لتطبيقات المنافسين، بما في ذلك شركة بايت دانس "ByteDance" المنافسة، وهي الشركة الأم لتطبيق تيك توك TikTok، من مشاركتها على وي تشات.

في أوائل مارس (آذار) الجاري، أبلغ "موقع 36 كيه آر" أن "شركة تينسنت" كانت تحظر الروابط المؤدية إلى أداة فيشو "Feishu"، وهي أداة التعاون في مكان العمل التابعة لـ"شركة بايت دانس"، في الوقت الذي ارتفع فيه الطلب على هذه الأنواع من الأدوات المكتبية التي تعمل عبر الإنترنت، وذلك مجدداً بسبب "فيروس كورونا المستجد"، إذ لدى "شركة تينسنت" منتج مشابه، وإن كان أقل شيوعاً. ورداً على ذلك، هددت "شركة تينسنت" بحذف الحسابات العامة لـ"موقع 36 كيه آر" على تطبيق وي تشات، والتي يمكنهم من خلالها الوصول إلى أكثر من مليون قارئ نشط، هذا إذا لم يسحب الموقع الإبلاغ ويوقفه. بالنتيجة، اختار "موقع 36 كيه آر" الامتثال، بدلاً من فقدان أهم منصة نشر. ومع ذلك، رأت "شركة تينسنت" أن هناك حاجة إلى معاقبة الشركة لنشرها أخباراً غير مرغوبة، وقد منعت الموقع من النشر على تطبيق وي تشات لمدة يوم واحد.

قد يكون هذا مشابهاً لما فعلته "شركة فيسبوك" مع صحيفة وول ستريت جورنال "Wall Street Journal"، فقد أجبرتها على حذف جميع التقارير حول سلوكياتها السيئة من خلال التهديد بحظر الصحيفة من النشر على "موقع فيسبوك".

قد سُلط الضوء على هذه الحالة لأن الإدارة العليا لـ"شركة بايت دانس"، وهي واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، قد انتقدت "شركة تينسنت" علناً، إذ وصف يانج جيبين، كبير مدراء الاتصالات في "شركة بايت دانس"، ما حدث لحسابه الشخصي على تطبيق وي تشات، وقال إن ممارسات "شركة تينسنت" بربرية. معظم الشركات الصغيرة والأفراد الذين يتضررون من ممارسات مماثلة يفتقرون إلى النفوذ السياسي أو إلى الإمكانات اللازمة للاحتجاج. وقد كتب يانج: إن "شركة 36 كيه آر" عامة ومدرجة في الولايات المتحدة، وهذا ما قادني إلى التساؤل حول مدى إمكانية استمرار شركات وسائل الإعلام الأصغر بكثير من "36 كيه آر" في عصرنا هذا.

نحتاج هنا إلى توضيح التالي: إن "شركة فيسبوك" ليست "شركة تينسنت"، وحكومة الولايات المتحدة ليست الصين. كما أن "شركة فيسبوك"، كما ذكّرنا زوكربيرج في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، "تدعم الآراء وحرية التعبير". وبفضل "التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، فإن الإدارة الأميركية لا تستطيع، ومن المفترض أنها لن تسعى إلى قمع أشكال النقاشات التي تدور حول الصحة العامة والاعتراضات، مثل تلك التي تخضع للرقابة في الصين. كما لا يمكنها تجنيد الشركات الخاصة لفعل ذلك نيابة عنها.

لكن "شركة فيسبوك" لا تعمل في الولايات المتحدة حصراً. ومثل جميع شركات التكنولوجيا المتعددة الجنسيات، فهي ملزمة بالامتثال إلى القواعد المنصوص عليها في السلطات القضائية التي تعمل فيها. إليك ما يعنيه هذا في عدة دول، في تايلاند، يعني هذا عدم السماح بانتقاد مملكة تايلاند. وفي تركيا، يعني هذا عدم السماح بانتقاد رسومات مصطفى كمال أتاتورك. وفي ألمانيا، يعني هذا عدم السماح بنشر خطاب الكراهية الذي يعدّ مفهوماً غير محدد بدقة، ولكنه يشمل بلا شك شكلاً من أشكال حرية التعبير المحمية في الولايات المتحدة. وفي بولندا، يعني هذا باختصار عدم ذكر دور البلاد في "الهولوكوست".

غالباً ما تتعامل شركات التكنولوجيا، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، مع هذه القيود، وغيرها، التي تعدّ واسعة النطاق وخاصة بكل دولة ومنطقة معينة، من خلال شيء يعرف باسم الحجب الجغرافي، الذي يتيح لها تقييد المحتوى في منطقة واحدة، ذلك المحتوى الذي تسمح به شروط الخدمة، وبالتالي يمكن الوصول إليه في مكان آخر. ما ينطوي عليه هذا النهج هو إقرار الالتزام بالامتثال للقانون المحلي، حتى لو عنى ذلك الامتثال لمطالب حجب ما يتعارض مع التزامات حرية التعبير في مكان آخر وإيقافه.

لكن تخيل عالماً يتوجه تدريجياً نحو التعاملات غير النقدية وعبر الإنترنت، حيث تنجح فيه "شركة فيسبوك"، أو أي شركة تكنولوجيا أخرى، في محاولتها لدمج جميع خدمات التواصل، والخدمات المصرفية وتحويل المدفوعات، وخدمات النقل حسب الطلب، وأدوات التعاون في أماكن العمل، في تطبيق واحد عملاق ومحكم بحيث تستولي على حصة الأسد في السوق من خلال هذه العملية. وتخيل، دولاً أخرى تتعلم من نموذج الرقابة الصيني، وهذا أمر ليس مستبعداً. بالإضافة إلى الطلب من شركات التكنولوجيا الكبرى حظر الاتصالات المرفوضة، والذي يمكن تحقيقه بطريقة التجزئة الجغرافية، تطالب الحكومات اليوم الشركات بحظر حساب "المتحدث" غير المرغوب فيه على نحو متزايد. في مثل هذه الحالات، لا يوجد تقسيم جغرافي لإمكانيات الوصول، إذ يجري تجميد "المتحدث" المعارض ببساطة، ويُمنع من الوصول إلى المدخرات المحفوظة رقمياً، وحسابات العمل، وموجز الأخبار، كل ذلك من خلال ضربة واحدة. كما أنه يُحرم من القدرة على إجراء أي معاملة مالية، تماماً مثل تطبيق وي تشات في الصين.

حتى في الولايات المتحدة، حيث يوفر التعديل الأول للدستور الحماية اللازمة لحرية التعبير، فإن التوجه نحو السيطرة وفرض القيود على التعبير وعلى الأطراف الفاعلة "السيئة" عبر الإنترنت يتزايد. يعدّ هذا استجابة منطقية، وتوجد حاجة ماسة إليها في بعض الحالات الحساسة، للعديد من الأضرار المستمرة عبر الإنترنت. ولكن نظراً لأن كل من الحكومة الأميركية وشركات التكنولوجيا الأميركية نفسها، تتخذ المزيد من الخطوات لتقييد الجهات والأفعال غير المرغوب فيها عبر الإنترنت، فإن هذه القرارات ليست جميعها واضحة، مثل استعانة "شركة فيسبوك" بمصدر خارجي لأهم القرارات المتعلقة بتشكيل "مجلس للرقابة". إنها قضية كبيرة بالفعل من شأنها كبح قدرة الفرد على التواصل، وإنها قضية أعمق بكثير إذا جرى اتباع نهج "شركة تينسنت" بحيث يمكن للمنصات أيضاً أن تمنع تقريباً الشخص من شراء مواد البقالة، ودفع مستحقات قرض الرهن العقاري، ودفع الفواتير.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND