آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات

عند إنكار الأسوأ عن الذات نبعد عنها الأفضل



الاقتصادي – آراء وخبرات:

خاص

 

كاتبة المذكرات والمؤرخة الأميركية الشابة تارا ويستوفر، تذهب في أعماق الذات الإنسانية بعيداً، لكن ليس باتجاه النزعة المثالية والحالمة، إنما نحو الجوهر الحقيقي للنفس البشرية التي تخوض المعارك الحياتية اليومية، تكسب أو تخسر تمل وتكره كما تحب وتعاني الحرمان وتحزن مثلما تفرح.

وما تريده ويستوفر بالمقاربات التي تقولها، أن يبتعد المرء عن الوقوع بفخ الحياة المثالية الكاملة وذات النمط الواحد المشرق، لا سيما كما يروج الأفراد في مختلف المجتمعات لأنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ويطرحون دائماً الجوانب المشرقة والسعيدة، دون أن يواجهوا ذواتهم الحقيقية بشكل مباشر.

عام 2019، قدمت ويستوفر الحائزة مذكراتها "المتعلمين" في 2018، على المرتبة الأولى بقائمة أكثر الكتب مبيعاً في "صحيفة نيويورك تايمز"، خطاباً على منبر "جامعة نورث إيستيرن" الأميركية، وكان نصه:

الإيمان هو الصخرة التي بنيت عليها حياتي، والآن تحولت هذه الصخرة إلى رمال أمام عيني. كانت عائلتي متشابكة بنسيج من الحب والتطرف بآن معاً، ورغم أن الحب كان حقيقياً، لكن الأشياء الأخرى السلبية كانت أيضاً موجودة، ولم أكن أعرف بعد كيف سأتعايش معها. وبالفعل هذا ما كنت عليه من التناقض، لكن ليس هذا ما قمت بنشره على "فيسبوك"، بل نشرت صورة امرأة سعيدة كلها فرح وابتسامات.

حدث شيء غريب في الأسابيع والسنوات التي تلت تخرجي، وهو أنني عدت للتفكير في صور التخرج، وأردت التعرف على المرأة الموجودة في تلك الصور هل هي أنا دائماً؟ وما أريد قوله، إننا نحن البشر كنا نكافح دائماً بهويتين. لطالما كان هناك فرق بين من نكون عليه عندما ننعزل مع أنفسنا وما نحن عليه عندما نكون مع الآخرين. ولكن الآن أصبح لدينا نفس ثالثة: الصورة الرمزية الافتراضية التي ننشئها ونشاركها مع العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بالنسبة لمعظم الأشخاص، تعني مشاركة أنفسهم عبر الإنترنت، تنظيم هوية تبالغ في بعض الصفات الإيجابية بعناية بينما يقمعون الآخرين الذين يعتبرونهم غير مرغوب فيهم. فعلى الإنترنت، لا أحد لديه حب الشباب أو الهالات السوداء أو المزاج السيء. لا أحد يغسل الأطباق، أو ينظف المراحيض.

إنها حياة جميلة لا تشوبها شائبة. لكن في بعض الأحيان أعتقد أنه عندما ننكر ما هو أسوأ عن أنفسنا، فإننا نبعد عنها الأفضل، نقمع جهلنا، وبالتالي ننكر قدرتنا على التعلم. نقوم بقمع أخطائنا، وبالتالي ننكر قدرتنا على التغيير، فننسى أننا نفس بشرية.

لكن في نهاية المطاف، المشكلة الحقيقية هي أن مشاركة الذات ليست مثل امتلاك الذات. صورتك الرمزية ليست حقيقية، إنها إسقاط وليست بعيدة عن الكذب، ومثل كل الأكاذيب التي نقولها، والخطر الحقيقي لا يكمن في أن الآخرين سيصدقون ذلك ولكننا سوف نصدقه بأنفسنا أيضاً، وسوف نعتاد على أنفسنا الافتراضية، التي تبدو خادعة للغاية في الصور الفوتوغرافية، وتكون مشرقة ومفلترة حرفياً.

لذلك، أود اليوم التوقف مؤقتاً للحظة لأقدر الأجزاء التي لا تضعونها على الإنترنت، أريد الدفاع عنها، عن حياتكم المملة الداخلية، قراءة الكتب، غسل الصحون، حياة التفكير، هذه الأجزاء التي لا يمكن التقاطها بواسطة أي جهاز تكنولوجي، وهو ما أسميه "الذات غير المستعصية".

وإليكم شيء أؤمن به حقاً: كل شيء مهم ستفعلونه في حياتكم سيتم من قبل نفسكم غير المنمقة والمثالية. جميع التجارب الأكثر جوهرية وأهمية في حياتكم ستخوضونها بوحشية بائسة. وفي الواقع سيكون هناك حرمان من النوم ومواجهة تافهة ولحظات من الشك الذاتي. لكن من خلال ذاتكم غير المثالية، لحظات الحب والحنان والانتماء الحقيقية ستلمسكم بعمق أكثر من أي شيء ستجدونه في العالم الافتراضي.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND