آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

يعيش الاقتصاد اللبناني اليوم مرحلة انهيار. تنفق الحكومة ما يعادل 15-16 مليار دولار أميركي سنوياً على رواتب وأجور موظفي القطاع العام ودعم الكهرباء وخدمة الدين، ولا يبقى قرش واحد للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، ومع تزايد الدين العام الذي تجاوزت نسبته الـ150% من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بـ50 مليار دولار. ولأول مرة في تاريخها، اختارت الحكومة اللبنانية التخلف عن سداد ديونها الخارجية، أولها لاستحقاق بتاريخ 9 مارس (آذار)، ثم للاستحقاقات المتبقية، وهي الآن تتفاوض مع الدائنين لإعادة الهيكلة. ولكي يتحقق التعافي، يجب إعادة النظر في النموذج بأكمله، والسيناريو المعقول هو تحويل الاقتصاد من الريعي إلى المنتج، مما يؤثر بشكل أساسي على الشركات الخاصة. لكن كل هذا التدهور لم يحدث بين ليلة وضحاها.

منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990 وحتى يومنا هذا، يرتكز لبنان على اقتصادٍ ريعي أقل ما يمكن وصفه بأنه غير مستدام. كان الميزان التجاري دائماً في حالة عجز، حيث بلغت الواردات ما يقرب الـ20 مليار دولار سنوياً، بينما بلغت الصادرات 3 مليارات دولار، مما يسجل عجزاً سنوياً قدره 17 مليار دولار. وكان هذا هو حجر زاوية الاقتصاد والذي تطور بالتوازي مع المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 المتعلق بالتمثيل التجاري الذي يحمي الشركات اللبنانية الوكيلة في اتفاقياتها مع الشركات الأجنبية لتمثيلها التجاري على مستويين بشكل رئيسي: حصرية التمثيل التي تولِد الاحتكار في الأسواق، والحماية القانونية للوكيل اللبناني في حال النزاعات.

في موازاة ذلك، نما القطاع المالي داعماً لهذا النموذج، مدفوعاً بسوق استهلاكية تغذيها تحويلات سنوية بحجم 8-9 مليار دولار من المغتربين اللبنانيين.

كل ذلك أدَى إلى تكوين مجتمع استهلاكي يعتمد بمعظمه على الواردات سواء كانت منتجات أو خدمات أو مال. نتيجةً لذلك، ضعفت القطاعات الإنتاجية، مع غياب نظام داعم وحوافز للنفقات أو الرأسمال البشري أو برامج التصدير.

لم يكن قانون التجارة اللبناني مفيداً أيضاً، إذ كان على الشركات اللبنانية أن تكون مملوكة للأغلبية من اللبنانيين، وهو ما يشكل رادعاً للمستثمرين الأجانب.

نتيجة لذلك، أصبح النموذج المؤسسي اللبناني في معظمه على النحو التالي: شركات توزيع لبنانية لديها اتفاقيات تمثيل حصري للعلامات التجارية الأجنبية، حيث لا تشارك هذه الأخيرة في السوق اللبنانية لا من ناحية المخاطر ولا من حيث المسؤولية. بالنسبة لها، كل ما يشتريه الممثلون التجاريون اللبنانيون هو رقم إضافي لمبيعاتهم.

البنوك العالمية الكبرى "ستاندرد تشارترد"، "إيه بي إن أمرو"، "كريدي ليونيه"، "بي إن بي باريبا" و"إتش إس بي سي" – غادرت المشهد اللبناني في جيل ما بعد الحرب، كمؤشر على انعدام الاستدامة.

في السنوات القليلة الماضية، كان الحديث عن تحويل الاقتصاد في طليعة المشهد السياسي والاقتصادي في لبنان: الانتقال من اقتصادٍ ريعي إلى اقتصادٍ منتج سيتطلب اتخاذ العديد من الإجراءات، منها:

1- اعتماد نهج حمائي للتجارة الخارجية وخاصةً تجاه الواردات عبر الحد من الاستيراد للمنتجات التي لها مثيل محلي.

2- تشجيع التصدير من خلال البرامج والحوافز.

3- دعم القطاعات الإنتاجية وإيجاد توازن بينها لا سيما الزراعة والصناعة والسياحة، بالإضافة إلى غيرها مثل الإعلام والتعليم.

4- إعادة هيكلة القطاع المصرفي ليكون مسانداً للقطاعات المذكورة آنفاً وليس حاكماً لها.

إذا اعتبرنا أن كل هذه التغييرات ستحدث، كيف يمكن أن يتم التحول في نموذج عمل الشركات في لبنان؟

السيناريو الممكن هو الانتقال من نموذج التمثيل التجاري الحصري إلى نموذج الإنتاج الفعال، مما يجذب اهتمام المستثمرين الأجانب كشركاء في الرأسمال والمخاطر والأرباح. بعبارة أخرى، بينما اعتادت الشركات الأجنبية أن يمثلها وكلاء حصريون محليون لمنتجاتها أو خدماتها، بدلاً من ذلك، فإن الشركات الأجنبية ستقوم بالاستثمار الآن في الشركات المحلية وتشاركها في مخاطرها وأرباحها، وبالتالي تصبح من المساهمين. قد تكون هذه الشركات لديها منتجات أو خدمات، أو تكون من صناديق وشركات الاستثمار الخاص.

بدأت تظهر بعض المؤشرات لهذا الاتجاه، من نشر قانون الحق في الوصول إلى المعلومات الذي يزود اللبنانيين والأجانب بمزيد من الشفافية، إلى تحديث قانون التجارة الذي يسهل الملكية الأجنبية للشركات اللبنانية، إلى حواجز الاستيراد التي بدأت تتشكل، ومحاربة الأسواق الموازية والإغراق، والجهود المبذولة من أجل حل قضية الكهرباء، وغيرها من المبادرات والتنظيمات.

هل الشركات اللبنانية مستعدة لذلك؟

سيؤثر هذا التحول على السوق ككل ويتطلب تغييراً ثقافياً كبيراً في ملكية وقيادة الشركات. البعض سيكون مرناً ويقبل التغيير في الهيكليات، بينما سيقاومها البعض الآخر.

اتسمت طبيعة الشركات في جيل ما بعد الحرب بوجود أغلبية ساحقة مملوكة ومدارة عائلياً، بالاضافة إلى شبه غياب للمستثمرين الأجانب بسبب انخفاض حماية المستثمرين المتأتية من سياسات الشركات والإطار التنظيمي. بمعنى آخر، لم تتبنَّ الشركات آليات وسياسات لحماية المستثمرين – الذين عادة ما يكونون من المساهمين الأقلية أو الدائنين – من المساهمين المسيطرين الذين يسعون إلى تكبير المنفعة واستخراج الفوائد الخاصة. من ناحيتها، لم تضع الحكومة أنظمة لحماية هؤلاء المستثمرين. بالنسبة لكليهما، تدور الحماية عادة حول المزيد من الإفصاحات وحقوق وآليات التصويت للمساهمين الأقلية. ونتيجة انخفاض الحماية هو انخفاض الاستثمار، ومن هنا تأتي الحاجة إلى عكس الوضع.

في حالة تزايد اهتمام المستثمرين الأجانب بلبنان، فإن الحاجة إلى قيام الشركات اللبنانية بفتح رأسمالها لهؤلاء المستثمرين ستثبت أنها ضرورية. وبخلاف ذلك، فإن غياب المستثمرين الأجانب قد يبقي الشركة منتجة، لكنها ستبقى محدودة بالإنتاج والأسواق المحلية، مع عدم إمكانية الوصول إلى المستثمرين الأجانب وشبكاتهم الإقليمية أو العالمية الاستراتيجية وقدراتهم التمويلية.

مثل هذا السيناريو سيعيد رسم المشهد العام للشركات، فيدفع الشركات المقاومة نحو النمو المحدود والتطلعات المحلية، بينما سيمكّن الشركات المرنة من التوسع واستهداف الأسواق الإقليمية والدولية.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND