الآن وغداً

  بالشراكة مع:



الاقتصادي – الآن وغداً:

 

بقلم: لوسيان فالكوفيكس

 

تعدّ "كوكبة الجبار" (Orion the Hunter) واحدة من أكثر الكويكبات سطوعاً في السماء ليلاً، ويمكنك رؤيتها بسهولة حتى في أكثر المدن تلوثاً بالضوء. بدت لي هذه الكوكبة متباهية دائماً بعض الشيء، إذ تقطع النجوم الثلاثة التي تشكل حزاماً خطاً يصل بين زاويتين، وكأنها ترسم خاصرتي شخص يتجه قليلاً إلى الأسفل نحو أحد الجانبين. في حين تزين بعض النجوم الساطعة من الأعلى زوايا كتفيه، وتجعله من الأسفل يبدو وكأنه يلبس ثوباً فضفاضاً، وهذا ما تزعمه أيضاً بعض الأساطير. وفي تشبيه آخر، يبدو وكأن تلك الكوكبة رسمت شخصاً يقف واضعاً يديه على جنبيه ومطالباً بالتحدث إلى المدير.

لكن ما تكشفه عمليات الرصد الحديثة هو أن "كوكبة الجبار" قد لا تبقى ساطعة جداً في النهاية، إذ إن نجم منكب الجوزاء "Betelgeuse"، النجم الساطع الذي يتوهج بلون الياقوت على كتف كوكبة الجبار، يصبح باهتاً. ويتكهن بعض الناس أن هذا "الإغماء" (نعم، هذا يحاكي الصورة الذهنية التي يمكنك رسمها لنجم عملاق وهو مغشي عليه على مقعد كبير بنفس حجمه) ليس سوى إشارة إلى أننا قد نشهد أيامه الأخيرة قبل أن يحترق في انفجار "موت" نجمي هائل، وهي الظاهرة المعروفة باسم "الانفجار النجمي"، على مدار الأشهر القليلة الماضية، تراجع نجم منكب الجوزاء من المرتبة الثانية عشرة لألمع النجوم في السماء إلى المرتبة الأقرب إلى العشرين، ويراقب علماء الفلك من جميع أنحاء العالم هذا النجم بلهفة لمعرفة ما الذي سيحدث بعد ذلك.

إن نجم منكب الجوزاء هو ما يُعرف باسم العملاق الأحمر، وهو نجم ضخم يساوي حوالي 20 ضعف كتلة الشمس. تضخمت الطبقات الخارجية لهذا النجم لدرجة أنه إذا سقط في نظامنا الشمسي بدلاً من الشمس، فسيملأ الفضاء على طول المسافة نحو كوكب المشتري، ويبتلع عطارد والزهرة والأرض والمريخ. من المعروف أن النجوم الضخمة مثل نجم منكب الجوزاء "تمر بمراحلها سريعاً وتصل إلى النهاية باكراً"، فبعد 8 ملايين عام فقط، يقترب نجم منكب الجوزاء من النهاية. (من أجل المقارنة، يقدر عمر شمسنا بأقل من 5 مليارات عاماً ولم تصل إلى منتصف عمرها حتى الآن). بينما يحدث الانفجار النجمي في جميع أنحاء الكون، يكون نجم منكب الجوزاء على بعد كاف حتى يتسنى لنا مشاهدة الانفجار من دون التعرض للإشعاعات ذات الطاقة العالية، ومن الجدير بالذكر أنه نادراً ما يحدث انفجار قريب جداً من الأرض، وفي أفضل الأحوال سوف يحدث ذلك على بعد 600 سنة ضوئية. وما يعنيه بُعد نجم منكب الجوزاء أيضاً هو أنه أيا كان ما يحدث، فإننا نشهد حالياً "ماضيه"، أي أن ضوء النجم الخافت الذي نراه الآن من الأرض كان يسير نحونا لعدة مئات من السنين. حسب ما لدينا من معلومات، ربما يكون هذا النجم قد انفجر بالفعل، ولكن إذا كان هذا صحيحاً، فإن ضوء الانفجار النجمي لم يصل إلينا بعد. إذا كان نجم منكب الجوزاء قد انفجر بالفعل ووصل ضوء الانفجار هنا غداً على سبيل المثال، فإننا سنرى الانفجار النجمي غداً. ولكن إذا انفجر هذا النجم غداً، فبحسب بعد نجم منكب الجوزاء، لن نستطيع رؤية الانفجار من الأرض إلا بعد 600 عام أو نحو ذلك.

تعدّ ظاهرة "إغماء" نجم منكب الجوزاء فرصة رائعة لمحبي مراقبة النجوم بالعين المجردة لرؤية تطور النجوم فعلياً. إذا خرجت لترى كوكبة الجبار، فإنك ستلاحظ جيداً أن نجم منكب الجوزاء يصبح خافتاً أكثر من ذي قبل. يعدّ هذا النجم ساطعاً في العادة، ما يعني أن الناس كانوا يدرسون ذلك لفترة طويلة، ونادراً ما نحصل على مثل هذه النظرة التفصيلية لما يحدث عندما تموت النجوم، فماذا عن نجم نحن على معرفة جيدة به. إن نجم منكب الجوزاء هو واحد من النجوم القليلة، إلى جانب الشمس، التي تم تصوير سطحها، كاشفاً عن سطح مملوء بالبقع الملتهبة والساطعة. ستأتي نهاية هذا النجم، مثل حال نهاية جميع النجوم، كنتيجة لأزمة الطاقة، إذ إن النجوم تخلق الطاقة عن طريق الاندماج النووي، ولكن مع مرور الوقت تنفذ الطاقة الجديدة التي تساعد على ذلك الاندماج. في حالة نجم منكب الجوزاء، فقد وصل النجم إلى مرحلة حيث إن طبقاته الخارجية المتضخمة أصبحت غير مستقرة. ومثل وعاء الغليان الذي يتعرض لحرارة مرتفعة، فإن التموج يجرف العناصر الأثقل من أعماق النجم، وبقع من الطبقات النجمية المحترق ترتفع إلى الأعلى.

إن الجزء الذي استحوذ على تصورات الناس حول نجم منكب الجوزاء ليس مجرد عرض ضوء الانفجار المحتمل، بل ندرة رؤية سماء الليل تتغير بهذه الطريقة الواضحة والتي يمكن ملاحظتها بسهولة. تدفعنا النجوم إلى الاعتقاد بأنها ساكنة، لكن هناك الكثير مما يتغير في الفضاء على فترات زمنية طويلة جداً ولا يمكن لأي إنسان أن يأمل في رؤيتها. فكرة أن النجوم ساكنة كانت موجودة منذ فترة طويلة، وعلى مر التاريخ، كان يعتبر التفكير بغير ذلك هو بمثابة انتهاك للحقيقة.

ولكن في حين أن سلوك نجم منكب الجوزاء الأخير قد جذب اهتماماً خاصاً، إلا أنه في الواقع يتغير طوال الوقت. ينبض الغلاف المحيط بنجم منكب الجوزاء على ترددات متعددة، ما يجعل النجم يتغير في السطوع على مدى مئات الأيام إلى سنوات. وعلى الرغم من أن نجم منكب الجوزاء يشكل جزءاً علوياً من كوكبة الجبار، إلا أن تموجات توهجه يجعلك تعتقد بأنه يشكل قلب كوكبة الجبار، عملاق أحمر ينبض في السماء ليلاً. في الوقت ذاته، لم يكن نجم منكب الجوزاء موجوداً هناك منذ الأزل أيضاً، إذ إنه تكوّن في الوقت الذي عاش فيه آخر الأسلاف المشتركة من البشر والشمبانزي. لذلك، فإن هذا النجم لم يكن موجوداً بزمن الديناصورات، لأنه تطور مع البشر.

تعتبر التغييرات التي حصلت لنجم منكب الجوزاء مؤخراً بمثابة تذكير بأن الكون ديناميكي، أي أنه متغير وزائل. في كل ليلة، تتغير النجوم في سطوعها بالسماء خلال دوران الكواكب حولها، وتتحرك المذنبات والكويكبات في الأفق عبر النظام الشمسي، وتموت النجوم البعيدة في انفجارات ضخمة، مبعثرة غبار النجوم التي ستصبح جيلاً جديداً من النجوم في نهاية المطاف. تمسح التلسكوبات الحديثة، مثل "مرصد فيرا روبن" (Vera Rubin Observatory)، السماء مراراً وتكراراً، لجمع الصور لإنشاء أفلام كونية تكشف عن سماءنا المتغيرة كما لم يحدث من قبل.

ليس واضحاً ما إذا كان نجم منكب الجوزاء بدأ في مرحلة "الموت" أم أنه بتذبذب بصورة كبيرة في سطوعه المتغير. وإذا كان الذي سيحصل هو انفجار نجمي، فسيكون ساطعاً في السماء تقريباً مثل القمر الكامل، وسيتوهج لأشهر قبل أن تخفت جمراته. إذا كنت في مكان مظلم بما فيه الكفاية على الأرض خلال ذلك الوقت، فقد يكون من الممكن أن ترى ظلك الذي يلقيه ضوؤه. هذا العرض المذهل سكيون مكلفاً، ففي حين أن أثر الانفجار الكوني المتبقى لهذا النجم يظل مرئياً للتلسكوبات بخيوطه الساطعة التي ستزين كتف كوكبة الجبار، سيفقد البشر القدرة على رؤيته بالعين المجردة. إذاً، بدلاً من تمني زوال نجم منكب الجوزاء، يمكننا جميعاً التطلع إليه لنتذكر بأن التغيير وعدم الثبات هما الثابتان الوحيدان في هذا الكون.

تنويه هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي.كوم ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) المبادرة بين موقع سليت (SLATE) ومركز أميركا الجديدة للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU). جميع الحقوق محفوظة.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND