آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



حازم تحسين عوض
حازم تحسين عوض
مدير تحرير "بوابة الاقتصادي كوم" منذ سبتمبر (أيلول) 2017، ال..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

 

لم يعد الإعلام المعاصر بحاجة إلى كثير من المعايير التي كانت إلى وقت قريب من سمات نجاحه وتفوقه، ولا إلى الأساليب التقليدية في الحصول على المعلومات وعرضها، فمع تطور "مفهوم الاتصال" تطورت معه كثير من المفاهيم التي كسرت النمطية، وباتت القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها الوسيلة الإعلامية تتطلب البحث والربط والتحليل باستخدام التقدم التقني واستغلاله إلى أبعد الحدود.

سابقاً، ومنذ وُضعت نظرية حرّاس البوابة وتعريفها بشكل رسمي من قبل عالم النفس النمساوي كيرت لوين عام 1943، كانت حراسة البوابة منوطة بالقائمين على الاتصال (سلسلة العاملين في الوسائل الإعلامية)، بدءاً من اختيار المراسل لمصادر المعلومات حول قضية يُعتقد أنها مهمة، ثم تحجيمها أو توسيعها وترتيبها من قبل المحرر، حتى اتخاذ قرار نشرها عبر مدير التحرير، لتخرج مادة صحفية إلى الجمهور بشكل نهائي وفقاً لرؤية عامة وضعها رئيس التحرير.

كان ينظر البعض لتلك العملية على أنها مسؤولة وذات فائدة، بحجة عدم ضياع الجمهور بتفاصيل ليست مهمة، أو غير مفهومة، أو تخالف عادات المجتمع وتقاليده والجمهور المستهدف، أو كي لا ينحرف الرأي العام باتجاه قضايا تعرِّض الوسيلة نفسها للمساءلة.

استمرت تلك الآلية تقريباً في كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وكانت السبب الرئيس لتشكيل الرأي العام في قضايا معيّنة بمعلومات موسعة، أو تحييد الرأي العام عن قضايا بعينها عبر حجب المعلومات أو فلترتها.

ربما لم يكن كسر تلك النمطية سهلاً، واحتاج كثيراً من الوقت ليصبح ضرورة، كون حراسة البوابة كانت تعتبر نوعاً من المسؤوليات الاجتماعية التي تقع على عاتق القائم بالاتصال كقائد رأي، إضافة إلى أنها ضامن لاستمرارية الوسيلة بالعمل، حتى جاء عصر الإنترنت ليكسر تلك النمطية بشكل صارخ.

لنتفق بداية، أن حراسة البوابة، قد تبدأ ليس من المراسل الصحفي فقط، بل من مصدر المعلومات نفسه، الذي قد يحجب الكثير من التفاصيل قبل وصول المعلومات إلى المعنيِّ بالنشر، وهذا أهم ما يمكن تسليط الضوء عليه بهذا الصدد.

بعد كسر الإنترنت لنمطية حراسة البوابة، تغيّر المعنيُّ بالحراسة في بعض الحالات وتحجّم دوره في حالات أخرى، بينما بات دوره مختلفاً ويتطلب الكثير من العمق والحرفية في الوسائل التي تبحث عن فائدة الجمهور في الإعلام المعاصر.

في عصر الإنترنت، استسهلت بعض الوسائل الإلكترونية العمل، وراحت لتحقيق غاية محددة فقط عبر زيادة النقرات مع ضخامة المحتوى لتحقيق عائدات أكبر من قبل المعلنين، فانصب اهتمامها على نشر المحتوى دون الاكتراث للمعلومات المحشوة غير المهمة أو التفاصيل غير المكتملة التي قد تؤثر على المتلقي سلباً.

في تلك الوسائل، لم تعد فلترة المعلومات وإبقاء المناسب والمفيد منها عبر حراس البوابة أمراً مهماً، حيث يمكن لشخص واحد أن ينسخ محتوى ما وينقله إلى موقع إلكتروني منوع الأبواب، ضمن خط عريض يسميه البعض سياسة تحرير وهو عبارة عن تحديد المواقع التي يمكن اعتماد محتواها كاملاً والأمور السياسية الممنوع تداولها، وغالباً تنقل المواد كما هي دون الاكتراث لما تحويه من معلومات مهمة أو حشو، ويعتبر ذلك نموذجاً سطحياً لكسر نمطية الحراسة دون فائدة إعلامية تذكر.

في المقابل، كانت هناك أدوار عميقة للإعلام الإلكتروني المعاصر، ساهمت بكسر البوابات نفسها للحصول على المعلومات المحجوبة من قبل الحراس، فما دام هناك إنترنت، فهناك بيانات يمكن الوصول إليها من مصادر مفتوحة، ويمكن اختيار المعلومات المهمة منها وصياغتها وترتيبها ثم تقديمها للجمهور ومساعدتهم على فهم قضية معينة بسياقاتها وخلفياتها، أو كشف تفاصيل بعينها عبر ربط تلك معلومات ببعضها وتحليلها.

وزاد الدور العميق للمصادر المفتوحة مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت كل شخص في هذا العالم الافتراضي عبارة عن كاسر للنمطية، وكاشف للمعلومات ومقدم لها، ليساعد القائم بالاتصال على تحليل البيانات المتاحة عبر مشاهدات أشخاص من أماكن الأحداث، وأصحاب قرار من الصعب الوصول إليهم، يقدمون معلومات معينة من منابرهم الإلكترونية، وهذا بحد ذاته كسر للبوابات، حيث بات المصدر نفسه هو القائم بالاتصال، ودور القائم بالاتصال التقليدي جمع البيانات وتحليلها ووضعها في سياقات معينة.

والكثير من المصادر الرسمية التي تمتلك المعلومات المهمة معرضة غالباً للمساءلة، أو فقط تخشى احتمال المساءلة أو خسارة دورها الوظيفي، وباتت بعض الدوائر والمؤسسات والوزارات التي تملك كماً هائلاً من البيانات تخشى الوصول إليها، لذلك وضعت بوابات مع حراسة مشددة باسم "المكاتب صحفية"، وظيفتها اختيار الوسائل التي يمكن النشر بها، والمعلومات التي يجب أن تنشر والتي لا يجب أن تنشر، حتى إنهم باتوا يتدخلون في بعض الدول بدور الوسيلة ومحتواها، ويطلبون حجب معلومات منشورة، وبعضهم باتوا يمتنعون نهائياً عن التعامل مع وسائل الإعلام، والاكتفاء بنشر ما يريدون من معلومات منقوصة وموجهة على مواقعهم الإلكترونية أو صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بتلك الجهات.

حراس البوابة الرسميون في زمن الإنترنت، جعلوا المحتوى الإلكتروني موجهاً ومليئاً بالحشو غير المهم وهو ما يسمى Spin Doctoring أي بمعني "جعل الصحفي يدوخ في دوامة المعلومة العائمة غير الواضحة"، لذلك، بات الحصول على المعلومة المهمة للجمهور من بين هذا الكم الهائل من الحشو المنشور، يتطلب دقة ونباهة وحرفية عالية لالتقاط المهم للتوظيف من قبل محللي البيانات، بينما صار الوصول إلى المعلومات غير المنشورة أمراً يتطلب تدريباً متطوراً يتماشى مع التقدم التقني، وقدرة عالية على بناء الثقة بين الصحفي ومصدره، بوقت تقدم فيه دور إدارة التحرير إلى البداية ليرافق الصحفي من اختيار القضية إلى آلية الوصول للمعلومة وتدقيقها وتوثيقها، ثم نشرها، بينما كان دوره شبه محصور بالفلترة النهائية للنشر أو الرفض، ليصبح العمل الصحفي المعاصر عبارة عن ورشة عمل في كل مادة.

من الصعب اليوم وفي ظل كل تلك الأزمات التي تعصف بأغلب دول العالم وما يرافقها من زيادة في البحث عن محتوى مهم ومفيد، ممارسة الدور التقليدي لحراسة البوابة وحجب المعلومات، في عصر بدأ يرسم ملامحه المستقبلية عبر الذكاء الاصطناعي. وإن تم الحجب فعلاً، فمن الصعب منع التجميع والتحليل والإشارة التي قد تعرّض حاجبي المعلومات إلى المساءلة الشعبية، على الأقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتضعهم في مواقف تفقدهم مصداقيتهم مقابل زيادة مصداقية القائم بالاتصال التحليلي.

ومع تقدم التكنولوجيا أكثر والتوجه نحو الأتمتة وزيادة تمرس الصحفيين مع المتغيرات الجديدة، قد يتم الاستغناء تماماً عن المصادر الرسمية في أسلوب صحفي معاصر.

 

 

 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND