آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حازم تحسين عوض
حازم تحسين عوض
مدير تحرير "بوابة الاقتصادي كوم" منذ سبتمبر (أيلول) 2017، ال..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

صحيح أن تجربة العمل من المنزل لم تكن جديدة بالنسبة لكثيرين ومنهم أنا، لكنها الفترة الأطول التي أقضيها بالعمل على هذا النحو. لا يمكن إنكار حجم الملل والكسل وعدم القدرة على تهيئة جو عمل مثالي في المنزل، لكن هناك بعض الإيجابيات.

بعض الإيجابيات على الصعيد الإداري، اكتشاف كم الوقت المهدور يومياً في المكتب لأمور يخيّل إلينا أنها مهمة بينما هي مجرد مضيعة للوقت ككثير من الاجتماعات، واكتشاف الموظفين المنظّرين الذين يتحدثون عن العمل أكثر من العمل ذاته، والموظفين الذين لا يستطيعون العمل إلا بوجود رقيب ملموس يحفزّهم ويطاردهم بين الحين والآخر.

أيضاً، تتيح هذه التجربة اكتشاف دور الموظف الحقيقي والمنتمي وقابليته للعمل الفعلي والإنتاج بظل ظروف متبدلة، وحجم انتماء هؤلاء وقدرتهم على العمل والعطاء لتأكيد أهمية وجودهم عبر زيادة الإنتاج أو على الأقل المحافظة على جودة المخرجات وحجمها كما السابق.

الأهم مما ذكر، هو الحصول على مساحة جيدة لتقييم فاعلية أصحاب المناصب أنفسهم وقدرتهم على الابتكار والإدارة دون استخدام ملامح الوجه مثلاً أو نبرة الصوت، إضافة إلى اختبار خط العمل إن كان قادراً على السير كما خُطط له بالفترة السابقة أم لا.

وتساعد هذه التجربة على طرح عدة أسئلة مصيرية بخصوص مدى ضرورة وجود هيكلة تقليدية في العمل، أهمها: هل هناك ضرورة أصلاً لوجود الإدارة اللوجستية غير الحرفية في كثير من القطاعات والتي تعتمد أساساً على وجود المكتب والموظفين فيزيائياً في مكان واحد لممارسة السلطة عليهم بالتنظيم وفق قواعد تقليدية انهارت خلال 24 ساعة، تحولت لضوابط أخلاقية تتعلق بعمق انتماء الموظف للمؤسسة؟!

التجربة التي نمر بها حالياً، وخاصة في دول العالم الثالث، علمتنا إدارياً الكثير من الأمور الخاصة بتقييم الإنتاج واستثمار الوقت، وتقييم أهمية أو عدم أهمية وجود بعض الأشخاص في العمل، وجديتهم أو عدم جديتهم، وكيفية خلق مساحة استقلال مهمة أثناء ممارسة العمل.

أما على صعيد الموظفين أنفسهم، ومن خلال استطلاع آراء بعضهم، فأكدوا أنهم استطاعوا زيادة مساحة الحياة الشخصية التي كانت تتقلص يوماً بعد يوم نتيجة زيادة ضغوط العمل التي تبين أن أغلبها غير حقيقي، بمعنى أن الوقت المهدور في اجتماعات تبين لاحقاً أنها غير مهمة نهائياً، أو بانتظار حضور البعض لاجتماعات مهمة، أو الوقت المهدور بالاتصالات والمواصلات والأحاديث الجانبية، يمكن استغلاله في زيادة الإنتاج وبالتالي زيادة المردود، أو استثماره في الإنتاج الفكري، أو حتى في منح المنزل والحياة الشخصية حيزاً أكبر من الاهتمام.

بعض الضرر

لكن، ورغم كل ما ذكر من إيجابيات، التجربة لا تخلو من بعض الضرر والسلبيات، فقد كشف الحجر الصحي أن الحياة لا يمكن أن تكون كلها (أون لاين)، وأن كثيراً من المهن لا تتم  إلا بوجود الأشخاص في مكان العمل، وتبين أيضاً أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الافتراضي لا يمكنها نهائياً أن تحل محل اللقاء الشخصي والشعور بالمحيط فيزيائياً، بل هي مضرة جداً في علاقات العمل بعض الأحيان وتعطي انطباعاً غير حقيقي عن المشاعر وتطيل مدة إيصال المعلومات والخطط وشرحها لشريحة معينة من الأشخاص، وغيرها من أمور.

ففي العالم الثالث، التجربة تتخللها كثير من التحديات، منها توفر أدوات ووسائل العمل الأساسية للعمل عن بعد، كالكهرباء والإنترنت وشبكة للاتصالات الخليوية بجودة كافية. وقد يكون توفير غرفة مستقلة عن العائلة للعمل شيئاً مستحيل.

بشكل عام، أثبتت التجربة في مجتماعاتنا على الأقل، أنه لا يمكن الاستغناء عن اللقاء المادي، لما له من أهمية كبيرة على الصحة النفسية، وتبين أيضاً أن لقاء البشر وتجمعهم هو من يضفي الجمال والروح للكثير من مفاصل الحياة كالشوارع والمتاحف والحدائق وحتى في أماكن العمل، فوجود الموظفين مع بعض المحفزات وجو المرح الذي يتخلل ساعات الدوام، يعتبر منشطاً ذهنياً مهماً للغاية، ويكون في كثير من الأحيان مشجعاً على الإنتاج الجماعي ضمن فريق عمل حيوي وخلاق.

العيش في عالم افتراضي 100% خاطئ، وتبني هذا الأسلوب في مفاصل الحياة التي تحتاج بشدة وجود البشر بالقرب من بعضهم، يُفضي إلى نتائج سلبية، فقد تبين أن جزءاً لا يستهان به من العلم والتعليم والثقافة لا يمكن أن تُعطى وتشرح عن بعد دون لقاء شخصي وتفاعل حقيقي، ويمكن ضرب أمثلة بذلك في عودة طلاب أوروبا إلى المدارس قريباً لأهمية التعليم التفاعلي وضرورة اكتساب الخبرات وكثير من الثقافة من المحيط والجماعة، وضرورة أن يعيش الشخص إخفاقاته وإخفاقات غيره ونجاحاته ونجاحات غيره وأن يقوم بالتجريب العملي. في النهاية ستكون شخصية الإنسان مريضة ومنغلقة دون علاقات ناجحة وفاشلة مع الأقران إن ابتعد عنهم وعاش في عالم افتراضي.

كثير من المنظرين للتحول نحو العمل عن بعد، ينسون دراسة جميع قطاعات الحياة، وبعض من يتحدث عن ضرورة التعلم عبر الإنترنت، لا يتطرق لضرورة معاشرة الغير لاكتساب الخبرات الحياتية المتنوعة وتكوين شخصية الطفل المستقلة عبر الملاحظة والحس والتجربة.

في النهاية، الحجر الصحي الحالي الذي يعتمد على البقاء في المنازل، بدأ يتلاشى تدريجياً في كثير من الدول الرأسمالية أو الشمولية على حد سواء ولسبب واحد فقط، هو تدهور الاقتصاد الذي تبين أنه لا يمكن أن يدار أون لاين ككل، فحتى المهن والأعمال التي تدار 100% عبر الإنترنت عن بعد طالتها أزمة اقتصادية استدعت تسريخ بعض الموظفين أو تخفيض أجورهم متأثرةً بتوقف المهن التي تدار من على الأرض كالمطاعم وقطاع النقل والترفيه وغيرها، فعدم ذهاب بعض الموظفين لأعمالهم، أضر بمن بقوا في المنازل بشكل أو بآخر.

ما نعيشه اليوم، يشير بقوة إلى أن تعطل الإنسان عن العمل يهدد بقاء المجتمع بعقده الاجتماعي، وبالتالي الحديث على اقتحام الروبوتات مستقبلاً مجالات عمل البشر وأن تحل محله تماماً، ربما ضرب تفاؤل من منتجي هذه التكنلوجيات فقط، وبدلاً من الاقتحام ستبقى مساعداً في عمله ليس إلا، أو ستُخلق لها أجزاء من وظائف بشرية.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND